العنوان الانتخابات الصهيونية القادمة.. استفتاء على مواصلة العدوان
الكاتب د. صالح النعامي
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 90
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 37
الأربعاء 31-أغسطس-2022
حالة العالم الإسلامي
لنتائجها تأثير غير مسبوق على الصراع فهي فرصة لنقل اليمين الديني الأكثر تطرفاً من الهوامش إلى قلب التيار العام
استطلاعات الرأي تتوقع حصول الحركة الكهانية على تمثيل وازن ما يحمل تداعيات خطيرة
«الكهانية» أعلنت أن أي حكومة ستشارك فيها ستسن قانوناً لتنفيذ الإعدام ضد عناصر المقاومة
.. أوضحت أن لديها مخططاً لسلب فلسطينيي الداخل أراضيهم
د. صالح النعامي
تدل كل المؤشرات على أنه سيكون لنتائج الانتخابات «الإسرائيلية» القادمة تأثير غير مسبوق على اتجاهات الصراع مع الأمة، فهذه الانتخابات ستمثل فرصة لإضفاء شرعية سياسية على عملية نقل اليمين الديني اليهودي في نسخته الأكثر تطرفاً من الهوامش إلى قلب التيار العام.
ولعل أكثر ما يدفع إلى هذا الحكم نتائج استطلاعات الرأي العام المتواترة التي تتوقع أن تحصل الحركة الكهانية على تمثيل وازن في البرلمان القادم، وفي حال تحقق هذا السيناريو فإنه يحمل في طياته تداعيات خطيرة.
الحركة الكهانية هي الذراع السياسية لتيار الديني الخلاصي الحردلي، الذي يجمع بين تشدد التيار الحريدي الفقهي والتطرف القومي للصهيونية الدينية، حيث يتمثل العمود الفقري للمنطلقات الدينية والأيديولوجية لهذا التيار في تهيئة الظروف التي تساعد على ظهور «المخلص المنتظر» عبر جهود بشرية، وترى أن اندلاع حرب «يأجوج ومأجوج» هو الحدث الذي يظهر خلاله أو بعده المخلص المنتظر الذي يقود اليهود نحو حكم العالم.
وفي نظر معظم مرجعيات هذا التيار، فإن المسلمين يمثلون «يأجوج ومأجوج» هذا العصر، وإن الصراع على القدس هو الذي سيشعل هذه الحرب؛ لذا فإن الكهانية تجاهر بالدعوة لتدمير المسجد الأقصى والقيام بكل ما يضمن استفزاز المسلمين لضمان اندلاع هذه الحرب.
من هنا، فإنه عندما يتم تمثيل هذه الحركة وهذا التيار في البرلمان والحكومة الصهيونية، سيتم فتح الباب على مصراعيه أمام فصل جديد من الصراع.
ومما يشي بجدية المخاطر التي ستمثلها النجاحات المتوقعة للكهانية في الانتخابات القادمة، حقيقة أن هذه الحركة أعلنت أن أي حكومة ستشارك فيها بعد الانتخابات القادمة ستسن قانوناً يشرع تنفيذ حكم الإعدام ضد عناصر المقاومة الفلسطينية وطرد كل من يعمل ضد «إسرائيل»، كما تعهدت الحركة بسن قانون يمنح حصانة من الملاحقة القانونية لجنود وعناصر شرطة الاحتلال الذين يقتلون فلسطينيين.
ليس هذا فحسب، بل إن الحركة أوضحت أن لديها مخططاً لسلب فلسطينيي الداخل أراضيهم، سيما في منطقة النقب المحتل، حيث وعدت بمنح الجنود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية أراضي في هذه المنطقة دون مقابل، «بن غفير» نفسه أعلن أن سن مشروع قانون لطرد الفلسطينيين المشاركين في الفعل المقاوم سيكون شرطاً لانضمامه إلى أي حكومة، حيث سينص القانون على طرد كل فلسطيني يلقي الحجارة أو الزجاجات الحارقة على جنود الاحتلال.
من هنا، فإن التوافق على خطة طرد مفصلة للفلسطينيين ستبحث في إطار المفاوضات الائتلافية التي ستجرى بين الأحزاب الصهيونية لتشكيل الحكومة القادمة، حيث إن الكهانية تطالب بتدشين وزارة لتشجيع الفلسطينيين على الهجرة إلى خارج فلسطين على اعتبار أن هذا شرط لانضمامها للحكومة.
صعود الكهانية يحكي في الواقع قصة صعود التيار الحردلي، الذي يجمع بين التشدد الفقهي للتيار الديني الحريدي، والتطرف القومي للتيار الديني الصهيوني، فقد باتت الكهانية جزءاً من التيار العام، ويدل على ذلك المشاركة الجماهيرية الواسعة في مؤتمراتها الانتخابية، وتهاتف الإعلام الصهيوني على إجراء المقابلات مع «بن غفير»، وإعلان أحزاب اليمين، سيما لليكود عن استعدادها للمشاركة في حكومة تضمن الكهانية.
ويجسد صعود الكهانية بشكل فج رواية الكاتب الصهيوني «دانيل جلري» التي تنبأت بتولي التيار الحردلي الحكم في «إسرائيل» وتحويلها إلى دولة «شريعة» وتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه وطرد الفلسطينيين في شاحنات للدول العربية!
المفارقة أن الولايات المتحدة التي أعلنت عن «الكهانية» حركة إرهابية قبل 20 عاماً، أخرجت هذه الحركة من قائمة التنظيمات الإرهابية مؤخراً في مؤشر على إدراكها أن هذه الحركة ستكون ضمن منظومة الحكم في الكيان الصهيوني، وهذا يشي بطابع النفاق الأمريكي، الذي يتعامل مع الإرهاب حسب أصله وليس حسب واقعه وفعله.
ومن الحركات التي تتنبأ استطلاعات الرأي بتمثيلها في الكنيست والحكومة الصهيونية القادمة حركة «الصهيونية الدينية»، التي يقودها «بتسلل سمورطتش»، الذي أسس عندما بلغ 17 عاماً التنظيم الإرهابي «فتية التلال»، الذي يغتصب الأرض الفلسطينية ويدشن عليها النقاط الاستيطانية، ويجاهر «سمورطتش» بأنه يتبنى الفتوى التي أصدرها الحاخام «موشيه بن ميمون» في القرن الثاني عشر التي تخيّر غير اليهود الذين يقطنون أرض فلسطين بين الفرار، أو العمل كخدم لليهود، أو القتل.
وإن كان هذا لا يكفي فقد مثلت نتائج الانتخابات التمهيدية التي أجراها حزب الليكود المعارض الذي يعد أكبر الأحزاب الصهيونية، ويرجح أن توكل له مهمة تشكيل الحكومة القادمة، لاختيار ممثليه في الكنيست، مثلت دليلاً على جنون التطرف الصهيوني، فالذين تصدروا نتائج هذه الانتخابات هم الغلاة من المتطرفين، حيث إن جميعهم يؤيدون بدون تحفظ ضم الضفة الغربية للكيان الصهيوني، علاوة على أنهم يدعمون التحالف مع الحركة الكهانية.
ويكفي التعرف على مواقف وأفكار أحد الفائزين في هذه الانتخابات وهو «موشيه فيغلين»، الذي يقول: إن «العربي لا يعيش في الصحراء، بل العربي يوجد الصحراء»، و»العرب لا يعرفون الإبداع»، كما أنه اعتبر استخدام الإرهاب في مواجهة الفلسطينيين «أمراً أخلاقياً ومنطقياً»، وتعهد ببناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى حال وصل إلى منصب رئيس الوزراء.
أما حزب «الروح الصهيونية» الذي تقوده وزيرة الداخلية «إياليت شاكيد»، فيحاول أن يزايد على المعارضة عبر تبني مواقف أكثر تطرفاً منها، فقد أعلنت «شاكيد» دعمها للحملة التي يعكف عليها المستوطنون اليهود لبناء نقاط استيطانية جديدة في أرجاء الضفة الغربية دون إذن الحكومة التي تشارك فيها، ووصفت «شاكيد»، في تغريدة، المستوطنين الذين يشاركون في تدشين البؤر الاستيطانية غير القانونية بأنهم «فتية رائعون»، مثنية على دورهم من «أجل استيطان هذه البلاد، ويشكل إخلاصهم ضمانة لتغلب الصهيونية على أي تحدٍّ أو أزمة، داخلياً أو خارجياً».
أما الأحزاب التي توصف بأنها «أكثر اعتدالاً»، فإنها تتبنى مواقف أيديولوجية بالغة التطرف، فوزير الحرب «بني غانتس» الذي يقود تحالف «المعسكر الرسمي»، سبق أن تباهى بدوره في قتل وجرح آلاف الفلسطينيين خلال حرب عام 2014م على غزة، فضلاً عن دوره في تدمير آلاف المنازل بالقطاع، وتفاخر بأنه تسبب بأكبر عدد من المقابر في لبنان، كما أن شريكه في قيادة هذا التحالف «جدعون ساعر» كان من قيادات الليكود وانشق عن هذا الحزب اعتراضاً على قيادة «نتنياهو» له وليس رفضاً لمنطلقاته الأيديولوجية، وهو يدعم ضم الضفة الغربية وتوسيع دائرة القمع ضد الشعب الفلسطيني، ومن الشخصيات التي انضمت مؤخراً إلى هذا التحالف الوزير السابق «متان كهانا» الذي بثت قناة التلفزة الرسمية فيديو يقول فيه: «لو كان بوسعي أن أطرد العرب (يقصد الفلسطينيين) من هنا في قطارات بضغطة زر لفعلت»!
أما حزب «ييش عتيد»، الذي يقوده رئيس الحكومة «يائير لبيد»، الذي يقدم نفسه على أنه يمثل «الوسط»، فيتبنى مواقف لا يمكن لأي فلسطيني أن يرى فيها أساساً للتفاوض لحل الصراع، حيث إن هذا الحزب الذي تم الإعلان عنه في مستوطنة «أرئيل»، شمال غرب الضفة الغربية، يدعم ضم التجمعات الاستيطانية اليهودية ويرفض الانسحاب من القدس ويعتبرها «العاصمة الموحدة» للكيان الصهيوني، ويرفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، ويتبنى الحل الاقتصادي كبديل عن الحل السياسي للصراع.
أما حزب «العمل» وحركة «ميريتس» اللذان يمثلان «اليسار» الصهيوني، فقد أثبتا أنهما لا يختلفان من ناحية عملية عن الأحزاب التي تتباهى بأنها تمثل قلب اليمين، على اعتبار أن هذين الحزبين يشاركان في الحكومة الحالية التي تواصل التهويد والاستيطان والقمع وترفض حل الدولتين.
قصارى القول، الانتخابات الصهيونية القادمة هي سباق بين غلاة المتطرفين واستفتاء على مواصلة العدوان.