; الافتتاحية- الانتفاضة وخطر الإجهاض | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية- الانتفاضة وخطر الإجهاض

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 859

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 22-مارس-1988

إنها الانتفاضة المباركة التي لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا، والتي أجبرت كل القوى على التحرك كالملدوغة في كل اتجاه بغية البحث عن حل أو مخرج من هذه الأزمة، لا التي يعاني منها الشعب الفلسطيني تحت قبضة الاحتلال، بل التي يعاني منها الاحتلال نفسه تحت ضربات الشعب الأعزل!

وقد رأينا مسؤولين يطيرون من عاصمة إلى عاصمة، ويعطون التصريح تلو التصريح، ورأينا رؤساء يهرعون من عتبة إلى عتبة ويخرجون بالمبادرة تلو المبادرة، ورأينا الوفود تتبعها الوفود، والمبعوث تلو المبعوث يجيئون إلى المنطقة، وكلهم يلوكون ويمضغون آخر ما ابتكرته مصانع السلاح والدمار الأمريكي من «أفيون السلام المزعوم»!

وفي ظل هذه الأجواء، تبدو الكثير من الدلالات والمؤشرات التي تفوح من خلالها رائحة الطبخة، والتي لعل أهمها وأبرزها تلك المحاولات التي ظهرت في الأسابيع القليلة الماضية، والتي تستهدف تجاهل مشاركة الإسلاميين في الانتفاضة وطمس دورهم الريادي فيها، وهم الذين كانت ولا زالت عملياتهم الجهادية النوعية ودماء شهدائهم شرارة الثورة التي أعطوها ذلك الزخم العظيم والتواصل المذهل بنداءات الجهاد والتكبير من على مآذن كل فلسطين، حتى غدت المساجد - وبشهادة العدو قبل الصديق - غرف القيادة ومراكز التعبئة ومنطلق المسيرات.

إننا نعي جيدًا سر هذا التوجه نحو ثورتنا المباركة.. إنها محاولة الالتفاف عليها لإجهاضها.. بل إنها «المؤامرة» التي تستهدف وحدة شعبنا وتواصل ثورته.. والتي تسعى إلى تهيئة جماهيرنا المجاهدة «لابتلاع الطعم» من خلال ترويضها بنفس الدور الذي قام به سلفها إبان ثورة 1936 حين اعتادت الجماهير على السماع لتلك الجهة طيلة شهور الإضراب الستة ثم كانت الطامة الكبرى والخذلان المروع، يوم أن خرجت هذه الجهة تطالب الجماهير التي أولتها ثقتها بإنهاء الإضراب ووقف الثورة!

عقب استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام في تشرين الثاني "نوفمبر" 1935، اندلعت شرارة الثورة في كل أنحاء فلسطين.

وفي نيسان "إبريل" 1936، بدأت الجماهير الفلسطينية إضرابها العظيم الذي شمل كل مرافق الحياة في كل مدن وقرى وبوادي فلسطين، وقد واكب ذلك مواجهات وصدامات عنيفة مع قوات الاحتلال وهجمات متواصلة على منشآت وتجمعات جنوده، أوقعت به خسائر فادحة، كما أسفرت عن سقوط العديد من الشهداء في صفوف أبناء شعبنا المجاهد.

وهكذا، وفيما كانت الجماهير تواصل تقديم شهادتها للتاريخ، وشهدائها ببسالة وإصرار، خرجت بعض الجهات العربية آنذاك لتدعو هذه الجماهير إلى وقف إضرابها وثورتها، حالها في ذلك حال من «صمت دهرًا ثم نطق كفرًا».

وهكذا، ومن خلال المراجعة السريعة للوثائق التاريخية ولما صدر عن قيادة الإضراب من بيانات ومواقف آنذاك، نرى أنه فجأة وبقدرة قادر تتحول بريطانيا لدى هذه القيادة وكما جاء في بياناتها من «احتلال بريطاني غاشم» إلى «حكومة بريطانيا الصديقة»، وتتحول «الثورة الشعبية الخالدة» إلى «اضطرابات»، ويكون الاعتماد على «حسن نوايا الصديقة بريطانيا» بدلًا من الاعتماد على «الله سبحانه وتعالى»، وتصبح المصلحة في «الإخلاد إلى السكينة» لا في «مواصلة الجهاد والكفاح».

فيا أبطال ثورة المساجد في فلسطين... هذا هو التاريخ... وهذا هو الدرس الذي لا نظنكم إلا وقد وعيتموه جيدًا.. فهل هي بساطة جماهيرنا؟ أم حالة اللاوعي وفقدان الهوية التي سيطرت على قيادتها فجعلت من بريطانيا صديقة يعتمد على حسن نواياها؟ وهي نفسها بريطانيا التي نسفت المنازل على رؤوس الأبرياء وأعدمت الأحرار والشرفاء وكسرت العظام ويتمت الأطفال ورملت النساء وقتلت الشيوخ، وزجت بالآلاف من أبناء شعبنا في السجون والمعتقلات، وهي أولًا وأخيرًا أساس البلاء وموطن الداء، فهي التي زرعت الكيان الصهيوني ومكنت له على أرض فلسطين.

يدور التاريخ دورته الآن.. والصورة هي الصورة... وكما مثلت بريطانيا بالأمس رأس الحربة فيه فإن أمريكا تقود جوقته اليوم.

فيا جيل ما بعد كل الحروب وكل الهزائم... يا جيل الانتفاضة والثورة المباركة... إذا كانت ثورة أجدادكم قد أجهضت إكرامًا لسواد عيون أصحاب «الأوامر السامية» حيث لا يعلو ولا يسمو على ثورتكم سوى الله شيء، فلن يعدموا الوسيلة ليحاولوها معكم.. فقد تصلكم النداءات غدًا تتحدث عن الوساطة لدى أمريكا واستعدادها للمشاركة في حل قضيتكم - كقضية لاجئين طبعًا - وقد لا يصفونها بالصديقة هذه المرة فاللعبة أصبحت مكشوفة وقد ينالها من السباب والشتيمة ما يعتقدون أنه يرضيكم ويدغدغ عواطفكم.. وفي المقابل سترتفع الكثير من الأصوات - وقد بدأت - لتتحدث عن «العقلانية والموضوعية والفرص الذهبية التي يجب عدم تضييعها وسياسة شيء أفضل من لا شيء»، وكلها مقولات ستصب في النهاية باتجاه ضرب ثورتكم وإجهاضها.

فيا من تدشنون بأجسادكم الطاهرة وحجارتكم المباركة نهاية الحقبة الإسرائيلية، حين تصل إلى أسماعكم نداءات القوم، وتتضح ما ستسفر عنه نخوة الوسطاء. حين يحاولون معكم.. تذكروا أجدادكم أولًا... ثم تحسسوا رؤوسكم التي شجها السلاح الأمريكي، وتحسسوا عظامكم التي كسرتها هراوات أمريكا، وتحسسوا أنفاسكم وأنتم تخنقون بغاز قنابل أمريكا، وتحسسوا جراحاتكم لتعرفوا الأحجام والعيارات المختلفة لرصاص أمريكا، وتحسسوا قيودكم وسجونكم التي شيدتها دولارات أمريكا، وتحسسوا جوعكم الذي فرضته عليكم الهيمنة الأمريكية. وقبل كل شيء وبعده تذكروا شهداءكم، واعلموا أن حركتكم المباركة وثورتكم الرائعة، وتضحياتكم الجسيمة لن تذهب هدرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن هذه الأمة لا بد أن تتحرك في النهاية لتقف معكم دفاعًا عن ذاتها وتصفية للمشروع الصهيوني الغربي الخبيث في ديار المسلمين.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل