; معالم على الطريق.. الذاتية الفردية وبؤرة الصراع | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الذاتية الفردية وبؤرة الصراع

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999

مشاهدات 76

نشر في العدد 1353

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 08-يونيو-1999

ذاتية الإنسان هي قوته، وهي ضعفه، هي صلاحه، وهي فساده في رفعته وانحداره، حضارته أو جهالته، وهي بالتالي صانعة الأسرة، والأمة والتاريخ، أو مدمرة لكل ذلك وناسفة له، لأجل ذلك أراد ربنا سبحانه أن ينبهنا نحن المسلمين إلى تلك الحقيقة التي ستصاحبنا في حقبنا المتعاقبة لتكون دستورًا ومنهاجًا يسير عليه كل ناشد للحق قاصد للصواب، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [ الرعد: 11] نفسك التي بين جنبيك أنت تملكها وتسيطر عليها، وهي نجاحك وفلاحك، أو رسوبك وضياعك، وقد فتح الله لك البصر وأعطاك البصيرة، ومنحك العقل وأرشدك بالشريعة التي تواكب الفطرة وتصلحها وتزكيها، فانظر في أمرك وتفكر في مصيرك، ولا تتعلل أو تتذرع بالمعاذير والتعلات، فكل أمر مرهون بك أنت، وصدق الله ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ  وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53), ولهذا جاء الإسلام بالرسالة الخاتمة، لأنه جاء بجملة القوانين الأزلية التي قامت عليها الحياةـ وبجماع التعاليم التي ترشد العقل إلى استكمال الدورات الحياتية والحضارية الواحدة التي تتخطى الأزمان والألوان والنزعات والعنصريات.

ولهذا المعنى يشير العلامة محمد إقبال - رحمه الله - فيقول: «إن مولد الإسلام كان هو مولد العقل الاستدلالي، وإن النبوة لتبلغ كمالها الأخير في إدراكها العميق لاستحالة بقاء الإنسانية معتمدة إلى الأبد على مقود تقاد منه، وإن الإنسان لكي يحصل على معرفته بنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو».

ولهذا يمكن النظر إلى ختم النبوة من جانب آخر على أنها فكرة تعلن انتهاء الدورات الحضارية، وتعطى الإنسان الأساليب التي بها يستطيع الإمساك بسنم الحضارة ليجعلها مستمرة، كما أنها جعلت التعاليم للناس كافة، وهذه هي عالمية الحضارة التي تعلن انتهاء وزمن الدورات الحضارية.

إن تركيز الإسلام على قوة النفس وقدرتها على التمييز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ ، وتدريبها على الإحساس بالمسؤولية وتخطي العقبات التي قد تكون كامنة فيها بحسب الخلقة والهوى ونزغات الشياطين هي التي تبلغ بالإنسان مبلغ الرشد في الحياة، قال تعالى: ﴿ وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا  فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا  قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس:7- 10)، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل رسول الله ما الإيمان؟ قال: «إن سرتك حسنتك وساعتك سيئتك، فأنت مؤمن»، قال: يارسول الله ما الإثم قال: «وإذا حاك في نفسك شيء فدعه».

ولهذا يتميز المؤمن الصادق الذي دريته التعاليم الصحيحة بأنه يملك حاسة إيمانية دقيقة مرهقة تنبسط وتنشرح لفعل الصالحات، وتنقبض وتضيق لفعل المعاصي، ولهذا قال: «الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس». 

امتاز الفرد المسلم الفاقه لتعاليمه بنفسه القويمة، وذاتيته الحاكمة القوية العملية التي لا تعتمد على خرافة ولا على أوهام وقد أشاع الإسلام ذلك ونبه إليه ، ولكننا الآن وبعد فقدان هذه الذاتية فقدنا أنفسنا القوية المسيطرة، وكان ذلك لعوامل عدة وأسباب كثيرة منها :

1 - أننا تخلينا عن هذا النهج الإسلامي ونسينا تلك القوانين والسنن الخالدة.

2. ومنها معرفة أعدائنا لمصادر قوتنا وهي الذاتية القوية الطاغية والنفسية البصيرة الفاقهة والروح الدافقة السامقة.

فعملوا بقوة وصبر وتدجيل وتدليس على إذابة تلك الذاتية وتهميشها بعداوة شرسة وحقد أسود يحاول أن يكرس الهيمنة الغربية الشاملة على المسلمين، ويفتح أبوابهم أمام الليبرالية الغربية، كما يحاول فرض أنظمة غربية وشرقية عليها في التعليم والتشريع والسياسة والاقتصاد والأخلاق والأسرة، وأنماط الحياة المختلفة لتدمير كل مقومات الهوية لديها، وقد حقق الغرب كثيرًا من ذلك بعد أن هيمن على الأمة بواسطة من انخدعوا به، ومن ملك عليهم مقاديرهم، كما استعان كذلك بعلومه ومكتشفاته وأدواته على تنفيذ ما يريد، وأدخل الأمة الإسلامية اليوم في مرحلة ما يسمى بالإدماج وذلك بتذويبها في ثقافته وأمراضه الاجتماعية والنفسية والثقافية أو بمرحلة ما يسمى اليوم بإعادة تشكيل الوعي بشكل لا يسمح لفكرة الأمة الإسلامية ولا لثقافتها بالظهور مرة أخرى، وحين أحس أنه قطع شوطًا واسعًا في ذلك، بدأ العمل على إنماء المشاعر والتوجهات نحو الشعوبيات والقوميات وإحياء الأصول الحضارية المندثرة والتي عانت منها البشرية حقبًا طوالًا حتى دمرها فسادها، مثل الفرعونية، والبابلية والفينيقية للتهيئة إلى انشطارات جديدة، وتفتيتات آنية، وقد تتالت عمليات الانشطار والتفكيك، ولا تزال قائمة، وذلك في غفلة من الأمة، ولا يخفى بعد ذلك هذا الصراع الملعون الذي يقصد به:

1- تمزيق الكيان الحضاري والاجتماعي والنفسي للأمة الإسلامية وللفرد المسلم.

2- التخلي عن المنهج الإسلامي والاستقلال الذاتي واتخاذ بدائل تكرس التبعية وتمحو الهوية التي هي مثار الإبداع والقوة في الفرد المسلم 

3- الارتداد للأصول الحضارية الجاهلية قبل الإسلام وعرضها على أنها أنموذج حضاري يجب الاعتزاز به وإعلاؤه حتى يملأ فراغ الهوية الضائعة. 

واليوم يجري صراع مرير في العالم كله وقتال شرس لاستملاك ذاتية الإنسان أو السيطرة عليها بشتى الأساليب لمعرفتهم بأهمية تلك الذاتية في بناء الإنسان والحضارة والتقدم العلمي وتجري هذه الأيام وبخاصة في أوطاننا الإسلامية محاولات لقتل ما تبقى من تلك الاستقلالية الذاتية بضرب التوجهات الإسلامية والثقافة الإيمانية بأساليب شتى واتهامات متعددة، وهذا أمر أصبح لا يخفى على المسلم العادي فضلاً عن المثقف، وحل هذه الإشكالية بالميزان الإسلامي قد يكون سهلا وميسوراً على من يسره الله عليه.

 فإن الذاتية الإنسانية لا يستطيع أن ينتزعها أحد من صاحبها، وقد جعلها الله ملكه، لأن قدر الله ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويكون التغيير القدري في حياة الناس مبنيًّا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وأعمالهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم، فهل يعزم المسلم على أن يسود وتفوز أمته، وهل يختار العزة والكرامة والسيادة، إن عزم على ذلك، فلن تستطيع قوة في الأرض مهما قويت وعزت أن تنال منه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لابن عباس: «.. واعلم أن الدنيا لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» وأظن أن الأمة إن شاء الله عازمة على ذلك، ويومها سيفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :