العنوان الشيشان .. ما زالت على قيد الحياة
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1439
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 20-فبراير-2001
في صمت مريب.. ما زالت الحرب المهلكة تدور بشراسة على أرض شيشان.. ولم يعد أحد في إعلامنا الإسلامي يعيرها أدنى اهتمام... ذلك رغم أن المحنة تتفاقم حتى أصبح الشعب مقبلًا على الفناء، فمنذ اقتحام القوات الروسية لهذه البلاد في أكتوبر ۱۹۹۹م، فقد الشعب الشيشاني ٤٥ ألفًا من الضحايا «وفق المصادر الشيشانية»، وأصبح ما يقرب من ٤٠٠ ألف مدني يكابدون حياة الشتات على الحدود المجاورة في مشاهد يشيب لها الولدان، وقد حذرت وكالة شؤون الهجرة الدولية في بيان أخير من أن الإصابة بمرض السل بلغت درجة مخيفة بين اللاجئين. أما بقية الشعب فما زالت داخل البلاد تعيش حالة من الموت اليومي بين أطلال دولة أصبحت أثرًا بعد عين.. ولسنا هنا في حاجة لإثبات أن الدولة الشيشانية بكل مؤسساتها ومرافقها ومصانعها وأرضها الزراعية انتهت من الوجود، وحتى تستعيد بعض عافيتها فإنها في حاجة- وفق مجلة «فلاست ... السلطة الأسبوعية الروسية- إلى ٧,٥ مليار روبل (الدولار يساوي ما يقرب من ٣٠ روبل).
ورغم كل هذا التمزيق للشعب، والتفتيت للأرض لم يستطع الجيش الروسي حتى اليوم أن يحسم هذه المعركة أو يعلن وقفها وسحب قواته، بل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صاحب قرار الغزو والذي ملأ الدنيا طنينًا بأن المعركة ستحسم خلال شهور لم يجرؤ على إعلان أن إدارته قادرة على إدارة الوضع في الشيشان من خلال ما يقرب من مائة ألف من القوات!
وخلال عام وأربعة أشهر من الغزو الروسي الهمجي للشيشان، خرج المسؤولون الروس على العالم أكثر من مرة يعلنون حسم الموقف لصالح روسيا واقتراب انسحاب القوات الروسية، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، بل إن الذي حدث هو مزيد من التورط في المستنقع.. وقد قطع الجنرال مانيلوف نائب رئيس الأركان الروسي الشك باليقين في بداية فبراير الجاري، معلنًا أنه لن تكون هناك عملية انسحاب شاملة للقوات الروسية.
والموقف الروسي المضطرب في شأن الانسحاب، نجده أكثر اضطرابًا في الإعلان عن حقيقة الخسائر الروسية هناك.. ففي أكتوبر من العام الماضي ذكرت البيانات الرسمية الروسية أن عدد القتلى الروس بلغ ٢٤٠٠ قتيل، وفي فبراير الجاري أعلنت البيانات أن عددهم ۲۷۲۸ قتيلًا و ۷۹۷۱ جريحًا، لكن لجنة أمهات الجنود الروسية المستقلة، تؤكد أن الخسائر الحقيقية ضعف هذه الأرقام، وبالطبع فإن الأمهات اللاتي يستقبلن جثث أبنائهن أصدق من الجالسين في الكرملين.
الأخطر من كل ذلك أن أفراد الجيش المتورط هناك أصيبوا بحالة من الانهيار النفسي.. لم يعد أي منهم يعلم بالضبط متى يعود إلى أهله دون رجعة.. ولم يعد يعرف من أجل ماذا أو لصالح من يحارب بالضبط، ولم يحصل الكثيرون منهم على تلك المرتبات الخيالية التي وعدوهم بها ... أمثلة كثيرة وعلامات تعجب أكثر صارت تطبق على أنفاس الجنود والضباط حتى أصيبوا بالانهيار، وأصبحوا يغرقون في حالة من السكر الجماعي ثم يهيمون على وجوههم مرتكبين حوادث إجرامية وغريبة ضد البؤساء من المدنيين.
في التحليل الأخير فإن روسيا أصبحت غارقة في المستنقع حتى أذنيها.. والنيران المنبعثة من الحرب لم تعد تجد شيئًا تحرقه في الشيشان وإنما تحولت لتنهش جسد الدولة الروسية، وكل ذلك يصب في انهيارها ولصالح الغرب المتحفز للانقضاض .
shaban1212@hotmail.com