العنوان المثالية حلم أم كابوس؟
الكاتب تيسير الزايد
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008
مشاهدات 51
نشر في العدد 1826
نشر في الصفحة 56
السبت 08-نوفمبر-2008
النفس اللوامة مطلوبة إذا أخذت بأيدينا إلى تعديل الخطأ، لكنها قاتلة إذا أصبحت مجرد أداة للتقريع والإحباط.
يجب دراسة جميع الخيارات كي تتحول رغبتك الدائمة في المثالية إلى طموح يمكن تحقيقه.
معرفة كيفية التعامل مع الغضب ضرورة.
خوف الأبناء من عدم تحقيق مثالياتك يجعلهم عرضة للقلق النفسي، ويفقدهم ثقتهم بأنفسهم.
نحلم قبل أن نكون أسرة أن يكون لدينا أبناء مؤدبون، مطيعون، متفوقون، متدينون، مثقفون، إلى آخر هذه السلسة من الصفات الحسنة التي تنتهي بالواو والنون، ثم نؤسس الأسرة، ويبدأ التحدي الحقيقي في الحياة، ويبدأ الطريق لتحقيق الحلم، فقد ننجح في تنشئة أبناء قريبين من الصورة (الحلم)، وقد نفشل دون قصد منا فتتحول حياة أبنائنا إلى كابوس، بل حياتنا نحن أيضًا كذلك.
راقب نفسك وأنت تحكي لأبنائك قصة ما قبل النوم؛ لتتعرف على مدى ميلك للمثالية، هل شخصيات قصصك دائمًا تفعل الصواب ولا تخطئ أبدًا؟ أم أن تلك الشخصيات تخطئ وتصوّب خطأها؟ فالحياة لديها مرنة قابلة للتغيير.
المثالية هدف جميل، ولكنه خيالي، وقد يتحول إلى مشكلة في عدد من الحالات، مثال ذلك: إذا حوّلنا يمكن أن يكون إلى "يجب أن يكون"، كقولك لابنك: "يمكنك أن تحصل على الدرجة النهائية في الرياضيات" فتقول بدلًا منه: "يجب عليك الحصول على الدرجة النهائية في الرياضيات"، وبين "يمكن"، و"يجب فرق كبير".
قد يتحول البحث عن المثالية إلى مشكلة عندما لا نقدّر القدرات الشخصية، فتطلب من طفل في سنه الثالثة أن يقوم بأعمال طفل في سن الخامسة، مع علمنا بأن مهاراته اليدوية والعقلية لم تتطور إلى هذا الحد من العمر.
قد نعيش كابوس المثالية عندما نرسم لأنفسنا مستوى فكريًا أو معيشيًا أو أسريًا مرتفعًا، ثم نفشل في الوصول إلى هذا الهدف، فنبدأ بلوم أنفسنا وننعتها بالكسل لعدم مقدرتها على الوصول بنا إلى هذا المستوى، رغم محاولتها لهذا، وهذا اللوم والتقريع يكون كالسوط يجلد ذاتنا.
نعم، "النفس اللوامة مطلوبة" إذا أخذت بأيدينا لتعديل الخطأ والتوبة والبحث عن الأفضل، ولكنها قاتلة إذا أصبحت مجرد أداة للتقريع والإحباط، وعلينا أيضًا أن نفرق بين الطموح المشروع المدروس من جهة، والخوف الدائم من التقصير والوقوع في الخطأ والمطالبة بالمثالية التي أحيانًا قد تضر بصاحبها من جهة أخرى.
إذن: ما المثالية المطلوبة التي علينا أن نبحث عنها ونعلمها أبناءنا؟
هذا ما سنتعرف عليه في هذا العدد.
تعريفات مختلفة: عندما تفهم المثالية بطريقة خاطئة يصبح لها تعاريف خاصة، إليك بعض منها:
- هي التمسك بعدد من المفاهيم ذات الطابع الصلب، مما يجعل الحياة عبارة عن نظام يجب أن يتبع بحذافيره.
- هي تبني سياسة معينة تدفع بصاحبها للنقد المستمر لمجتمعه وعمله وأسرته وكل ما حوله.
- هي مفهوم خاص للقيام بعمل معين على الشكل المثالي دون مراعاة لظروف الواقع والحياة الحقيقية التي تحيط بهذا العمل.
- هي التمسك بالنظريات، والبعد عن الحياة الواقعية.
- هي حلم جميل لما تريد أن تكون عليه حياتك، دون قبول الواقع الحقيقي والتعامل معه.
- هي تحفيز الآخرين ليحققوا لك صورة الحياة المثالية التي تحلم بها، دون التفكير في رغباتهم وإمكانياتهم.
- هي قناع ممكن أن تختفي خلفه حتى لا ترى تقصيرك، أو ضعفك، أو عدم مقدرتك على إنجاز عمل عين.
- هي النقد الدائم للآخرين؛ لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى المستوى الرفيع الذي ترى أن العمل يجب أن يكون عليه، مما يحرمك متعة مشاركة الآخرين سعادة إنجاز العمل.
مساوئ الإفراط في المثالية:
- التذمر الدائم، والنقد المستمر يولد لديك القلق والاكتئاب.
- تجنب الآخرين لك؛ لكونك شخصية دائمة النقد والشكوى.
- عدم تقبلك للآخرين؛ لكونهم لا يحققون أهدافك، بل محاولتك الدائمة للسيطرة عليهم ترهقك وترهقهم.
- الحدة في المعاملة تجعلك دائمًا تغير عملك؛ بسبب علاقتك السيئة مع رئيسك ومن حولك.
- مع الأيام ستجد أن الآخرين يسيئون فهمك، بل ويتجاهلونك ويرفضونك.
- فقدان الثقة بالنفس، تلك النفس التي لا تستطيع الوصول إلى توقعاتك العالية منها.
- تجاهلك لآراء الآخرين؛ لأنك تؤمن بأنك الوحيد الذي لديه أفكار إبداعية، وأنك الوحيد الذي تنشد الأفضل يجعلهم يتجاهلون آراءك.
- خوف الأبناء من عدم تحقيق توقعاتك المرتفعة فيهم يجعلهم عرضة للقلق النفسي، أو يفقدهم ثقتهم بأنفسهم؛ لأنك دائم النقد لكل ما يقومون به من عمل، وإن كان القصد من هذا النقد هو تحفيزهم لعمل الأفضل، قد يعلل الكبار قسوتهم على أطفالهم بأنهم يحاولون دفعهم إلى المثالية في السلوك والمعاملة والدراسة، ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي فيكره الطفل الدراسة، أو يمتنع عن تحمل المسؤوليات، أو يصاب بنوع من البلادة كما أنه سيمتص قسوة انفعالات عصبية الكبار، فيختزنها، ثم تبدأ آثارها تظهر عليه مستقبلًا.
حلول مقترحة:
عندما تشعر بأن بحثك عن المثالية أصبح يسبب لك مشكلة معينة من النوع الذي تحدثنا عنه سابقًا، توقف قليلًا، واتبع الخطوات التالية:
عين المجال الذي حدثت فيه المشكلة (حياتك الزوجية- الأسرية- الأبوية- في المدرسة- في العمل- في المجتمع- في المسجد- في صداقاتك).
تعرف على الأشياء التي وضعت قبلها كلمة "يجب"، والتي سببت المشكلة.
راقب تصرفاتك؛ لتتعرف على ما قمت به لتحقيق رغباتك التي دائمًا ما تكون بصيغة الإجبار؛ للوصول للأمثل من وجهة نظرك.
4-تعرف كيف تتعامل مع غضبك عندما تسير الأمور على غير مبتغاك، تذكر أن الغضب ربما يعطيك إحساسًا مؤقتا بأنك على حق، أو يعطيك الإحساس بالقوة أو السلطة، إلا أنه يضعك في صورة غير مناسبة لك، فإذا شعرت أن غضبك على شخص أثارك فحاول أن تكبح مشاعرك، وانتظر للغد، وفى نفس الوقت افعل شيئًا يستنفد هذه الطاقة الزائدة بمزاولة أي نشاط بدني، كممارسة الرياضة أو المشي، أو القيام ببعض الأعمال اليدوية، فالتعامل مع الغضب سيجعلك أكثر استعدادًا للتعامل مع الآخرين بطريقة مناسبة.
5- ادرس خيارات أخرى يمكنك القيام بها لتحول رغبتك الدائمة للمثالية إلى طموح يمكن تحقيقه بهدوء ومتعة.
6- تحدث مع الآخرين بطريقة تشعرهم باحترامك لهم، وتعلم كيفية تشجيعهم وتحفيزهم بالطريقة المناسبة، بل وكافئهم إذا أنجزوا عملًا معينًا (وإن كان صغيرًا) وإذا وجدت نفسك تدخل في مشاحنات مع الآخرين، وشعرت أن هذه المشاحنات تشعرك بالتحدي والعناد فتذكر أن الأطفال الذين يشعرون بالغضب يفعلون ذلك، ولكن إذا تمسكت برأيك فمن الممكن أن تكون مخطئًا، وحتى إذا كنت على صواب فمن الأفضل لجهازك العصبي أن تتنازل أحيانًا، وإذا تنازلت فسوف تجد أن الآخرين ربما يقتنعون برأيك، ويساعدونك في الوصول إلى هدفك.
7- إذا شعرت بخيبة الأمل عند فشل الآخرين (كالزوجة، أو الأبناء مثلًا) في الوصول إلى المستوى الذي تنشده بسبب أنك وضعته في مستوى تريده أنت، تذكر أن لكل إنسان حقًا في أن يعيش حياته بطريقته الخاصة؛ فبدلًا من البحث عن عيوب الآخرين ابحث عن مميزاتهم، وساعدهم على تحسينها، وسوف يحقق لك هذا الاتجاه الرضا، كما أنه سيساعدك على تحقيق فهم أحسن لشخصياتهم.
8- تعلم أن تكافئ نفسك، وتتعامل معها بطرق صحية، وتذكر ما يلي:
- إنك لا تستطيع أن تغيّر، أو أن تسيطر على الآخرين، ولكن تستطيع أن تغير وتتحكم في نفسك.
- إنه ليس عليك أن تكون الأفضل والمثالي والأحسن لتحقق النجاح في الحياة، لا بد أن تشعر بالرضا عن نفسك للأشياء التي تجيد عملها، ولكن لا تضع لنفسك أهدافًا مستحيلة التنفيذ لكل شيء تريد عمله؛ كي لا تدخل في دائرة القلق.
- إن أمور الحياة لن تسير دائمًا بالشكل الذي تريده، ولكن إذا لم يتحقق ما ترغب، فارغب ما تحقق، وتمتع بما حصلت عليه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216)
- ليس نهاية العالم أن تخطئ، أو أن يخطئ الآخرون؛ فالمشكلة ليس أن نخطئ، ولكن المشكلة ألا نتعلم من أخطائنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (سورة البقرة: 222) وتذكر حديث رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون فيغفر لهم».
- عالم اليوم يحتاج إلى أن نستعمل فيه أدوات الاتصال المناسبة، وأن نتعلم طرق التفاوض والمناقشة مع الآخرين، واقرأ قوله -تعالى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159).
- الشكوى والنقد باستمرار لن يوصلك للطريق الذي تنشده، ولهذا حاول أن تتطور بكل الطرق المشروعة، وتطور من حولك، ولكن إذا وصلت إلى طريق مسدود، ورأيت أن الوضع الذي أنت فيه سيدمرك، فغيّر بيئتك، وابدأ من مكان جديد.
- الأبناء لهم قدرات معينة تتطور مع عمرهم، ولهم إمكانيات معينة خُلقوا بها، فتقبلهم كما هم، وتعامل مع قدراتهم وإمكانياتهم بما يتناسب معها، وحاول أن تطورهم، وتحفّزهم للأفضل ضمن تلك الحدود.
- تذكر دائمًا أن الكمال ليس من صفات البشر؛ فلا تتوقع الكمال أكثر من اللازم من نفسك أو من الآخرين، وخاصة أبناءك؛ لأن هذا سيدخلك في حالة دائمة من القلق؛ لأنك ستعتقد دائمًا أنك لا تنجز ما يجب إنجازه، فالوصول إلى مستويات عالية شيء يستحق التقدير، ولكن ذلك يعتبر دعوة للفشل إذا كانت فيه مبالغة، فلا أحد يستطيع أن يكون كاملًا في كل شيء؛ فعليك أولًا أن تحدد الأشياء التي تجيد عملها، ثم ابذل فيها كل جهدك، وستجد أنها هي الأشياء التي تحب أن تؤديها أكثر من غيرها، وبالتالي تصبح هي الأشياء التي ترضيك، ولكن إذا كان عليك أن تعمل أشياء لا تجيدها فأعطها أكبر جهد ممكن، لكن لا تلم نفسك إذا كانت النتيجة أقل مما (حلمت به).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل