; الراقصون على الجراح | مجلة المجتمع

العنوان الراقصون على الجراح

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يونيو-1974

مشاهدات 54

نشر في العدد 206

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 25-يونيو-1974

الراقصون على الجراح بقلم: أحمد محمد عبد الله عندما تقدمت جحافل العباسيين قاصدة عرش بني أمية، كان الخليفة مروان بن محمد يرتدي ثياب الجندي الذي يسهر مع جنده في خنادقهم، ومرت أعوام خلافته الخمسة وما نزع عن جسده ثياب الجندية، وتكالب عليه جند بني العباس من كل جانب وتقطعت أوصال خلافته فما وهن وما استكان، دفع بالجيش وأبلى المخلصون في سبيل البقية الباقية ثم كانوا يتدافعون لحماية قائدهم الصامد الــذي ما غادر مجتمعاتهم منذ تولى الخلافة، ولكن القوة الجديدة كانت قد نالت من الشهرة ومن المنعة ما ألقـي الرعب في قلوب الناس حتى ضجوا بالتضرع إليهم وبادروا بالاسترحام، وما وهى تفكير الزحف القادم عن طلب الهارب الذي يجمع الأنصار كلما حل أرضًا، الشارد في الأرض مروان بن محمد حتى عاجلته طعنات بني العباس داخل كنيسة في مصر!! كان رجلًا يعرف التحدي فيجيبه!! وكانت فيه عزيمة الرجـال وشكيمة الأقوياء وحنكة العقلاء!! وأيامنا هذه أيام فيها شدة وفيها ضنك وعذاب ولكن الجزء الأكبر من هذا الضيم والظلم ليس آتيًا من خارج، بل إنه من «صغار النفوس» يأتي ويشرئب حتى يأخذ بأعناق الآمنين الوادعين. ومنطقتنا تشهد حربًا منذ زمن بعيد، لكن النوم مرض شاع في الناس فاستغل أصحاب المآرب ضعف الشعوب فعاثوا فيه فسادًا، وبنوا قصورهم الشاهقة وذللوا الناس فاستكان لهم الناس، فشغلوهم عن كل شيء سوى تقديم القرابين.. وعرفوا كيف يكونوا طغاة ممتازين!! وما أظن عاقلًا يشهد كل هذه المهازل الدائرة تحت سمعه وبصره، فيكون له نصيب من الرضا والهدوء.. اللهم إلا أن يكون معتوهًا أو في نفسه وعقله دخل!! ولمحة خاطفة تنقلنا إلى جو قديم، إلى معنى قديم، ألفه الناس وقرأوه، ومر عليهم مرات ومرات، ذلك هو الجمع الذي شهدته مصر في القديم، زمن الفراعنة الأول. أيام أن كان نبي الله موسى يتحدى من قبل الكافرين الذين يحفظون عبارة الفرعون الكبير «أنا ربكم الأعلى»!! ثم يخرون على وجوههم ساجدين! أيام كان لفرعون مجلس يجلسه ليظهر عظمة سحرته وقوة سلطانه على شعب علم الذل مئات السنين حتى أصبحت العبودية للبشر حياته الأولى ومظهره البارز!! حتى إذا جاء موسى مبلغًا عن ربه، حشد الناس في يوم سموه يوم «الزينة» وواعدوا موسى- عليه السلام-، أن هذه الأرض سوف تشهد فناءك يا أيها الدعي!! لكن رسول الله لا يهاب أراجيف الناس وباطلهم وفي معيته آيات بينات.. إن فرعون يصيح في قومه.. إنه يوم مشهود.. وسوف ترون ما نفعل بهذا الساذج الذي شق عصا الطاعة، والتف حوله وزراؤه وخاصته وحاشيته.. زبانية الأمة وعباد فرعون، والشعب الذاهل واجم أمام كبرياء القوم وتحدياتهم.. حتى إذا سألت أودية المكان بحبال تتلوى وعصي تتماوج.. ورقص فرعون طربًا.. وغنی أضیافه ومدعووه ابتهاجًا.. تهادت عصا موسى تلقف ما صنعوا.. فإذا بفرعون يترك مكانه ويتحسس سبيله للفرار.. فإذا بجمعه الحاشد قد تفرق.. وإذا بخلصائه يبهرون ويعلنون لموسى أنهم معه، فما معه حق، وما معهم بهتان.. أبطله نور الحق!! ولكن المشهد يتكرر على الأرض نفسها في صورة أخرى فحياة فرعون أصبحت من البشر حيات راقصات على مزمار يهودي، والساذجون يتفرجون ويصفقون لأن «نجوى» و«سهير» أمل الأمة في إحياء أعيادها، ومصدر الضيافة الكبير لدى أمة تنهار قواعدها!! إن ما يدور الآن في المنطقة، وعلى أيدي حفنة من الأقزام لا يمكن أن يمر دون أن يكون للعصا دور كما كان! وإذا كانوا قد طربوا للحيات الراقصة وغابت العصا التي تلقفهم فإنها آتية لا ريب وعندئذ يبطل سحر الساحر- وهو باطل أصلًا- وينتهي إلى ما انتهى إليه ذلك الحنين القديم!! أرأيتم إلى يهودي يحاربكم ليل نهار ويمد عدوكم بأسلحة الدمار.. ثم أرأيتم إلى قائد يقود جموعكم ثم يلقمكم الكلمات الكبار.. مدللًا على مدى حرصه على سلامة وطنكم وأمنكم وحقوقكم. وهل تدرون أن طائرة خاصة كانت تقل ذاك اليهودي إلى شارع الهرم في الثانية ليلًا ليسهر حتى الصباح على رقص بطلة المسلسل الهازل وواجهة الفضائح.. «نجوى فؤاد» ثم أتذكرون حرب٦٧وما كتبه صاحب «تحطمت الطائرات عند الفجر» عن الراقصة «سهير زكي» وما قامت به من دور في دس أنف هذه الأمة بالوحل.. وإذا هي الآن.. المستقبل الأول والمرفه الأول اليهودي العالمي كيسنجر.. ولرئيسه نيكسون!! أي استخفاف بعقول الناس هذا؟! وأي استهتار بكرامة الأمة!! ومن القائم بهذا وذاك! شراذمة من الأقزام شردوا بالسجون حتى إذا جاء بهم قدرهم إلى كراسي الحكم.. أصلوا الناس بنار الجحيم، فهم بالليل شيء وبالنهار شيء أخر.. ألم تتفكر أيها الناظر إلى الأمور ببله.. أن الذين يتمتعون بالمناصب والكراسي ويسومون الناس سوء العذاب.. لم يكونوا قبل ذلك يملكون من حطام الدنيا شيئًا حتى إذا ارتقوا إلى هذه السدة، نهبوا المال وصادروه، وكذبوا الشعوب إذا خاطبتهم، وإذا دخلوا حربًا ولو على أدبارهم حتى إذا وصلوا إلى نقطة الأمن من دخيل ثبت لهم ذلك.. تطاولت أعناقهم لخطاب الجماهير المكلومة.. أننا انتصرنا وأن موعد السلام قریب!! وهم لا تؤمن لهم صحبة، فهم أنصار العار فهو ملبسهم وحياتهم وأنى لهم أن يتحلوا بغيره .. إن حياتهم عبرة، وإن حياتكم عبرة وموعظة، أنتم في الأمرين وهم في النعيم المهلك فانظروا إلى الواقع نظرة الواثق نفسه لتكشفوا زيف الباطل الذي يتلبسون، وانتصروا لدينكم يكن الله ناصركم، ولا تجنوا على أنفسكم بالصمت والخنوع فالضعف يبني الطغاة، وتفكروا في أمركم، في يومكم وفي غدكم، فإن ما وقع قد وقع وما هو آت لا يرحم، والدليل ظاهر فالدماء التي تسيل من الجروح والقلوب عبرة لمن يتفكر في حياته وحياة غيره. تنبهوا وعلموا الناس السذج أن لا يصفقوا فقد ولى عهد التصفيق علموهم أن كل من لا يكن في نفسه لربه حبًا فإنه نكبة، وعلموهم أن يعرف ربه لا يعرف عبيد الله في أرضه، فهمه دنياه وإخضاع البشر ألا فانفضوا عنكم غبار الجهل والتكاسل.. واطردوا داعي التثاؤب والاسترخاء فما فاز قوم هذا شأنهم. وانظروا قولة المتنبي في شأن ما تعانون من أوضاع الطغاة الذين يومضون باسمكم وأنتم غاضبون، ويبشون في وجه عدوكم وأنتـم ساكتون انظروه يقول هذا البيت من بعد السنين وتباعد الزمان البيت ثم اعلموا أنكم لن تفادوا الذل حتى تلتفتوا إلى السماء وإلى ما بين أيديكم من خير محضرًا: كل حلم أتي بغیر اقتدار حجة لاجيء إليها اللئام
الرابط المختصر :