; من فقه الانتخابات «1» | مجلة المجتمع

العنوان من فقه الانتخابات «1»

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 75

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 11-أبريل-1995

المجتمع التربوي

إنشاء المؤسسات وإدارتها بالطريقة الجماعية من أكبر الأسباب الدافعة لبقاء الأمم والدول، حيث الإنسان نفسه فاعلٌ غير مهمل، منتجٌ غير معطل، والرجل هو الذي يرفض أن يكون عالة على مجتمعه وأمته...

قد رشحوك لأمر لو فطنت له           فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وكانت العرب تعتبر الجلوس وعدم المشاركة في البناء نوعًا من المسبة والمنقصة، ولهذا جاء الزبرقان بن بدر إلى عمر بن الخطاب يشكو الحطيئة بأنه هجاه في قوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها               واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وعلى هذا فالمشاركة في صناعة الأمة وأحداثها ويومياتها، وعدم الانعزال عنها من ضروريات بناء واستكمال الشخصية، وإتاحة المشاركة في اختيار قادة المجتمع نوع من الرقي في بناء الفرد في المجتمع، وهو كذلك نوع من ترسيخ الانتماء والتفاعل في تنفيذ قرارات المؤسسة، وهذه المشاركة ليست بالضرورة أن تلتزم صورة واحدة، بل العقل البشري ولاد، يوضع له الهدف، وهو إتاحة الفرصة بأكبر قدر ممكن لشرائح المجتمع لصناعة مجتمعها، مع الالتزام بأصول الدين وقواعده، ثم يترك للعقل البشرى أن يدرس التجارب الحياتية في العالم أجمع؛ ليأخذ أحسنها، ويترك الخطأ منها، وخلاصة الأمر أن المشاركة في العملية الانتخابية لأي مؤسسة في البلد هي نوع من الجدية والعطاء، والخروج من السلبية والإحباط.

وفي موضوع الاختيار سنتحدث عن بعض القواعد التي تراعى أثناء عملية الاقتراع وممارسة الانتخاب.

القاعدة الأولى: الإخلاص وتجديد النية

فالإنسان في زحمة العمل قد يغفل عن استحضار النية، وقد كان سلفنا- رضوان الله عليهم- دائمًا يستحضرون النية، فكان أحدهم يقول: إني منذ أكثر من عشرين سنة لم أشرب الماء إلا بنية، وهذا يستلزم السلوكيات الصحيحة في العمل النقابي، وهي:

أ- الابتعاد عن الكذب، فأي كسب انتخابي يأتي بالكذب يعتبر كسبًا حرامًا، وسيترتب عليه تضييع الأمانة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة».

القاعدة الثانية: إخضاع عملية الاختيار لميزان الحق

إن ميزان المؤمن فيه من الدقة ما يجعل من لا يعرف في فقه السياسة الشرعية يقع في اضطراب مستمر وهو يعيش يوميات العمل السياسي، فالاختيار هو نوع من الاستئجار من جهة، وهو توكيل من جهة أخرى، ولذلك نرى أن تتم ملاحظة الأمور التالية:

  1. التكامل بين القوة والأمانة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾(القصص:26)ـ فهو قوي يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق، وقوي يقدر على العمل، وكل عمل تقدر له القوة المناسبة، وهو أمين بكل معنى الأمانة، والقوة والأمانة عند اجتماعها في الرجل تهفو إليه الفطر السليمة التي لم تفسد بأي تلوث.
  2. التكامل بين العلم والحفظ: قال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾(يوسف:55)، إن الأمة اليوم تحتاج إلى الحفيظ العليم، ليحفظ ما نحن فيه ويصونه، ثم تكون عنده قدرة على إدارة الأمور.

ج – التمكن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾(يوسف:54)، فهو نظيف لا يضع القيد في عنقه، ولا يتهافت على نظرة رضا وكلمة سواء.

القاعدة الثالثة: استشعار مبدأ النصرة في التعامل مع الخيرين

والنصوص في ذلك كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا»، فالتجهيز نوع من النصرة، ويبدأ من الدعاء بالكلمة، ثم بالتأييد بالمال، وهكذا كل ما هو من باب النصرة، وقال صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

 والنصرة لها أثر كبير في حسم الأمور، فهذا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في خلافة الصديق ينهي الإشكال بمناصرة للحق، فيقول للصديق في سقيفة بني ساعدة: «امدد يدك أبايعك، أيها الناس، إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد اختاره لديننا، فكيف لا نختاره لدنيانا؟»، وسلفنا كانوا قادة في فهم النصرة، فالأنصار يقولون: «ليتنا متنا قبله، وما شهدنا دفنه»، يقصدون النبي- صلى الله عليه وسلم- فيقول عدي بن حاتم: «بل أنا لا أتمنى ذلك، فقالوا: لم؟ قال: «لأنصره وأصدقه ميتًا كما صدقته ونصرته حيًّا».

الرابط المختصر :