; العنصرية الأوربية في عام مكافحة العنصرية | مجلة المجتمع

العنوان العنصرية الأوربية في عام مكافحة العنصرية

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 118

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-أبريل-1997

 

التناقض الصارخ بين موجة تقنين المزيد من الأسباب الداعمة لانتشار العنصرية في أوروبا، وبين النداءات اللفظية المتوالية لمكافحتها، والصادرة عن ذات الساسة المسؤولين عن ذلك التقنين، تناقض لا يمكن التعبير عنه إلا برسم كاريكاتوري فاضح، لكنه لن يكون رسمًا مثيرًا للضحك، بل مثيرًا للأسى الممزوج بالازدراء، والداعي إلى التفكير الجاد بحقيقة ما ينتظر في عالمنا المعاصر، هل سيكون أقرب إلى الحوار والتعايش أم إلى النكد والصراع بين الحضارات، لا سيما وأن تكثيف الحملة الراهنة للإجراءات العملية والقانونية في أكثر من بلد أوروبي في وقت واحد، والتي يسري عليها على الأقل عنوان: «أوروبا للأوروبيين.. فقط».

هذا التكثيف يرافق حملة كبيرة أخرى قرر الاتحاد الأوروبي القيام بها في صورة ندوات ومؤتمرات ومشاريع مختلفة تدعمها ميزانية الاتحاد بزهاء عشرة ملايين مارك، ومن المفروض أن تشكل محتوى منظورًا لإعلان عام ١٩٩٧م عامًا لمكافحة العنصرية في الدول الأوروبية الأعضاء.

 العنصرية في لباس عصري 

والعنصرية في الغرب تاريخ عريق، انعكس في كل ميدان من الميادين التي تحرك الغربيون فيها منذ أمسكوا بزمام أسباب ما تحقق في حينه من تقدم تقني وعلمي في تاريخ المسيرة الحضارية البشرية، فوضعوه داخل قالبهم الحضاري المستمد من عصور الرومان، وإمبراطوريتهم الاستعمارية للشعوب، والإغريق ومدينتهم «الفاضلة» المخصصة لطبقة «الفضلاء». فكانت البداية فيما سمي عهد الاكتشافات الجغرافية؛ حيث اعتبر السكان الأصليون البدائيون، حيثما وصلت القدم الأوروبية من أنحاء الأرض، وكأنه لا وجود لهم، أو لا قيمة لهم كبشر، فإن قاوموا كما صنع الهنود الحمر كان نصيبهم الإبادة، أو كما صنع الأفارقة كان نصيبهم الاستعباد في تجارة الرقيق، أو كما صنع الآسيويون كان نصيبهم الاستعمار والاستغلال على أوسع نطاق إلى أن انتصبت حضارة «الرجل الأبيض» على قدميها، فوق أجساد الضحايا من البشر الآخرين.

 ويمكن المضي خطوة أخرى في استعراض تاريخ حضارة البيض؛ لنصل إلى ما تسرب إليها -من أفكار التحرر والمساواة من حضارة،﴿ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ﴾(الحجرات-13)، وحضارة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، عن طريق الاحتكاك بالمسلمين قبيل تداعي دعائم البنيان الحضاري الإسلامي، هذا الرصيد الفكري الإنساني تحول عند مفكري الغرب من حيث يشعرون ويقصدون أو تحت تأثير طغيان المادة على الأحاسيس والفكر إلى رصيد يوظف في إطار ضيق تميز بترسيخ تلك الحقوق الأصيلة للإنسان الأبيض، فقط وفي نطاق معاملاته داخل حدوده وبين أقرانه، بل كان أقصى ما وصلوا إليه هو مسخ أصالة تلك الحقوق والحريات التي انطلق الإسلام من أنها أصيلة تولد مع الإنسان بمولده، وترافقه إلى ما بعد مماته، فأصبحت عندهم مكتسبة، لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الصراع صراع العمال ضد أرباب العمل والفقراء ضد الأغنياء، والنساء ضد الرجال والضعفاء ضد الأقوياء والدول المستعمرة ضد الدول المستعمرة، فمن استطاع الوصول إلى شيء من ذلك لم ينقطع حبل الصراع ضده، ومن لم يستطع بقي تحت الجور والاضطهاد؛ حتى القليل من الجهود التي انتشرت تدريجيًّا لمكافحة التمييز العنصري، تحت تأثير المنقول عن الحضارة الإسلامية، وتأثير الفطرة البشرية في الدرجة الأولى، وجدت التشويه في التطبيق العملي. وهو ما يمكن رصده في أفضل النظريات التربوية الغربية؛ حيث يظهر فيها أيضًا الانحراف في أشكال عديدة في سائر ميادين الإنتاج الفكري والفني والتعليمي، ويمكن تصويره على سبيل المثال في توجيه الأبوين لولدهما، أن عليه ألا يميزه بين أمثاله من البيض في المدرسة والآخرين، رغم أنهم من السود أو الملونين أو الأجانب أو الفقراء، فبقي الإحساس الدائم المسيطر على الفكر والسلوك والأحاسيس البشرية هو الانطلاق من أن التمييز هو الأصل، ولكن لا تسمح به روح العصر، أو يعاقب عليه القانون، فينبغي تجنبه لهذا السبب، وليس لأن الانحراف كامن في التمييز العنصري ابتداء.

تراجعت القوانين الرسمية التي ترسخ العنصرية، كما عرفها أصحاب الأصول الأوروبية في جنوب أفريقيا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية إلى عهود قريبة فسقطت شكليًّا، ولكن بقيت أثارها على أوسع نطاق، كما تشهد الحوادث المتوالية والتي لا يصل منها سوى القليل إلى مستوى الحدث السياسي والإعلامي، فيتردد الحديث عنه، ويثير الاستغراب والسخط كما في لوس أنجلوس في السنوات الماضية، أما وجودها بنسبة عالية، في الحياة اليومية، وعند معظم فئات المجتمع الغربي فأمر يستحيل إنكاره إلا عنادًا واستكبارًا، ولا تنقطع الشواهد عليه عند أبسط درجات البحث والتقصي، وهو ما يعنيه على سبيل المثال إضرام الحريق في عشرات الكنائس التابعة لذوي الأصل الأفريقي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ١٩٩٠م إلى الآن، بينما تتقاعس الجهات المسؤولة عن التحقيق في الحوادث والكشف عن مرتكبيها تقاعسًا مذهلًا، وهو على سبيل المثال أيضًا ما تعنيه شكوى منتدى حقوق الإنسان، الذي يضم في ألمانيا عددًا من المنظمات المعروفة كمنظمة العفو الدولية، ومنظمة «الاستغاثة من العنصرية» عندما حذر يوم17/3/1997م من أن معظم القضايا التي انكشف أمرها وتضمنت اعتداءات رجال الشرطة على الأجانب في ألمانيا، كان مصيرها الحفظ على ذمة التحقيق، بل وأسفر بعضها عن محاسبة الضحية قضائيًّا بتهمة مقاومة رجال الأمن. وأضاف المنتدى على ذلك اتهامه لوزارة الداخلية بأنها تنشر الإحصاءات السنوية المتعلقة بانتشار الجريمة وارتفاع نسبتها في البلاد بأسلوب يتضمن التمييز العنصري ضد الأجانب ودعمه، ومن ذلك كما أشار المنتدى إبراز حصة الأجانب من الجريمة رغم أن زيادة نسبتها في صفوفهم لا تختلف عن زيادة نسبتها على صعيد الألمان أنفسهم، عدا اقتران نشر الإحصاءات على الدوام بتحذير وزير الداخلية وسواء من المسؤولين من انتشار الجريمة بين الأجانب، وتأكيد تعليل سياسة الترحيل بهذا السبب.

بين الحكومات والمعارضة

إن العنصرية الغربية التي فرقت وتفرق بين العنصر الأبيض، وسواء، ووصلت عند النازيين إلى تمييز العنصر الآري، وعند اليهود إلى اعتبار غيرهم حثالة البشر وحيوانات ضالة، هذه العنصرية تتركز في ظل معطيات العصر الحديث على محورين رئيسيين في أوروبا، أولهما: التمييز في التعامل القانوني وغير القانوني بين الأوروبيين وسواهم. وثانيهما: الحملة المضادة لوجود الأجانب في أوروبا على درجات متفاوتة، وتبدأ بالتركيز على المشردين؛ بسبب الحروب أو المجاعات، ولا يمكن تبرئة الغرب من المسؤولية الكلية أو الجزئية عنها، وتصل إلى التركيز على أطفال الأجانب المراد تضييق الخناق على وجودهم أو بقائهم في الأرض الأوروبية، وتتوجه الأنظار منذ فترة إلى الأحزاب التي توصف بالأحزاب اليمينية المتطرفة كالجبهة القومية بزعامة جان ماري لويان في فرنسا، وما يسمى حزب الأحرار بزعامة يورج هايدر في النمسا، والجمهوريين في ألمانيا، والفلامنكيين في بلجيكا، وغيرهم ممن يدفع المفوضية الأوروبية إلى الإعلان يوم ۲۳ يناير كانون ثان الماضي، مع استقبال عام مكافحة العنصرية، أنه لا توجد أي دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تستطيع أن تزعم التغلب على العنصرية وعداء الأجانب فيها، أو يدفع المجلس النيابي الأوروبي في مايو ايار الماضي أثناء مناقشة فكرة الإعلان المذكور إلى المطالبة بعزل تلك الأحزاب سياسيًّا بدلًا من التعامل معها. والواقع أن هذا هو جوهر المشكلة في الوقت الحاضر ومنذ عدة سنوات، فالأحزاب المذكورة تؤثر في المجتمع من خلال تعامل سواها معها، وهي في الأصل صغيرة نسبيًّا، ضعيفة التأثير، لا تستطيع الإسهام من موقعها في المعارضة في تطور فعلي كتشريع القوانين أو اتخاذ إجراءات عملية تدعم العنصرية، وأقصى ما تصل إليه الاستطلاعات في فرنسا أن يصل حزبها المتطرف إلى ١٥ % من الأصوات، بينما لا تزيد نسبة تأييد قرينه في ألمانيا ولا حتى إلى 5 %؛ ليدخل المجلس النيابي في بون أصلًا، ولكن الأحزاب الأخرى، اليمينية واليسارية على السواء - وكلا الطرفين يميني، في موازين هذه المصطلحات عالميًّا - تتعامل مع الدعوات العنصرية بالأسلوب الذي يوصف ينزع البساط من تحت أقدام أحزابها، وبتعبير أوضح بالعمل على كسب ناخبي تلك الأحزاب، وهذا ما يتخذ على أرض الواقع التطبيقي صيغة تبني أفكار اليمين المتطرف أو مستمدة منه، ثم التصرف - وفق ذلك - في تشريع القوانين من وافي السياسات الرسمية الأمر، الذي يصل تلقائيًّا إلى مستوى تبرير هذا الطريق، والدفاع عنه بمختلف التعليلات، وبالتالي إلى زيادة انتشار الاقتناع بين بعض قطاعات السكان بالأفكار المتطرفة التي تقول الحكومات أو تقول الأحزاب التقليدية، الأكبر  حجما وتأثيرا في المجتمع، إنها تكافحها وتكافح دعاتها من «اليمين المتطرف». 

لم يعد هذا السلوك حالة استثنائية نادرة بل استفحل وانتشرت ممارسته لاسيما بعد سقوط الشيوعية في الشرق، فأصبح هو السائد في معظم البلدان الأوروبية، جنبًا إلى جنب مع الجهود المبذولة لتوحيد أوروبا، وهو ما يجعل مسيرة الوحدة الأوروبية تتجه نحو بناء سوره حول الدول الأعضاء، وعلى وجه التحديد تجاه البلدان النامية وفي مقدمتها الإسلامية المجاورة، لا يختلف في مغزاه ومفعوله كثيرًا عن السور الذي أقامه الأمريكيون على الحدود مع المكسيك.

 ومع كل خطوة تلغى تأشيرات السفر مثلًا مع بعض البلدان الأوروبية الشرقية، يزداد فيه تسهيل التعامل الجمركي والتجاري والمالي مع البلدان، ترتفع الحواجز تجاه البلدان الأخرى إلا في حدود ما يستهدف سياسيًّا تحقيق أغراض معينة، كما هو الحال مع مشاريع الشرق أوسطية، والشراكة المتوسطية، ولكن دون أن يقترن ذلك بتسهيلات الحركة على مستوى البشر، وهو ما كان في ذروة المطالب الغربية تجاه الدول الشيوعية سابقًا، بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان وعالميتها.

 إن الدعوات العنصرية المحضة من مثل الفرنسيون أولًا، على لسان الجبهة القومية بفرنسا، أو «اطردوا الأجانب» على لسان الجمهوريين في ألمانيا، تتحول في واقع الأمر إلى قوانين تؤدي إلى النتائج نفسها، وإن حملت عناوين أخرى، وهو ما بلغ ذروة جديدة مع بداية الاحتفالات الأوروبية بعام مكافحة العنصرية، مثل القانون الفرنسي الذي قطع مرحلة التصديق الأولى والثانية عليه، في مجلس النواب والشيوخ خلال الأسابيع القليلة الماضية، وقانون فرض تأشيرات الدخول والإقامة على الأطفال والناشئة من تركيا وتونس والمغرب وبعض بلدان الاتحاد اليوغسلافي المنهار، والذي قطع أيضًا المرحلتين الأولى والثانية ليسري مفعوله قريبًا في ألمانيا، وأصبحت النمسا على الطريق نفسه، كما أعلن وزير الداخلية كارل شلوجل يوم ١٩٩٧٣١٣م، فصفق له يورج هايدر في الدرجة الأولى.

زيف التعليلات المادية:

لم يعد يمكن الفصل بين هذه الخطوات وبين الخلفية العنصرية التي يقال بمكافحتها، وهذا ما يؤكده على سبيل المثال المجلس النيابي الأوروبي، الذي يملك حق الكلام، ولا يملك صلاحية التقنين، عندما يطالب حكومة بون يوم ٢/٢٠/ ۱۹۹۷م بإلغاء أنظمة فرض التأشيرة على الأطفال من بلدان معينة، تعزيز الكراهية، ويعلل ذلك بالقول: إن على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تتجنب كل سياسة من شأنها ماهية العنصرية والعداء للأجانب»، وهذا ما يؤكده أيضًا يورجن ميكش من «مجلس العلاقات الثقافية، بقوله عن القانون نفسه يوم 14/1/ ۱۹۹۷م بمناسبة العام الأوروبي: «إنه خطوة إلى الوراء تتناقض مع الحلم الأوروبي الكبير»، وعندما افتتح عام مكافحة العنصرية يوم ٣/٤/ ١٩٩٧م باحتفال ضخم في برلين كان المتظاهرون يرفعون لافتات تتهم المسؤولين الألمان بالنفاق، ويقولون في مقابلات إذاعية: إن ألمانيا تستقبل عام مكافحة العنصرية بقانون ستنال آثاره ما بين ۸۰۰ و ۹۰۰ طفل وناشئ من المغرب وتونس، وتركيا، ولد قسم كبير منهم في ألمانيا، كما أنها بدأت بالترحيل القسري للمشردين عن البوسنة والهرسك رغم عدم تمكينهم من العودة إلى مواطنهم الأصلية، وتريد الإقدام على مزيد من الخطوات لتشديد القوانين المتعلقة بالأجانب.

وتؤكد ازدياد حدة التمييز ضد الأجانب - من بلدان معينة دون سواها، في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - عدة بحوث قام بها مركز الدراسات التركية في إسن بألمانيا، وكان منها ما جرى بتكليف الاتحاد الأوروبي، كتلك التي أبرزت في نهاية يناير كانون ثان الماضي مدى ما وصلت إليه موجة العداء للأجانب في أوساط الشبيبة الألمانية من فئة الأعمار بين ١٦ و٢٣ سنة. ومن العسير الفصل بين هذا التمييز والأبعاد المادية المحضة الكامنة وراءه، وهو ما يرتبط بالتصورات الغربية عما شاع وصفه بالعولمة، واتخذ مضمون نشر الهيمنة والسيطرة عالميًّا، جنبًا إلى جنب مع ترسيخ ما وصل إليه تركيز الثروات الاقتصادية والمالية في مناطق محدودة من العالم. فمكافحة الهجرة تنصب على الحيلولة دون وصول «الفقراء، إلى الدول الصناعية الثرية في الدرجة الأولى، رغم استمرار السياسات الغربية الخانقة للاقتصاد في بلدانهم الماضية في استغلال ثرواتها ونهبها، كذلك فإن إقامة الحواجز في شكل إجراءات تقنينية على مستوى الإقامة أو تأشيرات السفر أو الترحيل الجماعي، أو التضييق على الأسر عن طريق الفصل بين الأطفال وذويهم، اتخذ بصورة واضحة صورة الأسوار الفاصلة بين البلدان الثرية والفقيرة، وما يزال العنصر الرئيسي الذي يعتمد عليه المسؤولون في السلطة لتبرير قوانينهم وإجراءاتهم وسياساتهم على هذا الصعيد، كما يعتمد عليه اعتمادًا مماثلًا أصحاب الدعوات اليمينية المتطرفة من الأحزاب الصغيرة المعارضة، هو عنصر تخويف الفرد العادي من الأوروبيين من أن الأجنبي يسرق مكان عمله، ويستولي على الضمانات الاجتماعية على حسابه، وهي دعوات نجد أصداها في حقبة ارتفاع نسبة البطالة في الوقت الحاضر، رغم أن ارتفاعها يعود إلى تبدلات في البنية الهيكلية للاقتصاد الرأسمالي بعد سقوط الغريم الشيوعي، وإلى امتناع أصحاب الأموال عن استثمارها رغم ارتفاع نسبة أرباحهم عامًا بعد عام إلى مستويات لا تصدق بالمقارنة مع الضغوط الكبرى على الأجور وعلى الضمانات الاجتماعية على حساب الفئات الأفقر من السكان.

 دعوة لوبان في فرنسا «الفرنسيون أولًا» تستهدف إثارة العامل الفرنسي؛ للدفاع عن مكان عمله، ولكن إذا ما صدر ذلك عن يميني متطرف، فكيف يمكن تفسيره عندما يصدر عن مسؤول سياسي كوزير الداخلية الألماني مانفريد كانتر، وهو يعلل حملته في تشديد القوانين المتعلقة بالأجانب وبطالبي اللجوء السياسي وبالمشردين؛ بسبب الحروب، فيقول: «إن الدراسات المستقبلية تؤكد - استمرار منسوب ارتفاع البطالة حتى عام ٢٠١٠م على الأقل، وسيبقى الأجانب عبئًا كبيرًا على التأمينات الاجتماعية حتما، فلا مجال لسياسة الانتظار والامتناع عن التصرف»، ثم يستشهد الوزير الألماني بالأرقام فيقول: إن نسبة المستفيدين من التأمينات الاجتماعية من الأجانب كانت عام ١٩٨٠م -في حدود 8.3% وارتفعت إلى ٣٢ % عام ١٩٩٣م، رغم أن نسبتهم إلى السكان في حدود 9%.

 هذه الصورة مزيفة سيان من يروج لها وكلام كانتر الذي صدر عنه في نوفمبر «تشرين ثان الماضي»، يتغافل عن شمول الأرقام التي ذكرها لنفقات مالية يشملها بند «المخصصات الاجتماعية»، لحوالي ٤٠٠ ألف لاجئ مشرد من الحرب في البلقان، وليس هذا هو الوضع الطبيعي - الدائم في ألمانيا، وكان استعدادها لتحمل العبء الأكبر في استقبال المشردين من حرب كان للغرب دور التواطؤ الظاهر للعيان فيها، قد جاء في حينه بمثابة التعويض عن اقتصارها قبل ۱۹۹۳م على تحمل عبء عسكري محدود في البلقان، ولتخفيف حدة الانتقادات الغربية لها بعد امتناعها عن المشاركة المباشرة في حرب الخليج الثانية.

 والأشد من ذلك من حيث مغزاه، أن الكلام المذكور ولم يكن يصدر للمرة والأولى ولا عن وزير الداخلية فقط جاء بعد شهور معدودة من نشر دراسة قامت بها وزارة الداخلية نفسها في بون، ووصلت فيها إلى نتيجة تقول: إن الأجانب العاملين في ألمانيا يساهمون إسهامًا رئيسيًّا في الرفاهية الاقتصادية ولا يستغنى عنهم، وستشتد الحاجة إليهم في المستقبل نتيجة ارتفاع معدل المتقاعدين بالمقارنة مع معدل القادرين على العمل من الألمان أنفسهم، وأوردت الدراسة أرقامًا تفصيلية، منها على سبيل المثال وبإيجاز:

ارتفع عدد أرباب العمل من الأجانب في ألمانيا من ١٢٤ ألفا عام ١٩٨٨م إلى ٢٠٨ آلاف عام ١٩٩٢م، وهي الفترة التي أشار إليها كلام كانتر أعلاه، وأدى ذلك إلى توفير ٩٠ ألف مكان عمل جديد للألمان في أكثر من ٦٠ قطاعًا مهنيًّا واقتصاديًّا.

 إن ٧٥ % من العمال الأجانب في ألمانيا يشغلون أماكن عمل يتجنبها الألمان بصورة شاملة تقريبًا.

  • لا توجد أي دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تستطيع أن تزعم التغلب على العنصرية وعداء الأجانب فيه .

إن الأجانب الذين كانت نسبتهم دون ۸ %يحملون على عاتقهم تأمين أكثر من ٨ % من ميزانية

المخصصات التقاعدية في ألمانيا.

إن حصيلة ما ساهم به العمال الأجانب من ضرائب وتأمينات اجتماعية من جهة، وحصلوا عليه من المخصصات الاجتماعية بالمقابل كان في حدود ٤١ مليار مارك عام ١٩٩١م -الذي شملته الدراسة -ودخل هذا المبلغ في موازنة الدولة على الصعيد الاجتماعي لصالح العاملين الألمان، ففي العام المذكور بلغت مدفوعات الأجانب ٥٧ مليارًا حصلوا بالمقابل على ١٦ مليارًا.

على الهامش

ولا يختلف الوضع في ألمانيا اختلافًا كبيرًا عنه في البلدان الأوروبية الأخرى كفرنسا، ولكن سائر  الدول الأوروبية حريصة على أن تأخذ ولا تعطي، فتتعامل مع الأجانب على أراضيها كالتعامل مع بلدانهم الأصلية في العلاقات الاقتصادية والمالية العالمية، حتى سويسرا التي تعيش من أموال الأجانب في مصارفها المالية سبقت سواها في التعامل بالروح العنصرية مع الأجانب على أراضيها، فبلغت الذروة منذ عام ۱۹۹۰م فيما عرف بنظرية الدوائر الثلاث السارية المفعول بتطبيقاتها العملية حتى الآن، والتي تميز بين الأجانب موضع الترحيب الكبير وهم المواطنون من الاتحاد الأوروبي، وموضع الترحيب المحدود من بقية البلدان الغربية، ثم أولئك غير المرغوب فيهم، والتي صدرت أيضًا التشريعات للتضييق عليهم وترحيلهم، وهم البشر من الدرجة الثالثة، مما يسمى العالم الثالث، وقد بدأت سياسة إغلاق الأبواب الأوروبية مع فتح الحدود الداخلية تحقق أغراضها، كما يظهر من الإحصاءات الشهرية التي تسجل تراجع الوافدين إلى البلدان الأوروبية من خارجها المختلف الأغراض خلال السنوات الماضية، ومثاله فرنسا التي كان الفارق بين المهاجرين إليها والمهاجرين منها أو المرحلين قسرا عنها يتناقص تدريجيًّا من ٩٠ ألفًا عام ١٩٩١ م حتى ٧٠ ألفا عام ١٩٩٣م ثم ٤٠ ألفًا عام ١٩٩٥م، وإلى دون ذلك في الوقت الحاضر، كذلك فقد بدأت هذه السياسة تحقق مفعولها السلبي على صعيد موقف الفرد العادي في أوروبا، ولئن تراجعت نسبة حوادث العنف الدموية التي انتشرت في مطلع التسعينيات الميلادية، إلا أن مظاهر التمييز والعداء والكراهية تغلغلت إلى العلاقات اليومية التي لا يسهل حصرها، وهي التي تدفع الرئيس الألماني رومان هير تسوج المعروف بأنه من المناصرين للحوار بين الحضارات والثقافات والأديان المختلفة، إلى القول في كلمته يوم ٣/٤/ ١٩٩٧م في الاحتفال الرئيسي ببدء مكافحة العنصرية في أوروبا: «لا تكفي الملاحقة القضائية لمكافحة العنصرية، بل يجب أن نكافحها في العقول والقلوب أولًا».

وتبقى في الختام إشارة لا ينفسح المجال للتفصيل فيها، ولكن يغري بذكرها القانون الألماني الجديد لفرض تأشيرات الدخول والإقامة على أبناء الأتراك والتونسيين والمغاربة والبوسنيين، وقد أتى هذا العام بينما كانت بون قد أصدرت قبل أعوام معدودة قانونًا آخر يسهل على الناشئة ممن يوصفون بالجيل الثالث الحصول على الجنسية الألمانية، بل ويشجعهم على ذلك من خلال تأكيد إمكانية الحصول عليها دون موافقة الأبوين، ولو لم يبلغ طالبها الثامنة عشرة من العمر، والتي تعتبر السن القانونية للتصرف بصورة مستقلة عن والديه آنذاك اقترن القانون المذكور بسلسلة من الإجراءات والجهود الأخرى التي استهدفت دمج الناشئة والشباب من المسلمين في المجتمع الألماني، وكان من الأهداف الرئيسية مكافحة الأصولية، وفي هذه الأثناء يمكن القول: إن الإقبال على الإسلام من جديد انتشر في صفوف الشبيبة والناشئة من المسلمين في أوروبا عمومًا بما فيها ألمانيا انتشارًا واسعًا، تجاوز توقعات العاملين في الحقل الإسلامي أنفسهم، وأصبح كثير من هؤلاء دعاة في المجتمع المحيط بهم بلغة ذلك المجتمع، وبفعالية أكبر مما كانت للوافدين عليه من البلدان الإسلامية في العقود الماضية، ألا يمكن التكهن إذن - وإن كان الوصول إلى دليل قاطع عسيرًا - بأن السياسة الجديدة تأتي بعد خيبة الأمل في تحقيق أهداف السياسة السابقة تحت شعار الاندماج، الذي كان أقرب إلى التذويب، في المجتمع الغربي.

 

 

الرابط المختصر :