; مداد القلم.. الدرس الكبير | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم.. الدرس الكبير

الكاتب سعيد عبدالله حارب

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991

مشاهدات 55

نشر في العدد 978

نشر في الصفحة 50

الأحد 01-ديسمبر-1991

دروس من الأزمة

عندما يكتب المرء عن الكويت أو في مجلة أو صحيفة كويتية، لا بد له أن يقدم التهنئة قبل حديثه، التهنئة بعودة الأرض والأهل والخير، ثم التهنئة كذلك لمن نال شرف الشهادة، ومن تشرف بالانتساب إليها، أو صمد في وجه الطوفان الذي حل بالكويت. ولكن بعد التهنئة تبدأ الأسئلة الكثيرة: لماذا؟ وكيف؟ وما هو الحل؟ خاصة عندما يأتي السؤال ممن عاش الأزمة يومًا بيوم، وليلة بليلة، أعني بهم أبناء الخليج. فلئن كان الحدث قد وقع في الكويت، إلا أنه قد أصاب كل قلب لأبناء الخليج، كما أصاب كل مسلم مخلص يعرف الحق من الباطل.

والآن بعد أن مضى زمن ليس ببعيد على ما حدث، يبقى السؤال الكبير: ماذا بعد؟ هل انتهى درس الكويت؟ وهل خرجنا من هذه الكارثة بتجربة تصحح مسار حياتنا؟ عندما وقع العدوان، شعر أبناء الخليج أن شيئًا خطأ في حياتنا، فذهب كل واحد يبحث عن سبب، ووصل كل منهم إلى نتيجة. البعض قال: إنها المؤامرة، والبعض ذهب إلى أنها شهوة العدوان والسيطرة، وآخر ذهب إلى أن السبب كان في المواقف السياسية، وهكذا "وجد كلٌّ ما ذهب يبحث عنه".

ويبقى السبب الأول وهو أننا ضعفاء. إذ لا مكان اليوم للضعفاء، لم يكن العدوان قويًّا، ولكننا كنا ضعفاء، وهذه حقيقة لا بد من التصريح بها؛ لأنها مفتاح العلاج، وضعفنا لم يأت من قلة في عدد البشر، ولا قلة في الإمكانيات المادية أو العدة والعتاد، فنحن- أعني سكان دول مجلس التعاون- يبلغ عددنا- كما تقول الإحصائيات الرسمية- 20 مليونًا، وإمكانياتنا المادية مجتمعة من أكبر الإمكانيات العالمية، إن لم تكن أكبرها، وعدتنا لا تقل عن مثيلاتنا من الدول، ولكن مع كل هذا وقع ما وقع، وطمع بنا الطامعون، فلماذا؟ لم يكن الضعف واردًا علينا، بل نابعًا من داخلنا، لقد كان التفرق والتمزق هما الداء الذي أصابنا قبل أن تصلنا قذائف العدوان.

 

هل استوعبنا الدرس؟

إن الإنسان في الخليج ينظر حوله ليرى كل شيء مختلفًا، على الرغم مما نسمع ونشاهد من المواقف الرسمية. واليوم وبعد أن ذهب العدوان يجر أذيال الخيبة وراءه، تلفت الخليجي حوله مرة أخرى ليرى، هل حدث تبدد في مواقفنا؟ وهل علمتنا التجربة أن القوي هو الذي لا يطمع فيه الطامعون؟

الواقع أننا لم نستوعب الدرس بعد، فما زال كل شيء على ما كان قبل الأزمة، المشكلات هي ذاتها لم تتغير، وما زال الإنسان في الخليج "مهمَّشَ الدور"، لا يستشار في شيء حتى فيما يخصه، ثم باسمه- بعد ذلك- ترفع الشعارات واللافتات، فهو أساس التنمية، ومنه وإليه تبدأ وتنتهي كل مشروعات العمل والبناء، وما زال الإنسان في الخليج يرى بعيني غيره، ويسمع بآذانهم، ويتكلم بلسانهم، فهو الحاضر الغائب، أو قل الغائب الحاضر، وكأن قول الشاعر ينطبق عليه حين يقول:

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ** ولا يُستأذنون وهم شهود

لقد علمتنا الأزمة درسًا كبيرًا، علمتنا أن أبناء المنطقة شعب واحد، يشعر كل واحد منهم بما يشعر به أخوه، يحزن لحزنه، ويفرح لفرحه، وكأنهم يطبقون حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين يقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى."

وعلمتنا الأزمة أن الإنسان إذا لم تكن له عقيدة وشريعة تعصمه من الوقوع في أحضان الظلم والبغي، فإنه أول من يسعى لذلك.

وعلمتنا الأزمة أن الإنسان لا بد أن يشارك في تحقيق مصيره، إذ إنه أول من يدفع حياته، وبيته وماله ثمنًا لذلك، وحتى يقوم الإنسان بدوره أثناء الأزمات والشدائد لا بد له من الحرية والمشاركة وقول كلمة الحق. أثناء الأزمات والشدائد، لا بد من تعلم الدرس الكبير، وهو أن الوحدة مصير هذه المنطقة، فنحن لا يفرقنا دين أو جنس أو لغة أو مصير أو تراب أو غير ذلك، ولكن يفرقنا القرار والإرادة لهذا الأمر، فهل نحن قادرون على ذلك؟

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد: 11).

 

الرابط المختصر :