العنوان الصيام.. مدرسة الصبر
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1235
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 21-يناير-1997
فرض الله الصيام ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبًا أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي لأنْصُرَنَّكِ ولو بعد حين» (۱).
ولعل ذلك يفسر أن آية الدعاء تتخلل آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾. (۲)
تربية الإرادة:
وفي الصوم تقوية للإرادة، وتربية على الصبر فالصائم يجوع، وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجه، لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه، ولا سلطان إلا ضميره، ولا تسنده إلا إرادته القوية الواعية.
لقد كتب عالم نفساني ألماني بحثًا عن تقوية الإرادة، أثبت فيه أن أعظم وسيلة لذلك هي الصوم ولذلك كان للصوم أثر كبير في علاج الأمراض النفسية، يقول الدكتور محمد حافظ الأطروني: «إن الصوم يترك في نفس المسلم الثقة والسكينة والأمن ويباعد بينه وبين التنافس المحموم على متاع الدنيا كما يقدم لنا الصوم أرقى صور الرشد الإنساني المتنامي نحو الرقي في الحياة الدنيا وذلك عندما يتحكم في أقوى غرائزه وشهواته، ثم يقدم عرضًا غيبيًا تعشق الفطرة، وهو الوصول إلى رضا الله عزّ وجلّ، وتلك بغية كل مؤمن». (۳)
أما الإسلام فقد سبق علماء النفس، كما سبق من قبل أطباء الجسم، وحسبك أن تسمع نداء الرسول صلى الله عليه وسلم للشباب «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(٤).
مدرسة الصبر:
ولأن رمضان يعلم الصبر، فقد سمي قهر الصبر، فعن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم انطلق، فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جنتك عام الأول، قال: فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة؟ قلت: ما أكلت طعامًا منذ فارقتك إلا بليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم عذبت نفسك، ثم قال: صم شهر الصبر، ويومًا من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين، قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام، قال زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها. (٥)
قالوا إن الإشارة بأصابعه الثلاثة لإفادة أنه يصوم ثلاثًا ويترك ثلاثًا.(٦)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر.(۷)
إن الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأول عدة للجهاد هو الصبر والإرادة القوية، فإن من لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوًا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها، هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير.
والصوم بما فيه من الصبر، وفطام للنفوس من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله.
والتاريخ شاهد أن جل المعارك الكبرى كانت في هذا الشهر المبارك بدر الكبرى وفتح مكة وموقعة بلاط الشهداء سنة ١١٤هـ- ٧٢٢م في بوتييه بفرنسا ومعركة عين جالوت سنة ٢٥٨هـ- ١٢٧٠م.
التعريف بالنعيم:
ومن حكم الصوم أنه يعرف المرء بمقدار نعم الله عليه، فالإنسان إذا تكررت عليه النعم، قل شعوره بها، فالنعم لا تعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا إذا ذقت المر، والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن عليك الليل، وبضدها تتميز الأشياء.
ففي الصوم معرفة القيمة الطعام والشراب والشبع والري، ولا يعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش ومرارة الجوع.
ومن أجل ذلك ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، قلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك.
روي أن يوسف -عليه السلام- كان يكثر الصيام، وهو على خزائن الأرض، بيده المالية والتموين فسئل عن ذلك، فقال: أخاف إذا شبعت أن أنسى جوع الفقيرة.
شهر لتطهير البيئة:
وإذا كانت الدول درجت على أن تجعل في العام أسبوعًا تسميه أسبوع البيئة، تنشر فيه الوعي، وتشجع على نظافة البيئة، من الفضلات والنفايات التي تؤذي الناس وتضر بهم.
إذا كان هذا شأن الدول، فإن الإسلام جعل للمسلمين شهرًا في العام لتطهر البيئة من الذنوب والآثام، وهذا هو شهر رمضان، بما فيه من صيام وصلاة وقيام وجود بالمال وصلة للأرحام وتلاوة للقرآن، وتهجد بالليل، واستغفار بالأسحار.
كل ذلك ينطلق في الأجواء، ويملأ الفضاء فيذيب رواسب العام من الذنوب، كما أن هذا الشهر تقل فيه المعاصي والذنوب؛ حيث المسلم أكثر قربًا من الله، وأقوى رقابة وتقوى، وفي هذا الشهر المبارك تصفد الشياطين.
إنه أمثل أسلوب لتنظيف البيئة؛ حيث تجفف منابع المعصية، وترسل المطهرات فتنتقي البيئة من جراثيم المعصية التي تخنق على الناس أنفاسهم وتذهب ببركة أرزاقهم، وتنزل بهم من الأمراض ما لم يكن في أسلافهم.
ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبًا للبشر ولا انتقامًا، كيف وقد ختم أية الصوم بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ۱٨٥)، وإنما شرعه الله إيقاظًا للروح وتصحيحًا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدًا على الصبر، وتعريفًا بالنعمة، وتربية المشاعر الرحمة وتدريبًا على كمال التسليم لله رب العالمين.
مسلمو اليوم في رمضان:
إن مسلمي اليوم لم يفقهوا حكمة الصوم، ولا سر فرضيته، فقد جعله الله للقلب والروح، فجعلوه للبطن والمعدة، جعله الله للحلم والصبر، فجعلوه للغضب والطيش، جعله للسكينة والوقار، فجعلوه شهر السباب والشجار، جعله الله ليغيروا فيه من صفات أنفسهم، فما غيروا إلا مواعيد أكلهم جعله الله تهذيبًا للغني الطاعم ومواساة للبائس المحروم فجعلوه لفنون الأطعمة والأشربة، تزداد فيه تخمة الغني، بقدر ما تزداد فيه حسرة الفقير، وكأن لسان حالهم يردد مع دعاة الشهوات، ومثيري الغرائز لدى الإنسان هذا النشيد:
إنما الدنيا طعامٌ وشرابٌ ومنامٌ
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
بينما يكون نشيد المؤمنين في جميع أوقاتهم لا في شهر رمضان فقط:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته
أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
ألا فليعتبر أولو الألباب وليستجب أولو الأبصار وليدخلوا مدرسة الصوم الربانية، ليتخرجوا منها رجالًا، قد نالوا الدرجات العلى، واستكملوا جوانب النفس، وتخلصوا من كل نقص، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الهوامش:
- تحفة الأحوذي 10/56/3668.
- سورة البقرة، الآية/186.
- الاقتصاد الإسلامي العدد 154ص 76.
- فتح الباري 4/119/1905.
- مرجع سابق 7/81.
- ابن ماجة 1/555/1745.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل