العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1507)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 50
السبت 29-يونيو-2002
نموذج من قصص شهداء انتفاضة الأقصى
زواج حسين أبو النصر
مصطفى عطية جمعة
قال حسين، وهو يستقبل أمه معانقًا ومقبلًا لها: هل دعوت لي يا أمي كما طلبت منك؟ اتخذت الأم مجلسها، بينما أحاط بها أبناؤها الستة، وبناتها الأربع.
هتف حسين مكررًا مقولته وهو ينظر في عينيها بقوة:
أماه هل دعوت لي وأنت تقفين على جبل عرفات؟
صمتت الأم، صمت إخوانه وأخواته، حتى الأحفاد الصغار جالت الأم ببصرها بين أبنائها، ثم استقرت مقلتاها على وجه حسين همست له:
كنت قد نسيت كل شيء عندما حطت قدماي أرض مكة المباركة، لم أكن أتخيل أن الله سبحانه قد كتب لي الحج، لم أتصور أنني أسير على نفس الأرض التي سار عليها رسولنا محمد الله لقد نسيت كل الدنيا وأنا في الحج.
بدأ القلق على ملامح حسين، غير أنه لاذ بالصمت، بينما أردفت الأم:
وأنا على جبل عرفات أتطلع إلى السماء... أسبح في نور الإيمان، تذكرتك يا حسين. وتذكرت كل أحبابي دعوت لكم جميعاً.
حسين بمثل ما طلبت منك يا أمي.
الأم: نعم، دعوت وقلت: اللهم ارزق ابني حسين الشهادة.
استطردت الأم وهي تسرح بعينيها: تذكرت أخاك عبد الله الذي فاز بها في انتفاضة ۱۹۸۷م.
قالت لیلي لشقيقها حسين:
ألن تشاهد بدلة زفافك، كان مطرقًا، رفع وجهه، ونظر إليها بعينين غائمتين مستفهمًا!
أعادت الأخت كلماتها بإسهاب:
أخوك اشترى لك بدلة عرسك.
أسرعت وفضت أوراقًا وكيسًا بلاستيكيًا كبيرًا، وراحت تخرج البدلة له.
انظر يا حسين إنها فخمة وجميلة.
دلفت الأم إلى الغرفة، وهي تبتسم وهتفت:
اتفقنا على أن يكون عرسك على ابنة عمك في شهر يوليو القادم، وقد اشتريت لحافاً جميلاً لكما..
قال حسين ضاحكاً:
لقد كلف أخي نفسه، إن نفقات عرسي جاهزة بإذن الله لا لزوجة واحدة، وإنما لزوجات..
متى الأمر إنني في شوق، إنني أتقلب ليلًا ولا أستطيع النوم.
قال له إخوانه وهم يتحلقون حوله.
حسين ما دمت قد اشتقت فأعد نفسك.
بحرارة هتف: إنني جاهز منذ فترة طويلة، قال أحدهم: هل تعرف مفترق طرق الشهداء؟
حسين نعم... وهل أنسى مكان استشهاد أنور الشبراوي وعبد الله المدهون. لقد استشهدا عند هذا المفترق، جنوب غزة، وأنا أحفظ التاريخ جيدًا، أول أبريل ۱۹۹۷م.
هل تود الثأر لهما؟
نعم، فلم تخمد نارهما في قلبي.
إذن، فاحفظ ما سنقوله لك.
قالت «ليلى» وهي تنظر لشقيقها.
حسين أنت دائماً شارد فيم تفكر؟
ابتسم حسين بغموض، وقال:
أفكر في رؤيا رأيتها في منامي منذ فترة.
وما هذه الرؤيا؟
كنت أقف مع صديقي الشبراوي والمدهون في رفقة الرسول في روضات الجنة.
بكت ليلى بشدة وراحت تنشج بصوت عال اقترب منها حسين مهدئًا، قالت مشيرة لصدرها: صدري ضيق، وكأنني أتنفس من خرم إبرة هيا اذهبي لزوجك حتى لا يقلق عليك.
سآتي غدًا الجمعة حتى أصنع لك الفطائر التي تحبها.
إن شاء الله.
استمعت الأم لحديثهما وهي جالسة في ركن بالبيت قالت: حسين، هل ...؟
أماه ... أماه ... إنني متعجل لعرسي، أتمنى أن يكون غدًا، لا بد أن توزعي الحلوى بيديك على أحبابنا.
قبلها، ثم تحرك خارجًا، كان الليل يقترب من منتصفه.
مع تنفس الصبح، سار حسين مستنشقًا النسمات الرطبة، كان وحيداً عند مفترق طرق الشهداء. هنا كان الشبراوي والمدهون، هل سأنال ما نالاه تحسس اللفائف المحيطة ببطنه استمع صوت سيارة اختبأ خلف أحد الكثبان الرملية، ارتفع الصوت، تحرك كانت شاحنة لليهود في طريقها إلى معسكر الشرطة الحربية اليهودية، اقترب من الشاحنة وهي تسير بتؤدة على الطريق الأسفلتي الضيق تسلق صندوقها الخلفي، تطلع من فوقها شاهد مباني المعسكر الشاحنة تتباطأ عند البوابة دويّ انفجار هائل.
أعلن راديو الصهاينة عصر الجمعة 2001/٥/25م قام أحد الإرهابيين بتفجير نفسه عند مفترق الطرق بجنوب غزة، ولم تسفر العملية إلا عن قتل منفذها..
بينما أكدت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في بيان وزع على وكالات الأنباء... وقد نجحت العملية بفضل الله، ونال منفذها حسين حسن محمد أبو نصر الشهادة، وقد نتج عن العملية تفجير الشاحنة، والموقع العسكري الصهيوني جنوب غزة وكتائب الشهيد عز الدين القسام تنعى بكل آيات الجهاد شهيدها أبا نصر.
في الموكب الجنائزي المهيب، تحركت جموع الناس مودعة شهيدها في شارع كبير وسط مدينة غزة سارت الأم تمسح دمعاتها المترقرقة، وهي تقول:
كنت أتمنى أن تكتحل عيناي برؤيته قبل أن يستقر في قبره مثل كافة أمهات الشهداء. كانت تلك أمنيتي الوحيدة بعدما سمعت نباً ...... ولكن يكفيني فخرًا أن جسد ابني المتفحم، حطم موقعًا لليهود كان سببًا في استشهاد عشرات الفلسطينيين من قبل.
وقالت ليلى شقيقته وكأنها تناجيه:
ذهبت إلى بيتنا صباح الجمعة لأساعد أمي في عمل الفطائر التي تحبها .... توقعت أن تعود عقب صلاة الجمعة.
الأم سأوزّع الحلوى يوم عرسك يا بني.
لن تسقط أورشليم
القاهرة: محمود خليل
حول الإجرام الصهيوني في فلسطين، وما يواكبه من تمزق عربي وإسلامي مخجل تجري حاليًا بالمسرح القومي المصري بروفات العمل المسرحي الكبير لن تسقط أورشليم، من تأليف شريف الشوباشي، وإخراج فهمي الخولي، وأشعار وفاء وجدي.
تدور أحداث المسرحية في عام ٤٩٢ هـ. ۱۰۹۳ م ومدينة القدس على وشك السقوط في أيدي الصليبيين، وقائدها، افتخار الدولة، ينتظر المدد والتعزيزات من جيش الأفضل، قائد الجيوش الفاطمية القادمة من مصر، ونظرًا لعدم وصول هذه التعزيزات يلجأ بعض أهل القدس إلى الشام في محاولة لمقابلة قاضي القضاة سعد الهروي؛ حيث يستمع – في عجزه – إليهم ثم يتجه إلى بغداد حيث الخليفة.
لكن حراس السوء يحولون بين قاضي القضاة وبين أمير المؤمنين، فيلجأ إلى حيلة صارخة ليلفت إليه الأنظار، ويثير انتباه الجميع... فيجهر بتناول الطعام في نهار رمضان، وبالفعل يندهش الناس من موقف قاضي القضاة ويحملونه إلى الخليفة ويبدأ في انتهاز الفرصة لينقل المأساة إلى قصر الخلافة.. ما دام قد عجز أن ينقل الخليفة أو جنوده إلى قلب المأساة.
فالصليبيون قد أحكموا الحصار والمذابح في كل مكان، والأقصى في خطر. والفتن الداخلية على أشدها، والانهيار والفساد في كل مكان والناس في أمر مريج ويستميت قاضي القضاة في محاولاته حث الخليفة على الجهاد، ووقف المشاحنات والفتن لإنقاذ الأقصى والقدس الشريف، ولكن الخليفة يطلب التذرع بالصبر: وضبط النفس، حتى يستشير أهل الرأي، وليعطي الفرصة كاملة لأهل القدس لأن يقولوا كلمتهم ويتدخل الكورس ببعض الأناشيد المعبرة عن أحوال التشرذم والتشاحن والاختلاف على التفاهات والصغائر والعدو على مقربة من أكل قلوبهم جميعها، وينزل الستار وقاضي القضاة يردد بحسرة وأسى يا أمة ضحكت من جهلها الأمم..
قبل السقوط
العمل يتم تقديمه في إطار ما يسمى بمسرح الصورة، الذي يعتمد على تداخل الصوت والصورة في العمل المرئي.. في تشكيل درامي ملحمي شديد الخصوصية، وهذا العمل يأتي في وقته حيث الصراع مع الصهاينة أصبح يمثل قمة المأساوية والهوان وتمزق العرب وتخاذلهم، كأنه قد أسقط القدس من الحساب وأصبح يكتفي بالفرجة.. وكأن الأمس يعيد نفسه بصورة أكثر سوداوية وإيلامًا.
واحة الشعر
كتابي
معارضة لقصيدة إيليا أبي ماضي التي بعنوان: "كتابي"
شعر: خالد عبد اللطيف الشايجي (*)
(*) أمين سر رابطة الأدب الكويتي
لإيليا أبو ماضي قصيدة بعنوان كتابي، يقول في بعض أبياتها:
وَسائِلَةٍ أَيُّ المَذاهِبِ مَذَهَبي *** وَهَل كانَ فَرعاً في الدِياناتِ أَم أَصلا
وَأَيُّ نَبِيٍّ مُرسَلٍ أَقتَدي بِهِ *** وَأَيُّ كِتابٍ مُنَزَلٍ عِندِيَ الأَغلى
فَقُلتُ لَها لا يَقتَني المَرءُ مَذهَباً *** وَإِنَ جَلَّ إِلّا كانَ في عُنقِهِ غُلّا
فَما مَذهَبُ الإِنسانِ إِلّا زُجاجَةً *** تُقَيِّدُهُ خَمراً وَتَضبُطُهُ خَلّا
وفي القصيدة نزعة مادية إلحادية لا تخفى، وقد كتب الشاعر الكويتي خالد الشايجي معارضة للقصيدة تحت العنوان نفسه يقول فيها:
رأيتك تدعو الخمر بالفضلِ والحجا*** وتدعو لها خيرًا من الملة الفضلى
ترى مذهب الإنسان محض زجاجة*** تقيده خمرًا وتضبطه خلًا
فبئس الذي تدعو إليه وإنما*** تعاقر فيها الوهم والوهن والذلًا
فإن كان للسكير في الخمر ضابط*** فإن صحاة الناس قد فقدوا العقلًا
فكيف تريد الخمر في الناس ضابطًا*** وفيها من الآفات إن لم تكن قتلًا
تزين فيك السوء حتى تخاله*** وإن كنت تبغي الحق – كالمثل الأعلى
وما الخمر إلا مثل شمطاء في الدجي*** تصور ذاك القبح زينتها أحلى
تراها تزيل الهم ما دمت ثاملًا*** ويبدو لك الإذلال من وهمها نبلًا
وعند انبلاج الصبح تعرف زيفها*** وتبدو عليلًا من غرامتها كلا
وأنت ترى أن المذاهب علة***وأن اقتناها مثلما تدعي غلًا
وقولك هذا دون رأي وإنه*** إذا افتقد الإنسان إيمانه اختلًا
وما الغل إلا مالهُ غير ملة***يشرعها الله الذي أوجد الكلًا
ويعرف خبء النفس والأرض والسما*** ويعرف ما في الكون إن قل أو جلا
تقول نبيي كل ما يطلق العقلا*** وأسفاري الأكوان لا صحف تتلى
فهل تدرك المحسوس في الشيء قبلما*** تشاهده عيناك أو حزته قبلًا
وهل تدرك الأبصار دون بصيرة*** لما خلف هذا الخلق من قدرة جلى
وغاية هذا الخلق كيف تحسها*** إذا لم يكن إيمانك الملة المثلى
فيا ليت أن الكون هذا الذي ترى*** فتفقه ما يوحيه عن ربه الأعلى
لتعلم أن الله سخره لنا*** وأرسل فينا من شرائعه الرسلًا
وأرسل فينا للقضايا معارف*** تبدد شك النفس والوهم والجهلًا
وتعجب كيف النهر يبذل ماءه***وكيف يروي العارض الوعر والسهلًا
وكيف تغذي الأرض الأم نبتها*** وأقبحه شكلًا وأحسنه شكلا
فلم يمنع النهر العباد مياهه*** ولم يمنع الغصن الثمار ولا الظلام
فأعجبت فيها دون رأي يقودها*** وحسبك هذا أن تكون الذي ضلًا
واضمرت رأياً في الحياة كرأيها*** صرت بلا دين وذا ملة سفلي
لأنك شاركت الجماد جموده*** ونفسك تهفو أن تكون له مثلا
ولو أن ما في الكون يسعى بعقله*** فلا الوبل يسقينا ولا ينبت الحقلًا
ألم تر أن الأرض والنهر والحيا*** ستبخل أن تعطيك لو أوتيت عقلًا
إذا أنت لم تدفع فلن تأخذ الجنى*** ولن تجري الأنهار أو تنزل الوبلًا
فإن كنت للأنهار والوبل والربى*** شكوراً فإن الله خالقها أولى
لأن حياة الأرض بالنهر والحيا*** وأن الذي أجراه أجرى لك الفضلا
فها أنت أشركت الوجود بربه*** وقد حزت عقلًا ثم أقعدته عطلًا
ولو تنطق الأشياء يومًا سمعتها*** تسبح باسم الله خالقها جلًا
فأي اعتذار بعد هذا ذريعة.*** وأي عقول بعد ذا تأنس العذلًا
فيا ليت أن الناس كانوا إذا رأوا***من العيز العصماء كانوا لها أهلا
وإنك مثل الناس في الفقر جازع*** وتمنع لو أغنيت حاجاتها بخل
وقد أوكل الله النفوس لسعيها*** فألهمها التقوى وألهمها الغلا
لكي تكسب النفس الغلول ظلامة***ويعدل في مسعاه من يبتغى العدلا
ولا ضير من قوت الحياة المؤمن*** لأن له الأخرى إذا صام أو صلى