; التحول الحرج في حياة الأمـم والشعوب | مجلة المجتمع

العنوان التحول الحرج في حياة الأمـم والشعوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1709

نشر في الصفحة 40

السبت 08-يوليو-2006

يظل النقاش حول السلطة والقيادة في المجتمع نقاشًا مفتوحًا على آراء كثيرة وأفكار كثيرة، ويظل التاريخ هو مخزن العبر والتجارب الذي يحوي نماذج كثيرة من تلك اللحظات الحرجة في حياة الأمم والشعوب.. لحظات انتقال السلطة وتغير القيادة، وحاجة المجتمعات للسلطة تماثل حاجاتها للماء والغذاء.. لا نقاش حول ذلك.

وتاريخ الأفكار والفلسفات مليء بالنظريات والمبادئ الغث منها والسمين حول الحكومة الرشيدة والمثالية، وأشكال كثيرة أخرى تناولتها الأمم والشعوب في سعيها نحو ضبط هذا المفهوم الذي تلبسته الأهواء والإغواءات.. لأنه بالتفسير الإيماني الذي نعتقده هو أسهل باب للشيطان في الزيغ بين ذرية آدم عليه السلام.

الحديث عن السلطة والقيادة يرافقه بالضرورة الحديث عن النخبة.. تلك الفئة التي تعددت تعريفاتها وفقًا لثقافة كل مجتمع وأعرافه.. فعندنا مثلاً نحن الإسلاميين نعرف النخبة على أنها أولو النهى.. العقلاء الحكماء أصحاب الرأي والمشورة.. وفي مجتمعات أخرى تعرف النخبة وفقًا لصلات القرابة بين أصحاب السلطة والقرار أو حسب الإمكانات المادية.. وهناك بالطبع النخبة العسكرية والنخب السياسية.

وطبيعي أن يكون هناك خلاف بين هذه النخب حول الأولويات والاستراتيجيات، وطبيعي أيضًا أن ينشأ خوف وقلق بين النخب وبعضها البعض.

وقد وصف بعض الباحثين السياسة أنها نزاع وتنافس مستمر بين هذه النخب... ويقاس تطور المجتمعات ونضجها بالسياسة العامة التي يدار بها هذا النزاع.. وقد رأينا في التاريخ أن هذا النزاع أخذ شكلين: شكلاً عنيفًا مدمرًا وشكلاً سلميًّا دستوريًّا

قرأنا عن العنف بين النخب المتصارعة في إنجلترا الذي استمر قرونًا وتطور إلى شكل سلمي ودستوري.

ولعل تجربة انتقال السلطة في التاريخ الإسلامي بعد وفاة الرسول ﷺ جديرة بالتوقف عندها وتأملها .

كان صحابة رسول الله ﷺ في السقيفة يماثلون (النخبة) أولي النهي والرأي، اختلفوا وطال بينهم النقاش.. تحاججوا وطال بينهم التحاجج.. لكن أبدًا لم تتحرك سحابة العنف فوق رؤوسهم... كانت السقيفة أول مؤتمر بشري أرضي يتناقش فيه البشر نقاشًا حواريًّا حول وضعية السلطة في المجتمع.. وينتهون فيه إلى اختيار رئيس، لا يلبث أن يسلم له الجميع بحقه الشرعي في الإدارة، وتكتسب قراراته - حين صدورها - شرعية التطبيق.. على خلفية أن السلطة الحقيقية الأصيلة إنما هي للأمة وهو ما يعطيها كل الحق في المراقبة والمحاسبة لمن فوضته لإدارة هذه السلطة .. كان الأمر هنا بين الرجال أصحاب العقول والرأي والمشورة.. الذين إن بنوا أحسنوا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن عقدوا شدوا، وإن غضبوا جاء العقل والجد، كما يقول الشاعر، فكان الأمر على ما انتهي إليه.

توالت القرون بعد ذلك وتراوح انتقال السلطة بين لحظات حرجة عنيفة وأخرى سلمية، والأغلب أنها كانت سلمية.. لأن الثقافة الإسلامية تنزع بأصحابها إلى فكرة الدولة المستقرة.. وهذا كلام حوله نقاش كثير .. خاصة فيما يتعلق بمحورية العدل والحرية التي هي الوجه الآخر للتكليف القرآني ﴿أن أقيموا الدين﴾ .... أو فيما يتعلق بفهم حركة التاريخ على خلفية المبادئ والقيم العليا .

نخلص إذن من هذه الإطلالة السريعة إلى أن لحظات التحول الحرج أحيانًا ما تتم في حياة الأمم والشعوب على جسر من الألم والدموع، وأحيانًا ما تتم على جسر من الحوار السياسي التنافسي مصانًا بمؤسسات يحترمها الجميع ويصونها الجميع، وساهم في قيامها من الأساس الجميع.

وتقسم المجتمعات الحديثة هذه المؤسسات إلى المؤسسة العسكرية والمؤسسة التشريعية والمؤسسة السياسية (الأحزاب وجمعيات المجتمع الأهلي).

وصارت النقاشات والمجادلات بين هذه المؤسسات، تتم وتدور معززة بعوامل الثقة والاحترام، فأصبحت لحظات انتقال السلطة وتحولها أقل حرجًا بعد أن شاع بينها ما يمكن تسميته بثقافة السياسة السلمية.

والسؤال الكبير الذي يتحتم طرحه في هذا النقاش هو : لماذا تأخر هذا الفهم في التطبيق داخل المجتمعات العربية ؟! ولماذا استقر هذا الفهم على هذا النحو الراسخ الصلب في المجتمعات الغربية ؟! هل هو بحر الدماء والآلام الذي عبرته الديمقراطيات الغربية من حروب دينية ونزاعات عرقية ...؟! وهو الأمر الذي لا تتوافر مكونات وعناصر حدوثه في مجتمعاتنا والحمد لله، كثير من الباحثين يميلون إلى قراءة التجربة الغربية على خلفية هذه الحروب والصراعات الأليمة.

من المهم جدًا التذكير بنماذج كنماذج الهند وجنوب أفريقيا وهي نماذج قريبة من أحوالنا وأوضاعنا، إن لم تكن أكثر تعقيدًا التي تحررت تمامًا من أي حرج في تحولات السلطة وتغيير القيادات.

أنا أدعو إخواننا المثقفين والسياسيين لفتح باب النقاش والحوار حول هذا المفهوم.. مفهوم التحول الحرج للسلطة.

فمن استعان بالرأي ملك، ومن كابر الأمور هلك..

الرابط المختصر :