العنوان حوار ساخن بين العلمانيين والإسلاميين في أكسفورد (۲-۲)- العلمانيون في العالم الإسلامي وتسييس حقوق الإنسان
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 149
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 16-يوليو-1996
- الندوة تكشف عن أهمية تبني الإسلاميين لمنظمات نشطة تتعاون مع منظمات حقوق الإنسان العالمية.
كشفت الحوارات التي دارت خلال جلسات ندوة الإسلاميون وحقوق الإنسان التي انعقدت في لندن بين السابع والثامن من شهر مايو «أيار» ١٩٩٦م عن وجود تخوفات كثيرة لدى منتسبي التيارات غير الإسلامية في العالم الإسلامي، وكذلك لدى ممثلي منظمات حقوق الإنسان العالمية، على مصير حقوق الإنسان في العالم العربي إذا وصل الإسلاميون إلى الحكم، بعض هذه التخوفات مبالغ فيه بلا شك، وبعضها له ما يبرره، ولذلك اختار الدكتور عبد الوهاب الأفندي في نهاية ورقته التي قدمها للندوة التذكير بأن على الجماعات الإسلامية- التي يعتبرها كثيرون مصدر تهديد كامن أو فعلي للحقوق الأساسية- أن تعيد طمأنة خصومها وأن تعبر بشكل لا لبس فيه عن التزامها بحماية هذه الحقوق، واقترح مبدئيًا أن تدخل هذه الجماعات في مفاوضات مع القوى السياسية الأخرى سعيًا للتوصل إلى وثيقة لحماية الحقوق الأساسية يلتزم بها الجميع.
إلا أن الأفندي حرص على التأكيد بأن من المضلل عزو الانتشار المستمر والمزمن لانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى صعود الجماعات الإسلامية وتعزز نفوذها، موضحًا أن تصاعد العنف السياسي في بعض الأقطار- وخاصة مصر والجزائر، إنما سببه القيود المفروضة على الحريات والإصرار على تعطيل المسار الديمقراطي، وليس العكس، واستشهد بتجارب ماليزيا والأردن وباكستان وبنجلاديش والكويت، واليمن حيث ثبت أن الممكن إحباط العنف السياسي مسبقًا بإدخال إصلاحات سياسية.
إلا أن الحركات الإسلامية بشكل عام تواجه مشكلة ليست بالهيئة، فهي متهمة، وبحاجة إلى أن تبرئ نفسها- كما أشار الأفندي- من تهمة أنها عقبة في طريق الإصلاحات الديمقراطية وهذا يستوجب من زعماء الحركات الإسلامية ومفكري التيار الإسلامي الذين يؤمنون بالديمقراطية وسيلة للإصلاح والتغيير ويؤيدون التوسع في الحريات الفردية أن يصدعوا بآرائهم بجرأة وأن يعبئوا الرأي العام الإسلامي لمعارضة الاستبداد والفاشستية بكل أنواعها، سواء كانت متخفية وراء أقنعة إسلامية أو ليبرالية.
دعوة للتخلي عن الشريعة:
كما كشفت ندوة لندن عن وجود نخب علمانية عربية ومسلمة تتصدر المطالبة بالتخلي عن الشريعة وإعادة النظر في أصول الفقه، زعما بأن الشريعة وأصول الفقه عقبة في طريق احترام حقوق الإنسان، ويروج بعضهم لفكرة أن القرآن المدني منسوخ، وأن القرآن الذي نزل في مكة هو أصول الدين بينما ما نزل في المدينة هو مجرد شرح وتنزيل لهذه الأصول على مجتمع المدينة في القرن السابع الميلادي، بما يعني أنه لا يصلح لهذا الزمان على اعتبار أن المجتمع في ذلك الوقت كان متخلفًا، وتستهدف مثل هذه الدعوات بالذات إلغاء الجهاد والحدود لأن آياتها نزلت في المدينة، وبذلك يتحقق إلغاء كل الأسس ويصبح الإسلام دينا محايدًا مثل المسيحية يقتصر على عقائد فقط وينحصر في الجانب الروحي للأفراد.
وكشفت الندوة عن إشكالات خطيرة فيما يتعلق بعمل منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والتي تعمل في كثير من الأحيان كوسيط بين المجتمع المحلي والمنظمات العالمية التي تنبري بقدراتها المالية والإعلامية ونفوذها الدولي للدفاع عن المظلومين والمضطهدين.
وقد أشار الدكتور عبد الوهاب الأفندي في مداخلته إلى أنه لا يوجد في العالم العربي حركة حقوق إنسانية حقيقية، وهو أمر حسب رأيه لابد من مواجهته والاعتراف به، ولا أدل على ذلك من أن بعض المنتسبين للمنظمات المحلية والمشاركين في الندوة لم يكونوا ينطلقون من وضعهم الحقوقي وإنما من موقف سياسي مناكف، جل همه نزع المصداقية عن الحركات الإسلامية.
ولئن جال الناظر بعينيه فلن يعجزه رؤية أن جل منظمات حقوق الإنسان العاملة في العالم العربي إنما هي حركات سياسية تتذرع بأيديولوجية حقوق الإنسان لتحقيق مآرب سياسية، وهذا الأمر يستدعي الدعوة إلى- بل والعمل على- إنشاء حركة حقوق إنسان متجردة وغير مسيسة وغير محسوبة على تيار بعينه ففي مصر مثلًا، يترأس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وهي أهم منظمة في المنطقة، زعيم ناصري ووزير إعلام سابق وعضو حالي في الحزب الناصري، وكأنما لجأ إلى هذا المخرج وسيلة الممارسة العمل السياسي بعد تعثر حظ الناصرية، وتعرضها لنفس نوع الإقصاء الذي كانت تمارسه مع غيرها حينما كانت تسيطر منفردة على الحكم.
ولعل من فوائد الحوار الذي دار في ندوة لندن بين أفراد يمثلون التيارات الإسلامية والعلمانية وبعض منظمات حقوق الإنسان الغربية أنه أبرز أهمية ذلك الخط الدقيق الفاصل بين المهتمين بقضية حقوق الإنسان والذين من المفروض أن يكون منطلقهم هو الاهتمام بها بشكل مجرد، وبين منتسبي المعارضات السياسية الذين يتركز جل اهتمامهم على السعي لتغيير نظام الحكم- أو على الأقل إصلاحه، والذين ينبغي أن يتركوا مهمة الدفاع عن الحريات والسعي لتحسين الأوضاع الحقوقية وتقليل المعاناة لمن لا يتصدرون العمل السياسي، وهذا هو المنهج الذي تعتمده منظمات حقوق الإنسان العالمية بشكل عام دون التورط في أي نوع من المعارضة السياسية.
ومن المفارقات العجيبة أن منظمات حقوق الإنسان الغربية التي تتعامل دون حرج مع المنظمات الحقوقية الإقليمية في العالم الإسلامي لا ترضى لنفسها مثل أوضاعها أو تصرفاتها، بل تحرص على استقلاليتها وحيادها حفاظًا على مصداقيتها، بدليل أن أعضاءها ورؤساءها البارزين ليسوا زعماء في أحزاب سياسية، وذلك حتى يتمكنوا من الدفاع عن حقوق الجميع فالنشاط السياسي يناقض النشاط الحقوقي، لأن المنتمي إنما يدافع عن مصالح حزبه، وحركة حقوق الإنسان يفترض أنها جهة ترعى انضباط جملة من القيم في المجتمع، فكيف يستقيم مثلًا أن يكون فاروق أبو عيسى مناضلًا في حقوق الإنسان، ويكون رئيسًا للحقوقيين العرب، وزعيمًا للمعارضة السودانية في نفس الوقت، إن اجتماع هذين الأمرين في شخص واحد لا بد أن ينقض أحدهما إن لم ينقض كليهما.
لا شك أن مثل هذا النقد يشمل الجميع، ولا يستثني الإسلاميين ولعله يكون حريًا بالحركة الإسلامية أن تعين على تكوين منظمات إنسانية حقيقية تدافع عن الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو السياسية، لا هم لها سوى هذه القضية الإنسانية الملحة.
أداة نضالية:
ومن الملاحظ في هذا الصدد أن شعار حقوق الإنسان في العالم العربي اتخذ أداة نضالية لقوى لم تكن يومًا تنتمي لثقافة حقوق الإنسان بل كانت تنتمي إلى الأحزاب القومية اليسارية أو الشيوعية.
شهرت هذا السلاح واتخذته أداة إما لإثبات وجود سياسي بعدما أفلست سياسيًا، أو المقاومة خصومها السياسيين كالإسلاميين، وعليه فإن نشأة منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي لم تكن ناجمة عن ثقافة إنسانية حقوقية محلية كما هو حادث في التجربة الغربية، وإنما كانت ثمرة تغير موازين القوى بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وشعور عام بأن الرأسمالية انتصرت فغادرت بعض القوى مواقعها، ونفضت ثيابها بسرعة من غبار الأنظمة الشمولية والماركسية وانتقلت إلى الصف الآخر، ومن هنا يأتي التأكيد على ضرورة رفع شعار عدم تسييس حقوق الإنسان، وهذا الأمر يشمل الإسلاميين كما يشمل غيرهم.
وعلى صعيد الصف الإسلامي، يلاحظ أن ثقافة حقوق الإنسان لدى الحركات الإسلامية لا زالت محدودة جدًا، ولا شك أن من المفيد للإسلاميين تربويًا أن تؤهل حركاتهم فئة من الناس لتدافع بجد وتجرد عن قيم حقوق الإنسان وأن تنشغل فئات من الخبراء بالتأصيل لها، على اعتبار أن قيم الإسلام هي قيم إنسانية.
ومن الإشكاليات الأخرى التي أثيرت على هامش ندوة لندن لحقوق الإنسان إشكاليات المعلومات التي ترد لمنظمات حقوق الإنسان العالمية، فمعظم التقارير الصادرة عن السودان- مثلًا- مأخوذة من المعارضة، فيما عدا بعض المحاولات المعزولة لإرسال مندوبين لتحري الأمور، وينطبق ذلك على المعارضات الإسلامية أيضًا بالدرجةِ بنفسها، فهل يجوز اعتماد المعلومات التي تصل عن طريق المعارضات السياسية وهل لدى المنظمات العالمية آلية للتحري عن دقة هذه المعلومات ونزاهتها؟
غياب الإسلاميين عن الساحة:
وكشفت ندوة لندن عن الخسارة الفادحة التي تلحق بالإسلاميين عن ساحة الدفاع عن حقوق الإنسان، وما كان ينبغي أن يسمح للفئات العلمانية باختطاف قضية حقوق الإنسان واحتكارها واستخدامها ضد الإسلام والإسلاميين، لقد نجح هؤلاء العلمانيون إلى حد كبير في إقناع المنظمات الدولية بأهليتهم وحدهم للتصدي للقضية، ومن الملاحظ في هذا المجال أن اتصالات الإسلاميين بهذه المنظمات هي اتصالات موسمية بينما اتصالات العلمانيين بها مستمرة، فيما يشبه الكيان العضوي أو العلاقات التنظيمية، وما من ندوة حقوقية يدعى لها نفر من العلمانيين إلا كان جل تركيزهم على أن الخطر على حقوق الإنسان في العالم العربي لم يعد مصدره الحكومات وإنما الجماعات الإسلامية، وعليه فإن على كل جمعيات حقوق الإنسان أن توجه جهدها للتنديد بالحركات الإسلامية ومقاومتها.
ولذلك فقد ركز الأفندي في ورقته على تفنيد ذلك والتأكيد على أن وهم الخطر الإسلامي ينبغي أن يتبدد، فالحكومات لديها قوانين تحارب بها العنف السياسي وتستطيع أن تعتقل من تريد بل وتعدم من تريد، ولا يحتاج هذا الأمر إلى حملة أخرى تقوم بها المنظمات الحقوقية، بل تقوم الأنظمة الحاكمة به بكفاءة، وإنما ينبغي أن توجه قضية حقوق الإنسان ضد الأنظمة الظالمة التي لا يردعها قانون.
كما ينبغي أن يحرص الإسلاميون على التواجد في هذه المنتديات الدولية، فهم من جانب يحملون دعوة الإسلام، وهي الحق، وهم من الجانب الآخر مظلومون، ولأن البشر مهما رين على قلوبهم تبقى لديهم الفطرة التي فطرهم الله عليها، ويبقى العقل والمنطق المنهجي.
التواطؤ الغربي:
لقد نجح متطرفو العلمانيين- في غياب الإسلاميين- بإقناع الآخرين بفكرتهم، وساعدهم في ذلك أن حركات حقوق الإنسان الغربية تميل إلى رأيهم وتتعاطف مع وضعهم ولو نظريًا على الأقل لأسباب عدة أوضحها الجهل والتحامل المتوارث على الإسلام عبر الأجيال، ولو أن ما يحصل من محاكمات عسكرية في مصر ضد الإسلاميين الآن حاصل في السودان لكان مجلس الأمن قد قام ولم يقعد، وثارت الدنيا كلها ولم تهدأ، ولانطلقت المظاهرات في كل مكان تندد وتدين، وثمة من يجزم بأن السكوت عما هو حاصل في مصر من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان يوحي بحالة من التآمر أو التواطؤ فأين تلك الحركة العالمية الحقوق الإنسان من إخضاع المثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والنقابيين والصحفيين إلى محاكمات عسكرية بتهمة التحايل لتشكيل حزب سياسي، ولم يبق إلا أن يحاكم الناس بتهم التحايل على ممارسة حقوقهم كمواطنين، أو التحايل على استنشاق الهواء بحرية.
وثمة من يرى أنه ليس من المبالغة القول إن المنطق السائد الآن في الغرب هو إن كنت صديقًا للغرب فافعل ما شئت فإذا وافقت على التسوية وحاربت الأصولية، وأمنت باقتصاد السوق غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ولا تثريب عليك، وتلك فيما يبدو هي شروط المواطنة الدولية.
لقد أجمع الإسلاميون المشاركون في ندوة لندن على ضرورة أن يكون لدى الإسلاميين منظمات نشطة للتعاون مع منظمات حقوق الإنسان العالمية، ومع كل القوى- بما في ذلك العلمانية- التي تؤيد الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذه الندوة وغيرها الكثير من الندوات التي شارك فيها إسلاميون تثبت أنه رغم أن خصومهم كثيرون- وخاصة المرتدين من العرب والمسلمين- إلا أن الخصم الأول والأخطر هو التغيب عن هذه المنابر، فكلما شارك الإسلاميون استطاعوا تغيير الاتجاه، ولو قليلًا.
فالإسلام والإسلاميون ضحايا هذا الغياب ولعل الطرق الإعلامي المتوالي جعل الإسلامي يشعر بأن العالم كله ضده، وأن شيئًا لن ينفع ما لم يكن بيده سلاح من نوع معين، والحقيقة أن الناس ليسوا كلهم أعداء للإسلام والمسلمين، بل أغلب الناس لا يزالون على استعداد للاستماع إلى الرأي الآخر، ويوجد في الغرب من هؤلاء الكثير، فرغم ما حصل من حشو رأس الغرب بمعلومات ضد الإسلام، إلا أنه يبقى لديه عقل منهجي، فإذا قدمت له الأفكار بشكل معقول، قد يستغرب ولكنه يسعى للفهم.
كما لاحظ المشاركون أن نقطة الضعف في دفاعات الإسلاميين هي تجارب التطبيق الإسلامي، والتي شيطنها العلمانيون لاشك أنها لا تخلو من نقاط ضعف، ولكن خصوم الإسلاميين شيطنوها وخلصوا إلى أن محصلة الإسلاميين هي خلق أنظمة من هذا النوع، ومن نقاط الضعف أيضًا أن الإسلاميين لم يصدر عنهم تقييم لهذه النماذج، بل هم نزاعون للدفاع عنها دون إطلاع على سلبياتها التي تهز بعض المسلمين حينما يواجهون بها- ينبغي ألا يجبن الإسلاميون عن الاعتراف بأن السودان وإيران- وأي مشروع بشري يسعى لاستلهام نظامه السياسي من الإسلام- تمارس فيها انتهاكات البعض حقوق الإنسان، ولابد من شكر من سجله حسن، وانتقاد من سجله سيئ، ولا يتنافى ذلك مع التأكيد على أن السودان وإيران هي نماذج للحكم الإسلامي وإن لم تكن النماذج المثالية التي يتطلع إليها الإسلاميون ولعل من المفيد في هذا المجال تنظيم ندوات- أو ورشات عمل- لتقييم تجربتي السودان وإيران، وتقديم مادة أدبية إسلامية تحتوي على نقد موضوعي للتجربتين..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل