العنوان أثر عقيدة الإسلام في بناء الفكر القويم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990
مشاهدات 75
نشر في العدد 966
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 15-مايو-1990
إذا كان ترشيد العقل الإنساني من
الوسائل الرئيسة في البناء الإسلامي للإنسان فإن العقيدة الإسلامية تقوم بالدور
الأساسي في بناء الهيكل الفكري للإنسان المسلم وتصحيح وتقييم نظرته لنفسه وللحياة
وللناس من حوله كما تمنحه الإدراك الواعي لقضية المبدأ والمصير حيث يجد الإنسان
ذلك واضحا كل الوضوح في إنجاز رائع وإحكام بالغ في قوله تعالى في سوره الروم: ﴿اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ
مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾: (الروم:٤٠) وقوله تعالى في سورة المُلك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْغَفُورُ﴾ (المُلك:٢).
وفي هذا العصر الذي تتصارع
الأيديولوجيات على صعيد المجتمع الإنساني كل منها تريد السيطرة والاستحواذ على
مقدرات المستقبل الإنساني نرى المسلمين في هذا الصراع الضاري يتسولون المبادئ من
مائدة الفكر الغربي أو الشرقي ويستجدون المناهج من أيدولوجيات فشلت تماما في تحقيق
السعادة للإنسان إن لم تكن حطمته ودمرت أمنه وقيَمه في حربين متتاليين خلال نصف
قرن من الزمان وأنا أفعل هذا في الوقت الذي نملك فيه أقوم المناهج وأهدى الأفكار
وأعظم التراث حتى صدق فينا قول الشاعر القديم:
كالعيس
في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
وقضيتنا أننا أمة جهلت أو نسيت قدر
ما عندها وتخلت، شأن الإنسان الذي يفقد هويته تضل به السبل، وتتشعب به المسالك مع
أن الطريق المستقيم طريق الله واحد قد استبانت معالمه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصآكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:153).
- طريق العزة
ولكن ما السبيل إذن لهذه الأمة التي
فقدت هويتها لتسترد مكانتها ويعود لها كما أراد لها الله مكان الصدارة والقدوة في
العالمين إذ قال سبحانه: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: ٧٨) إن نقطة البداية هي العودة الصادقة إلى
عقيدة الإسلام الصافية إذ هي بما تحمل من خصائص القوة وسلامة الفطرة وبما توصل
إليهم من ترشيد العقل وتصحيح التصور كفيلة بكشف المعايب وهتك أستار الزيف لكل ما
للإنسان من أيديولوجيات ابتكرها لكي يسترشد بها في مسيرته على ظهر الأرض وقد قال
شاعر مسلم وصدق في قوله:
الله أكبر إن دين محمد
وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده
طلع الصباح فأطفئ القنديلا
خصائص العقيدة
فما خصائص هذه العقيدة البنَّاءة
للفكر القويم؟
الأولى: بساطتها ووضوحها فلا تحتاج في فهمها إلى مقدمات فلسفية ولا قضايا منطقية ولا إلى فروض
نظرية، وإنما في مقدور كل عقل مهما كان حظه من الفهم أن يدرك أبعادها ويصل إلى
مداها فماذا في عقيده الإسلام المعبود واحد لا شريك له هو رب السموات ورب الأرض رب
العالمين ومن عداه وما عداه عباد له خاضعون لأمره منفذون لحكمه سائرون بحكمته،
منهم من يفعل ذلك بالأمر التكليفي كبنِي آدم المكلفين المختارين، أم بالأمر الكوني
كغيرهم من مخلوقات الله الذين لا يملكون إلا الطاعة بينما تجد الغموض والتعقيد في
عقائد الديانات الوثنية، بل نجده كذلك في الإسلام الذي جاء به موسى وعيسى عندما
حرف على يد بني إسرائيل إلى اليهودية والمسيحية ويجهد هؤلاء وأولئك في توضيح غموض
عقائدهم لأتباعهم الذين ضلوا بهم، وابتكروا من فنون الأدب الفن المسرحي والفن
القصصي لخدمه الغموض الديني في الديانات الوثنية وفي اليهودية والمسيحية أيضا ولم
يهتم الأدب الإسلامي أول الأمر بهذه الفنون؛ لأن عقيدة الإسلام واضحة والتي يقوم
عليها الهيكل التفكيري للمسلمين كانت في غِنًى تام عن هذه الفنون، وحسبها الشعر
والخطبة والحكمة والمثل، وعندما دفعنا أخيرا إلى هذا التيار لم يكن وراء ذلك إلا
مجرد التقليد لأوروبا والتسري عما تعيش فيه من عقد السياسة ومشكلات المجتمع.
الثانية: عقيدة الإسلام فطرة
فالعقل الإنساني إذا كان بمعزل عن
مؤثرات البيئة والارتباط موروثات الآباء والأجداد لن يجد عسرا في الوصول إليها، بل
لابد أن يصل إليها، والملحد في بعض المواقف التي يغفل فيها عن ضلاله، ويصل إلى
قلبه قبس من وميض فطرته ينطلق لسانه قائلا: يا رب.
وقد حدثنا القرآن الكريم عن ميثاق
الفطرة الذي أخذ على بني الإنسان منذ الأزل بالعبودية لله وحده فقال تعالى في سورة
الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا﴾ (الأعراف:١٧٢) وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في الحديث
الذي أخرجه البخاري في صحيحه «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو
ينَصِّرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ﴿فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾» (متفق عليه).
الثالثة: العبادة فيها أساس وهي في مفهومها الصحيح نظام شامل للحياة والوجود
يعني الالتزام التام بما أمر الله وشرع فعبودية الكون ومظاهر الحياة في التزامها
بالسنَّة الكونية وعبودية الإنسان والجن في تنفيذها للتكليفات الشرعية وفي إطار
هذا الالتزام تستقيم الحياة، ويسعد الأحياء، ويتحقق الأمن، وينتشر العمران، ويعيش
الوجود في سلام ولذا قال رب العالمين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) كما أعطتنا هذه الآية من سورة
الحج هذا الفهم القويم للعبادة كما أشارت إلى النتيجة الحتمية لهذا الالتزام فقال
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن
فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ
وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ
وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يَشَاءُ﴾ (الحج:١٨).
الرابعة: الجانب الغيبي في العقيدة ليس فيه قهر لعقل الإنسان ولا إلزام بشيء لا
يستطيع أن يدركه، فالموت والقبر والبعث والصراط والحساب والميزان والجنة والنار
يؤمن بها المسلم فتتأكد في أعماقه قضية العدالة الإلهية ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ
نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ (الانفطار:١٩).
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي
الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:101)
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء:٤٧)
والقادر على البدء قادر على الإعادة فالعقل المكذب بعد هذا ضال وزائغ ﴿وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ
الْمَثَلُ الأعلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الروم:٢٧).
إن الجانب الغيبي في عقيدة الإسلام
فيه سمو كبير بإيمان الإنسان المؤمن، بل هو المقياس الأصدق لذلك الإيمان وهو
الاختبار الصحيح لعقل الإنسان وهو في رحاب الهدى أم هو جانح إلى الهوى ﴿ذَلِكَ
الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:2).
الخامسة: يفسدها أدني انحراف عن جادتها وهذه أبرز صفه تتَّسم بها العقيدة
فالانحراف اليسير عن منهجها أو التفريط القليل في جانب العبودية الخالصة لله
يفسدها ويحُول دون الوصول إلى نتيجتها في تصحيح التصور وتقويم الفكر فادعاء
الوسطاء والشفعاء لله باعتبارهم وسيلة تقرب أو تأثُّر، ولو تم ذلك بنيَّة حسنة
يفسد جوهرها، ويزعزع أركانها وما كان الداء الذي أفسد عقل البشر في كل عصر ولأجله
أرسل الله رسله سوى هذا الداء؛ لأن قيمة هذه العقيدة في أنها تجعل رابطة الإنسان
بالله وحده، وتُحرر وجدانه تماما من الخضوع لبشر مثله ولا يمكن أن يقوم في ظلالها
طغيان أو استبداد أو تسلط وهذه وحدها قاعده انطلاق الإنسان إلى كل حق وخير وعدل في
هذه الحياة، كما أنها عدته في مجال البناء والعمران.
وإلى لقاء آخر مع قضية أخرى من قضايا
العقيدة والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
د. السيد رزق الطويل
الأستاذ المشارك بقسم الدراسات
العليا
جامعة أم القرى مكة المكرمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل