العنوان موضوع الغلاف.. التعليق الأسبوعي (العدد 210)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1974
مشاهدات 99
نشر في العدد 210
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 23-يوليو-1974
موضوع الغلاف
التعليق الأسبوعي
قبرص قاعدة استراتيجية لإسرائيل!
أمريكا تقدم ضمانات الأمن الموعودة!
قبرص قاعدة استراتيجية لإسرائيل.. هذه هي استراتيجية هنري كیسنجر وزير خارجية أمريكا.
وتورط غراب الخراب «کیسنجر » في الانقلاب الذي حدث في قبرص لم يعد موضع جدال.. ولأن هذا التورط أصبح شيئًا بديهيًّا بالنسبة للرأي العام الأمريكي فإن الـ«نيويورك تايمز» لم تناقش هذه الحقيقة المعروفة، وإنما انصرفت إلى مناقشة مسألة صلاحيات کیسنجر.. والمصائب التي سيجرها على أمريكا بهذه الطريقة.
والخلفيات التي تدفع كيسنجر إلى هذا الموقف هي الخلفيات التي تحرك نشاطه وعمله كله نحو خدمة رفاقه اليهود في فلسطين المحتلة.
و لنحصر الموضوع في الموقف الراهن.
لماذا دبرت المخابرات الأمريكية بقيادة كيسنجر انقلاب قبرص من طريق الضباط اليونانيين الموالين لأمريكا؟
أولًا: إن كيسنجر يتمتع بسلطات تكاد تكون مطلقة في إدارة أمن وسياسة الولايات المتحدة لم يتمتع بها أمريكي احتل هذا المنصب من قبل.. واليهودي- أي يهودي- لا يسعي للمنصب ولا يقبله إلا من أجل خدمة الأهداف المشتركة لليهودية العالمية، فما هي الخدمات التي يجب أن يقدمها كيسنجر- وفق التزامه اليهودي الصهيوني- لكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة؟
ثانيًا- وهذا الموقف مبني على الفقرة الآنفة- يريد كيسنجر أن يقدم أكبر وأوسع خدمة لإسرائيل قبل أن يذهب.. وقد مكنه بعض العرب- مع الأسف الحزين- من تحقيق معظم أهدافه تقريبًا. ونعني موافقتهم على الاعتراف بالكيان الصهيوني، وتأمين حرية الملاحة له، والموافقة على إقامة عازل دولي بين العرب واليهود.
ثالثًا- وهذا الموقف مبني كذلك على الفقرة الآنفة- يريد كيسنجر من وراء انقلاب قبرص تنفيذ وعده لإسحاق رابين وشمعون بيريز بتقديم ضمانات أمن قوية لإسرائيل.. ويبدو أن اليهود اشترطوا تنفيذ الوعد قبل ذهابهم إلى جنيف، ومن هنا كان التسرع في انقلاب قبرص.. وكان الاستخفاف الاستفزازي بالحلفاء.
قبرص هي الضمان الأمني الاستراتيجي الجديد لإسرائيل.. تحصل عليه في جو التنويم الأمريكي للعرب.. وفي عهد كيسنجر ذي الصلاحيات المطلقة تقريبًا.
ولمزيد من التعرف على حقائق أو وقائع هذه اللعبة ينبغي أن نطرح السؤال التالي: لماذا قبرص بالذات؟
• لأن قبرص هي أضعف الحلقات، فهي جزيرة قليلة السكان، ضعيفة الدفاع.. بحرًا وجوًا.. والانقضاض عليها لا يكلف شيئًا.. طبعًا في الفعل الإنشائي لا في ردود الفعل.
• ولأن قبرص كانت قاعدة الانطلاق للحلفاء الثلاثة في حرب السويس عام ١٩٥٦.. فرنسا وإسرائيل وبريطانيا؛ فقد كانت الطائرة تقلع منها لضرب مصر وسوريا مباشرة دون التزود بوقود جديد، ودون تعب في الرحلة يشلها عن العمل حين تصل؛ ومن ثم فهي تمثل موقعًا استراتيجيًّا ممتازًا.
• ولأن إسرائيل في الحرب الأخيرة أحست بخنق استراتيجي ضغط روحها وأنفاسها؛ فجميع قواعد هجومها ودفاعها في داخل الكيان المحتل، وهذا يجعلها خاضعة للتطويق والمحاصرة.
فكيف يكسر هذا الطوق؟
بقاعدة خارجية، تلتف حول المهاجمين وتطوقهم في إطار أوسع بحرًا وجوًا.
وكانت هذه القاعدة هي قبرص!
الذريعة والتبرير
وهذا العمل الكيسنجري المشترك يتذرع بالمصالح القومية للولايات المتحدة. ويبرر مواقفه بتأمين المصالح الأمريكية في العالم.
واستغلال الظروف الزمنية واضح في هذا السلوك الانتهازي، ونعني بالظروف الزمنية الإطار المرحلي الذي يحتوي أعمال الولايات المتحدة في دنيا الاستراتيجية. الأمريكيون غارقون في الأيام الأخيرة في عمليات موسعة لتأمين أطماعهم في العالم.
ففي شهور معدود وقعت هذه الانقلابات:
- وقع انقلاب في تشيلي.
- وقع انقلاب في النيجر.
- وقع انقلاب في البرتغال.
- وقع انقلاب في الحبشة «يسحب سلطات الإمبراطور تدريجيًّا».
- وقع انقلاب في قبرص.
ويلاحظ في التحرك الأمريكي الأخير اللهث وراء الحصول على مواقع استراتيجية.. وبحرية بالذات.
فبعد رحلته إلى الشرق الأوسط- مباشرة- ذهب وزير الخارجية الأمريكي إلى إسبانيا- وفيها قواعد أمريكية بحرية- ليوقع اتفاقات بتجديد القواعد الأمريكية.
وفي الحبشة موانئ للبحرية الأمريكية هي مصوع وعصب وجزر دهلك.
وفي عام ١٩٧١- ومن أجل حماية أطماعها في المحيط الهندي وبحر العرب- قامت أمريكا بتحويل جزيرة دييغو غارسيا الواقعة على مسافة ۱۲۰۰ ميل جنوبي الهند إلى قاعدة تموين بحرية جوية نووية تتمركز فيها القاذفات النووية «ب ٥٢» وتستعد أمريكا الآن للقيام بأغرب عملية منذ الحرب العالمية الثانية، وهي ضم سلسلة من الجزر اليابانية الأصل «كومنولث ماريانا الشمالية» وتحويلها لا إلى قواعد مؤجرة بإتفاقات طويلة أو قصيرة الأجل وإنما إلى جعل هذه الجزر- التي تبعد ٥٠٠٠ ميل إلى الجنوب الغربي من كاليفورنيا- ولايات أمريكية ۱۰۰ ٪ وتستخدم هذه الجزر قاعدة بحرية ضخمة.
وقبرص حين تتحول إلى قاعدة إسرائيلية فإنها تُستخدم للعمل العسكري المشترك بين أمريكا وإسرائيل.
وربما أقنع كيسنجر جهاز الأمن القومي الأمريكي بغزو قبرص عن طريق إغراء لا يستطيع أن يقاومه الأمريكان، وهو مراقبة السفن الحربية السوفيتية التي ستمر بقناة السويس بعد أن تفتح.
وهي فرصة يتطلع الروس إليها بشغف من أجل تركيز قوتهم البحرية في البحر الأحمر والخليج... وفي نفس الوقت ينزعج منها الأمريكان. وقد صرح أحد النواب الديمقراطيين في أمريكا بأنه إذا لم تمنع السفن السوفيتية الحربية من المرور في قناة السويس فإن فتح القناة سيصبح كارثة على أمريكا... ولعل التلويح بإلغاء المعاهدة بين مصر وروسيا قد دخل هذه اللعبة.
في هذه الظروف وثب كيسنجر لتحقيق أطماع العدو الصهيوني في الحصول على قواعد استراتيجية أمنية، خاصة وقد أدرك الأمريكيون في حرب أكتوبر صعوبة إمدادات إسرائيل بالعون العسكري بسرعة.
أدركوا ذلك بعد أن رفضت كثير من دول أوروبا السماح لطائرات أمريكا بإستخدام أجوائها أو مطاراتها لنقل الإمدادات العسكرية للعدو. وكان الخوف من سلاح النفط هو الذي دفع دولًا أوروبية لهذا الموقف.
المعادلات المعقدة:
تركيا مرتبطة بأمريكا بأكثر من ارتباط.
وتركيا- إلى جانب ذلك- عضو في حلف شمال الأطلسي.
ورغم ذلك قررت ترکیا خوض الحرب ضد اليونان، بل خاضتها فعلًا فكيف أقدم الأتراك على هذه الخطوة الجريئة؟
وكيف رضخ الأمريكان أو تظاهروا بالرضوخ أو أجلوا الانتقام؟
• بالنسبة لتركيا يصعب على أي حزب فيها أن يساوم أو يتخلى عن قضية قبرص. فإن التخلي يعني الموت السياسي لأي حزب.. سواء كان إسلاميًّا أو يساريًّا أو علمانيًّا أو وطنيًّا.
إن الأتراك يختلفون على كل شيء، لكنهم يجمعون على مسألة القبارصة الأتراك وضرورة حمايتهم في قبرص.
وقرار التدخل لم يكن فوقيًّا وإنما كان نتيجة لضغط شعبي كاسح وواسع النطاق.
وحقيقة إن الأتراك منذ أن حدث انقلاب اليونان عام ١٩٦٧ وهم يحسون بأن أمريكا تتآمر عليهم وتخونهم، وتدعم النظام اليوناني الممتلئ بالعداء لكل شيء تركي.
والأمريكيون- بطبيعتهم- كثيرًا ما يركبهم الغرور فيحاولون معاملة حلفائهم باحتقار وتجاهل.
ومنذ أن خانت أمريكا كاي شيك رئيس جمهورية فورموزا وصافحت الصين الشعبية وأدارت ظهرها له وحلفاؤها الأقدمون يتوجسون منها خيفة.
يضاف إلى ذلك أن التعارض بين مصلحة تركيا القومية وتصرفات أمريكا قد وصل إلى نقطة الصدام.. على الأقل في مسألة قبرص.
ونرجح أن يكون موقف أمريكا من تركيا مؤخرًا قد أثر عليه اتجاه تركيا نحو الإسلام والعرب.. والإصلاحات التي لا ترضي رعاة البقر.
ولا يعني هذا أن تركيا قد تحررت نهائيًّا من النفوذ الأمريكي، لكن قد تقود المواقف الجزئية إلى انتهاج سياسة تحررية شاملة.. ما لم يسيطر الخوف على قلوب الرجال؛ فيحبط عملهم أو يعرقل مسيرتهم.
• بالنسبة لأمريكا الموقف صعب ومعقد؛ فأي خطوة عدائية من جانبها ضد الأتراك ستُقابل بتقارب تركي سوفييتي وطيد.. وهذه السياسة تهديد مباشر للحلف الأطلسي.. و لأطماع أمريكا شخصيًّا.
إن السياسة الدولية تحمل من التعقيدات والمعادلات ما يجعلها تنطوي على الخير والشر، وأغبى الناس هو الذي يظن أو يعتقد أنه في إمكان قوة واحدة ودولة واحدة تسيير أمور العالم.. كما يفعل بعض العرب اليوم.
والأذكياء هم الذين يستفيدون من تناقضات الباطل ومتاعبه للوصول إلى أهدافهم في دوامة الصراعات والمصالح المتشابكة.
• أما موقف بريطانيا فهو موقف الدولة الضعيفة التي تعهدت بالتزامات في عهد قوتها وعجزت عن الوفاء بها في عهد ضعفها.
إنها تجامل تركيا.. وتبكي- نظريا- على الدستورية والشرعية، ولكنها تخاف من أمريكا.
میزان القوى:
إذا تدخلت أمريكا في صراع (اليونان- تركيا) فإن ذلك سيؤدي إلى تفجير الوضع الدولي كله.
إنما نقارن بين قوة تركيا وقوة اليونان بشريًّا وعسكريًّا، فإن معرفة هذه القوى توضح صورة الموقف القتالي ونتائجه.
- السكان: تركيا ۳۷ ملیونًا.. اليونان ۹٫۰۳۰٫۰۰۰.
- مجموع القوات المسلحة: تركيا ٤٤٩ ألفًا.. اليونان ١٥٧ ألفًا.
- القوات الجوية: تركيا ۲۸۲ طائرة مقاتلة.. اليونان ۱۹۰ طائرة مقاتلة.
- الأساطيل: متقاربة القوى.
في ضوء ميزان القوى هذا ينبغي أن نتابع الموقف ونرقبه.
الموقف العربي:
قبرص جزيرة إسلامية ويجب أن تظل اسلامية.. هذه واحدة.
وقبرص موقع استراتيجي ينبغي أن نهتم به، وأن نجاهد للحصول عليه، وأن نقيم علاقات متينة مع الأتراك حتى نؤمّن ظهورنا على أقل تقدير.. هذه ثانية .
قبرص يريدها اليهود قاعدة استراتيجية ضدنا.. وهذه ثالثة.
وفق هذه الاعتبارات كان على العرب أن يهتموا بالقضية، وأن يقفوا معها بكل حماس ودعم أدبي ومادي.
بيد أن العرب وقفوا موقف البرود السلبى المحتضر.. لعل بعضهم لا يريد إغضاب أصدقاءه الأمريكان.
لعل بعضهم قد خاف من انقلاب مماثل في بلده.. تمامًا كما خاف بعض الزعماء من انقلاب اليونان عام ١٩٦٧؛ فقادوا الأمة إلى حرب ضيعت الأرض والسلاح والناس.. و أبقته هو!
ولعل بعضهم وصل به التحجر إلى درجة أنه لا يفهم ما يجري.
ولعل بعضهم شغلته الملاهي عن أمور عظامٍ.
نحو رأي سليم:
تتبع الأحداث الدولية والاهتمام والانفعال بها توجيه قرآني دعا المسلمين إلى ذلك وهم في مكة، أي قبل قيام دولتهم في المدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾. (الروم: ١ - ٥).
كانت المعركة دائرة بين وثنيين وأهل كتاب، وجاءت هذه الآيات تعقيبًا على تلك المعركة.
وتدور المعركة اليوم في قبرص بين أهل كتاب هم اليونانيون، وبين مسلمين هم الأتراك.
وبمقياس توجيه الآيات الكريمة نقف مع المسلمين الأتراك وننحاز لهم حتى وإن نقصهم مقدار كبير من العلم الإسلامي والسلوك الإسلامي.
ذلك أن بيننا وبينهم أصولًا مشتركة هي توحيد الله، والإيمان بالقرآن، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
و ننحاز لهم لأن الحق إلى جانبهم؛ فالطائفة التركية المسلمة في قبرص تعاني من الاضطهاد والظلم والتضييق.. ولعلها فرصة يمسك فيها المسلمون زمام الحكم في قبرص.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل