; «جمعة التحدي» في سورية.. صمود وكبرياء وبحر من الدماء! | مجلة المجتمع

العنوان «جمعة التحدي» في سورية.. صمود وكبرياء وبحر من الدماء!

الكاتب محمد فاروق الإمام

تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1952

نشر في الصفحة 14

السبت 14-مايو-2011

 ارتفعت على أكتاف الجماهير الغاضبة نعوش رمزية للنظام وحزبه تعبيرًا عن عزلهما

الصدور العارية خرجت وبأيديها غصون الزيتون حاملة أرواحها على أكفها ثمنًا لما تطالب به

..ولبس العديد من الشباب الأكفان مدركين أن النظام لن يتوانى عن توجيه الرصاص إليهم

خرجت سورية في يوم جمعة التحدي، عن بكرة أبيها لم يتخلف منها أحد ؛ حيث اكتظت أحياء العاصمة دمشق وريفها: تل منين وداريا والزيداني وسقبا وبرزة وقطنا وشوارع وساحات عامودا والقامشلي والرقة ودير الزور شرقاً حتى اللاذقية وجبلة وبانياس غربا مروراً بمدينة حمص ابن الوليد وحماة أبي الفداء وإدلب وكفرنبل وبنش وسرمدا والباب والرستن وحتى الصنمين ونمر وانخل جنوبا.. اكتظت بآلاف المتظاهرين في حشود بشرية هائلة استجابة لدعوة الثورة السورية إلى التظاهر في ذلك اليوم المبارك، وكانت هذه الجماهير تهتف بشعار واحد من عامودا وحتى الصنمين: « واحد واحد واحد..الشعب السوري واحد »، «الشعب يريد إسقاط النظام»، «ما منحبك ما منحبك.. إرحل عنا إنت وحزبك.

وقد ارتفعت على أكتاف تلك الجماهير نعوش رمزية للنظام وحزبه تعبيراً عن عزل هذه الجماهير لهما.

سارت هذه الجماهير المسالمة وهي ترفع بأيديها أغصان الزيتون ويافطات كتبت عليها عبارات تعلن فيها رفضها لهذا النظام ولهذا الحزب، وأن الحكم عقد بالتراضي بين الشعب والسلطة... وقد مزقت الجماهير هذا العقد، وطلقت هذا النظام وحزبه طلاقاً بائناً، لأن سياساته قادت سورية إلى الهزائم والانكسارات والتخلف والجهل والفقر والتجويع، وغاص بها في مستنقع العبودية والإذلال والقهر والسجون والمعتقلات والمقابر الجماعية ونهب الثروات وسرقة الأموال، وأعمل في المجتمع معاول الفساد والإفساد لنحو خمسة عقود، تحملتها هذه الجماهير بكل سنينها العجاف وعذاباتها وآلامها وجراحاتها، تناغما مع دعاوى النظام أنه يقود معسكر الممانعة والتحدي والصمود والتصدي بوجه «إسرائيل» والمخططات الصهيونية والإمبريالية، ويتمسك بالقضية الفلسطينية ويحتضن المقاومة.

تعذيب وحشي

وكان هذا المصل السحري يخدر عقول الجماهير ويلعب بعواطفهم، إلى أن استفاقت على حقائق كذب هذا النظام وبطلان دعاواه.. فلا صمود ولا تصدي ولا ممانعة ولا تحدي إلا بوجه هذه الجماهير التي كانت الهدف الحقيقي لهذا النظام والضحية الأولى لكذبه وتضليله وافتراءاته... وقد سقط عند أول امتحان عندما قابل هذا النظام وميليشيات حزبه ورجال أمنه دعابات بعض الصبية الذين كتبوا على بعض جدران مدارس مدينة درعا الشعب يريد إسقاط النظام، مقلدين عن براءة ما يشاهدونه في القنوات الفضائية حيث الثورات الشعبية تلتهب في تونس ومصر وليبيا واليمن وترفع الشعار ذاته.

قابل رجال الأمن هؤلاء الصبية الذين كانت أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة بالاعتقال ومارسوا بحقهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي، حيث أقدموا بوحشية - ما سبقهم إليها أحد - على اقتلاع أظافرهم ومارسوا أبشع أنواع التعذيب النفسي عندما هددوهم بانتهاك براءتهم وطهرهم.. وعندما طالب أهالي هؤلاء الصبية المسؤول الأمني في درعا بالإفراج عن أبنائهم كان الجواب: انسوا هؤلاء الأطفال، وناموا مع زوجاتكم ليلدن لكم غيرهم، وإن كنتم تفتقدون للرجولة فابعثوا بهن إلينا وسنقوم نحن بالمهمة!! 

انتفاضة شعبية

لم يصبر أهالي درعا على هذا الضيم وهذه الإهانة التي وصلت إلى حد انتهاك الأعراض والتطاول على الشرف، فانتفضوا على قلب رجل واحد مطالبين النظام بإبعاد المحافظ والمسؤول الأمني، فقابلتهم عناصر الأمن بالرصاص الحي ليسقط العشرات بين جريح وشهيد.. ويتكرر نفس المشهد الدموي عندما حاول الناس تشييع شهدائهم في اليوم الثاني، حيث كان الرصاص الحي باستقبال جنازاتهم ليسقط مجدداً العشرات بين شهيد وجريح، ولتمند الريح الحمراء إلى باقي المدن والقرى السورية الأخرى مع أهل درعا تطالب بالإصلاح والحرية والكرامة، ولم يكن حظهم يختلف عن حظ إخوانهم في درعا، فقد جوبهوا بالرصاص الحي دون أي مقدمات ليسقط في يوم واحد أكثر من ١٢٠ شهيداً ومئات الجرحى الذين أجهز الأمن السوري على بعضهم بدم بارد بدلا من إسعافهم، ممن لم يتمكن الناس من نقلهم إلى المستشفيات الميدانية التي أقاموها على عجل في المساجد والبيوت، والامتناع عن نقلهم إلى المستشفيات الحكومية التي كانت محتلة من رجال الأمن الذين كانوا يُجهزون على كل جريح بطلقة في الرأس، كما شاهدنا وشاهد العالم على شاشات المحطات الفضائية.

وقد أصرت الجماهير على انتزاع حريتها المصادرة واسترجاع كرامتها المهانة والذهاب في مطالبها حتى النهاية مهما غلت التضحيات. وكان النظام في المقابل يشتد شراسة وانتهاكا وقمعاً يوماً بعد يوم، وقد استنفد كل ما لديه من شبيحة، وعصابات أمنية وقتلة مأجورين جاؤوا تأييداً له من خلف الحدود. ليدفع بدبابات ومصفحات ومدرعات الجيش وفرقه العسكرية إلى مواجهة هذه الجماهير.

حروب قذرة 

هذه الفرق العسكرية التي ما توجهت إلى الجبهة مع العدو الصهيوني منذ عام ١٩٧٤م. عندما أبرم النظام اتفاقية فك الاشتباك الاستسلامية عند الكيلو (٥٤) مع وفد الاحتلال التي تعهد فيها بنسيان الجولان وتأمين الأجواء الآمنة للمستوطنين الذين غزوا المنطقة، وجعلوها من ضمن أملاك الكيان الصهيوني، ودفع بفرقه العسكرية ودباباته إلى لبنان بحجة وقف الحرب الأهلية فأجهز على منظمة التحرير في لبنان، ومن ثم أرغم فصائلها على الرحيل من لبنان نهائيا بحماية العلم الفرنسي، وأتبع ذلك بالإجهاز على المقاومة الوطنية اللبنانية التي كانت تقاتل إلى جانب الفصائل الفلسطينية، وجعل لبنان - بعد أن صفا له الجو - مزرعة لحفنة من ضباط جيشه المقربين وعناصر أمنه المختارين يعيثون فيها فساداً ونهبا، ويجعلوا منه محطة آمنة للتهريب لكل أنواع الأسلحة والمخدرات وغسيل الأموال التي جعلت رموز النظام السوري من أكبر أثرياء العالم والمتحكمين بالسوق العالمية السوداء.

كما سخر جيشه فيما بعد ليحارب العراقيين تحت الراية الأمريكية، حيث قام بمساعدة قوات الاحتلال بتأمين ظهرها وهي تدخل بغداد عام ۲۰۰۳م، مقدما كل التسهيلات اللوجستية والمخابراتية خدمة لهذه القوات الغازية، وتسهيلاً لمهمتها بأقل الخسائر كما اعترف النظام بمناسبة وغير مناسبة.. وقدمت القوات الأمريكية الشكر للنظام السوري لتعاونه معها في غزوها للعراق وقد اعترف الكثير من جنرالات الجيش الأمريكي صراحة بأنه لولا التعاون السوري لدفعت القوات الأمريكية الكثير من التضحيات. ولم تقتصر مهمة فرق النظام العسكرية على المشاركة في تلك الحروب القذرة بل تجاوزتها لإعداد وتدريب عناصر من حزب العمال الكردي المتمرد على الحكومة التركية الذين كانوا يشنون هجمات على المنشآت الحيوية والرسمية في البلاد من داخل الأراضي السورية، إضافة إلى عمليات التهريب المنظمة للإضرار بالاقتصاد التركي.

عبق الكرامة

إن كل ما أتينا على ذكره هو غيض من فيض مما عاناه السوريون ودول الجوار العربية والإسلامية من هذا النظام الذي تسلق جدران الحكم في دمشق في الثامن من مارس عام ١٩٦٣م، من قمع لمواطنيه وانتهاك لأبسط قواعد السلوك الإنساني مع دول الجوار.

وقد تمادى هذا النظام في تصديه للشباب المسالم المطالب بالحرية والكرامة بحمم نيرانه الحاقدة.. هؤلاء الشباب الذين خرجوا في «جمعة التحدي، وقد لبس العديد منهم الأكفان وهم يعرفون مقدما طبيعة هذا النظام المستبد الذي لن يتوانى في توجيه رصاصه الغادر إلى الصدور العارية التي خرجت وبأيديها غصون الزيتون، حاملة أرواحها على أكفها ثمناً لما تطالب به.. فلا عيش بعد اليوم بلا حرية ولا كرامة وهذا القول الفصل لكل شباب سورية، ولسان حالهم يقول: «بالروح بالدم نفديك يا حرية ... بالروح بالدم نفديك يا كرامة وستبقى هذه الكلمات تعتمل في صدورهم، وتصدح بها حناجرهم إلى أن تتحقق مطالبهم، وتخفق في سماء البلاد رايات الحرية، ويتنفس الناس عبق الكرامة .

الرابط المختصر :