; الشريعة والدولة في المفهوم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الشريعة والدولة في المفهوم الإسلامي

الكاتب عبدالمنعم أبو الفتوح

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007

مشاهدات 63

نشر في العدد 1782

نشر في الصفحة 32

السبت 29-ديسمبر-2007

لقد ثبت عدم قدرة الإنسان على توفير تشريع له من صفات الشمول والكمال ما يكفل للإنسانية سعادتها وينسجم مع غاياتها العليا وحقيقة وجودها...وتبين بالأدلة والتجارب ضرورة الوحي الرباني وأهميته للاضطلاع بهذه المهمة

التزمت الشريعة الإسلامية في أحكامها مبدأ صلاح أحوال الناس في الحياة وبعد الممات... لأن فكرة الخلود والأبدية فكرة حاضرة بقوة في فهم المسلم ووجدانه

 لا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضرورات الخمس بل تتجاوزها إلى الحاجات والتحسينيات والتكميليات.. وهى تصنيفات غاية في الدقة والرقي

 عندما نتأمل النصوص الإسلامية نجد أنها تخلو من أي شكل محدد للدولة بينما تؤكد على القيم والمبادئ العليا التي يجب أن تستند إليها الدولة تاركة شكل الدولة وطريقة إدارتها للمتغيرات الزمانية والمكانية

من المهم أن يكون واضحًا أن الإسلام وهو الدين الحق ينص على أن العقيدة والعبادة وأمور الحياة والحكم كل متكامل لا يتجزأ فهو دين ودولة ودين ودنيا .. ودين وأمة.. وليس في الإسلام ما يعرف بالسلطة الدينية وليس العلماء الدين والمتخصصين في العلوم الشرعية أي سيادة أو سلطة غير فضل العلم والعلماء.. فالإسلام علاقة مباشرة بين العبد وربه، وهو الفهم الذي يصل بنا إلى أن الإسلام هو أكثر الديانات توافقًا مع الحياة المدنية، بل ويدعو إليها؛ لأن هدفه تحقيق الحياة الطيبة للبشر عن طريق تحقيق العدالة والعمل الصالح، ومقولة، شرع من قبلنا شرع لنا ، يعني أن كل ما لا يتنافي مع عدالة الإسلام فهو صالح للمسلم، وكذلك كل ما لا يتنافي مع العقيدة فهو في صالح المسلم هي أيضا مقولة صحيحة تمامًا.

 ولطالما ردد العلماء السابقون عبارة هم رجال ونحن رجال، بغرض إفساح المجال للتفسير والمراجعة وإعادة القراءة للنصوص بما يوافق الزمن الحاضر، وبما لا يبعد عن العقيدة بأي معنى من المعاني بل إعادة التفسير والفهم بما يحقق المصلحة العامة للمسلمين.

نشأة مفهوم الدولة المدنية في العصر الحديث 

معلوم أن »الدولة المدنية« مفهوم حديث تكرس واستقر بعد انتصار العلمانية على الكنيسة في الغرب إثر صراع أليم بين الطرفين، نتج عنه استقلال أجهزة الدولة عن الكنيسة وسلطتها واقتصار دور الكنيسة على الأمور الروحية فقط بعد ما كانت ممسكة بكل مفاصل وأوصال الدولة والمجتمع، وتحول مفهوم الدولة المدنية بعد ذلك للتعبير عن الدولة الحديثة القادرة على استيعاب الجديد في مختلف مجالات الحياة، بالإضافة إلى أن مؤسسة الدولة في الغرب تطورت كثيرًا سواء في أدواتها ومكوناتها وأجهزتها، أو في طريقة إدارتها وتنظيمها .

وبالرغم من أن السياق التاريخي لمفهوم الدولة المدنية في الغرب وليد الثقافة الغربية والظروف الموضوعية لتأثيرات هذه الثقافة، إلا أن هناك من يصر على سحب هذه التأثيرات على الثقافات الأخرى، مانعًا من تطبيق أي مفهوم للدولة الحديثة قبل المرور على الظرف التاريخي نفسه الذي مرت به الدولة في الغرب!! وهذا خطأ كبير وغير منطقي إذ يجب فصل المفهوم عن سياقه التاريخي تمامًا، كما أن هذا المفهوم قد تطور في مدلولاته، فأخذ يعبر عن القيم المثالية في معاني الحكم الصالح مثل: العدالة والمساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون... إلى آخر القيم التي تشكل في مجموعها ما يعرف ب الحكم الصالح للمجتمع وهو ما يدعو إليه الإسلام ويحض عليه حضًا...

لا تعارض مع الشريعة الإسلامية

 وعندما نتأمل النصوص الإسلامية نجد أنها تخلو من أي شكل محدد للدولة ونجدها تؤكد على القيم والمبادئ العليا التي يجب أن تستند إليها الدولة، تاركة شكل الدولة وطريقة إدارتها للمتغيرات الزمانية والمكانية. فالدولة باعتبارها ضرورة من ضرورات الاجتماع السياسي يجب أن تقوم للحفاظ على النظام وتنظيم شؤون الناس أما شكلها وطريقتها فهي متروكة للناس يطورون ويغيرون ويضيفون ويحذفون فيها بما تقتضيه مصالحهم التي تتغير من حين لآخر. 

والدولة المدنية كتعبير عصري عن الدولة الحديثة بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة لا يتعارض مع تطبيق الشريعة الإسلامية لأن الإسلام هو المرجعية العليا للأوطان الإسلامية أو هكذا يجب أن يكون الحال، فالدولة الحديثة بما فيها من آليات ونظم وقوانين وأجهزة إذا لم يكن فيها ما يتعارض مع ثوابت الإسلام القطعية فلا يوجد ما يمنع من تطويرها والاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة كمنتج إنساني عام يجب الإفادة منه لصالح تقدمنا وتطورنا.

وعلى الجانب الآخر فإننا يجب أن نقر جميعًا بأن مفهوم الدولة الدينية كمصطلح، لم يرد في الإسلام بمعنى أن قيم ومبادئ الإسلام الأساسية لا تؤسس لحكم ثيوقراطي، ولو كان الإسلام يرى أن في ذلك صالح الناس لنص على ذلك راحة، وهو الدين الذي لم يترك صغيرة كبيرة في تنظيم شؤون الناس إلا ونص عليها من الزواج والطلاق.. إلى السلم والحرب.

إن ما دعا إليه الإسلام بهذا الشأن هو التزام الدولة كمؤسسة تنظيمية بمرجعية الإسلام، ومنع سن أي قانون مخالف لثوابته القطعية فقط.. أما الإفادة من القوانين الحديثة فهو فرض لا يقوم الواجب إلا به... والإسلام الذي يحض على التطور والتقدم ويدعو إليه فيما يرتبط بالوسائل والأدوات يدفع إلى تطور الدولة وتحديثها بما يحقق مصالح الناس، بل ويحافظ على مكانتها واستمرارها باعتبارها ضرورة من ضرورات الاجتماع الإنساني، وهو يتناول الجانب المتغير كالآليات الحديثة في إدارة الدولة وتطويرها.

 والمهم في الموضوع ليس هو المصطلح بذاته، وإنما مضمونه ومحتواه، فإذا افترضنا أن هناك من يريد من مفهوم الدولة المدنية عزل الدين عن الحياة ونفي الالتزام بمرجعية الإسلام، فهذا مما لا يسع أي مسلم قبوله، أما إذا كان المعنى هو تطوير الدولة وتحديثها بما يضمن الحفاظ على المصالح العامة، وتوفير الحريات العامة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص أمام كل المواطنين وتعميق مفهوم المواطنة، فهذا ما يجب أن تقوم به الدولة الحديثة في فهمنا للإسلام. ولنسمها بعد ذلك بأي مفهوم يتخيره الناس.

مكانة الشريعة الإسلامية حقيقة مستقرة

 لقد ثبت عدم قدرة الإنسان على توفير تشريع خاص به له من صفات الشمول والكمال ما يكفل للإنسانية سعادتها وما ينسجم مع غاياتها العليا وحقيقة وجودها وتبين بالأدلة والبراهين والتجارب ضرورة الوحي الرباني وأهميته للاضطلاع بهذه المهمة، ومن أبرز ما يوضح ذلك ما وقع في تاريخ الإنسانية نفسه، حيث كانت شريعة الله هي المنهاج الذي سلكه الرسل عليهم السلام....

وقد أورد الفلاسفة والمؤرخون الكثير في هذا المعنى حتى جاءت شريعة الإسلام التي نؤمن إيماناً يقينياً أنها كاملة شاملة لا يعتريها نقص ولا يلحقها قصور.

والشريعة في الإسلام من مقتضيات العقيدة الخالصة لله، وترتبط بها وتلازمها لأنها صادرة عن الله، وانبثقت من الرسالة الخاتمة التي تميزت برؤيتها الشاملة للكون والحياة، ولا يقتصر شمولها على تناولها جوانب حياة الإنسان ديناً ودنيا، بل تنسجم مع النظام الشامل للكون والحياة والآيات الواردة في الإشارة لذلك كثيرة، مثل قوله تعالى:﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بالله وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾(البقرة:177). 

وعندما ينطق المسلم لا إله إلا الله محمد رسول الله، تستمد الشهادة الثانية أهميتها  وهي محمد رسول الله من أن الناطق بها عليه أن يلتزم بالتسليم لله حسب ما جاء به محمد  فقط ومن مقتضى شهادة »محمد رسول الله« تنبثق الشريعة الإسلامية.. فكما ذكرنا فإن العلاقة بين العقيدة والنظام في المجتمع المسلم علاقة تلازم، والشريعة تحقق الانسجام مع النظام الشامل للكون والحياة وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ الله رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾)الأعراف54:).. وقال الله تعالي: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا (الأحزاب36:). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾(النساء65:) وذكر ابن القيم في تفسير هذه الآية: »أقسم سبحانه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكم بمجرده حتى ينفي عن صدورهم الحرج والضيق بقضائه وحكمه ولم يكتف منهم بذلك أيضًا حتى يسلموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا«صلاح أحوال الناس وتقترن الأنظمة البشرية بجزاء توقعه عندما يقتضي الأمر ذلك في حق من يخرج عليها، وتتعدد صور ذلك الجزاء الذي هو جزاء دنيوي فقط، أما الشريعة الإسلامية فتتميز بأن الجزاء فيها دنيوى وأخروي مما يترتب عليه الانصياع لأحكامها انصياعًا اختياريًا في السر والعلن خوفًا من عقاب الله والطمع فيما عنده من الثواب إلى جانب ما يبعثه الجزاء في النفوس من ردع.. وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بالأخلاق والعادات والأعمال صغيرها وكبيرها عناية تامة، حتى تلك الأمور التي يهتدي إليها الإنسان بفطرته كالأكل والشرب والنوم والملابس وطريقتها وما يتصل بهذه الأمور فإن الشريعة قد وضعت لها نظمًا وآدابًا. وما من قضية تتصل بالمجتمع من سياسة أو اقتصاد أو إدارة إلا وبينت الشريعة الإسلامية فيها الرأي.. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ )النحل:89) وقد التزمت الشريعة الإسلامية في أحكامها مبدأ صلاح أحوال الناس في الحياة وبعد الممات لأن فكرة الخلود والأبدية فكرة حاضرة بقوة في فهم المسلم ووجدانه.. قال الشاطبي في ذلك: إن وضع الشرائع إنما هو المصالح العباد في العاجل والأجل معًا، واعتمدنا في ذلك على استقراء وتتبع الأحكام الشرعية فوجدنا أنها إنما وضعت المصالح العباده. وهي بذلك تحفظ الحقوق الضرورية للإنسان المتمثلة بحفظ النفس والدين والعرض والعقل والمال. وهي المقاصد الخمسة المشهورة. فالشريعة الإسلامية تحفظ حقوق الجماعة الإنسانية التي تبدأ بالأسرة ثم تتسع لتشمل الإنسانية كلها ابتداء بالعلاقات الأسرية التي تشمل حفظ النوع البشري بتنظيم العلاقة بين الجنسين التي تحفظ النسب وتحقق السكن والمودة والرحمة، وعلاقات التعاون علميًا وعمليًا في المجالات الإنسانية والعاطفية والدينية والاقتصادية كافة، وبالإضافة للعلاقات الأسرية أوجبت الشريعة في حلقة أوسع حقوق الأمة، وفرضت قيام مؤسسات الدولة الإقامة العدل بين الناس لحفظ الأمن والأمان ورعاية مكارم الأخلاق وإقرار التكافل الاجتماعي ونشر العلوم ومكافحة الجهل والمحافظة على المال الخاص والعام والتعاون مع الأمم الأخرى لتحقيق إعمار الأرض وهو مأمور به شرعًا ومكافحة التدمير والتخريب المنهي عنه شرعًا، والأدلة الشرعية على ذلك ثابتة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وما يتضمنه التراث الإسلامي ويحفظه.

رفع الحرج والمشقة 

ولا تقتصر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية على الضرورات بل تتجاوزها إلى الحاجات والتحسينيات والتكميليات.. وهي تصنيفات غاية في الدقة والرقي والحاجات هي ما يساعد على التوسعة على الناس ورفع الضيق والحرج والمشقة، وتشمل ما يتعلق بالحاجات العامة ولا يصل إلى مرتبة الضرورات والتحسينيات تشمل مكارم الأخلاق والعادات الراقية والتقاليد المرعية والأعراف السليمة وتستبعد ما يؤذي الذوق العام مما يتأفف منه الإنسان المهذب العاقل.. واستقراء مقاصد الشريعة وما انطوت عليه من الضروريات والحاجات والتحسينيات والتكميليات يوضح لنا أن الشريعة الإسلامية قد ضمنت حقوق الإنسان كأفضل ما يكون، وأن دعاوي الرافضين لها ما هي إلا دعاوى تقوم على الجهل والتجني.

حفظ الحقوق الإنسانية

كذلك تضمنت الشريعة الإسلامية منهجًا لحفظ الحقوق الإنسانية، وذلك بفرض عقوبات على المخالفين لتردهم عن إلحاق الأذى بغيرهم، وعرفت هذه العقوبات بالحدود.. وتناسب هذه الحدود نوعية المخالفة وما تنتجه من ضرر خاص أو عام، فهنالك حد الردة لحفظ الدين إذا تم الجهر بالارتداد والدعوة إليه... وحد القتل العمد قصاصًا لحفظ النفسي، وحد الزني لحفظ النسب والأسرة، وحد شرب الخمر لحفظ نعمة العقل، وحد قطع يد السارق لحفظ المال وصون الملكية، وحد القذف لحفظ العرض والسمعة من الافتراء.. وتطبيق هذه الحدود هو من أجل ردع من تسول له نفسه تدمير القيم الإنسانية وليست من أجل التنكيل به...

وفي ذلك قال ابن قيم الجوزية: «فإن حفظ الحقوق الإنسانية الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها. وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، وأيضاً ما ذكره العز بن عبد السلام: «والشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح«، وتتسم أحكام الشريعة باليسر ورفع الحرج والتخفيف ومن أهم علامات اليسر في الشريعة التدرج في التشريع والتمهيد له والقفز على هذا التدرج والتمهيد يعد مخالفة صارخة لصحيح الدين، ناهيك عن مخالفة ذلك بطبيعة الحال لسنن الكون والحياة.

 توسيع المقاصد

 والحديث عن الشريعة يستلزم معه بعض التفصيل في مقاصدها التي وصفها العلماء بأنها القيم العليا التي تكمن وراء النصوص وتستهدفها. ومن تلك المقاصد إضافة وتفصيلاً للمقاصد الخمس المعروفة -كما ذكر الشيخ أبو زهرة- مقصد الكرامة الإنسانية باعتبار أن الشريعة جاءت من أجل تكريم الإنسان انطلاقًا من قوله تعالي:﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾(الإسراء:70)، ولذلك كانت التعاليم الإسلامية كلها تدور حول كرامة الإنسان فلم يفرق الإسلام بين الناس في حق الكرامة، وظهر ذلك في أحكام جزئية كثيرة .. فمن ذلك مقصد العدالة باعتبار أن عنوان الشريعة الإسلامية هو العدل، وحين سأل سائل النبي عن كلمة جامعة المعاني الإسلام تلا النبي  قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾(النحل:90) والعدالة تشمل: العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية والعدالة الدولية ومقصد التعاون الإنساني لكون التعاون في جلب الخير ودفع الشر فريضة.. وهو تعاون على مستوى الأسرة وعلى مستوى الجيران وعلى مستوى الأمة إلى أن يرقى فيصبح على مستوى الإنسانية جمعاء ليحقق المقصود من قوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ الله أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ اللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾(الحجرات:13).

ومقصد الرحمة والمودة حيث اعتبرهما الإسلام أساسًا العلاقات الإنسانية فهما الصلة التي تربط كل من في هذه الأرض من بني الإنسان وشدد سبحانه العقاب على من يتسبب في قطع المودة التي أمر الله سبحانه بوصلها، فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ الله مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ(الرعد:25) وتوسيع دائرة البحث في كليات الشريعة -كما ذكر الأستاذ الفاضل جمال الدين عطيه- بحيث لا تنحصر في مجال الفرد وإنما تمتد لتشمل الأسرة ثم الأمة ثم الإنسانية من أجل تحقيق السكن والمودة والرحمة وحفظ الدين في الأسرة وتنظيم الجانب المؤسسي والمالي للأسرة وحفظ الأمن وإقامة العدل والأخلاق والتعاون والتضامن والتكامل ونشر العلم وحفظ عقل الأمة وعمارة الأرض وحفظ الثروة والتعارف والتعاون والتكامل وتحقيق الخلافة العامة للإنسان في الأرض وتحقيق السلام العالمي والحماية الدولية لحقوق الإنسان وحماية البيئة والثروات الطبيعية من الهدر وسوء الاستغلال.. وقد تناول د.أحمد الريسوني وهو من أعلام هذا العلم - في كتابه »نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي« فكرة المقاصد الشرعية عند الأصوليين قبل الإمام الشاطبي فذكر أن حصر الضروريات في الخمس المعروفة يمكن أن يراجع حيث يقول: »فحصر الضروريات في هذه الخمس وإن كان قد حصل فيه ما يشبه الإجماع يحتاج إلى إعادة النظر والمراجعة« ونحن نشارك الدكتور الريسوني هذا الرأي وندعو بقوة إلى توسعه مجال المقاصد؛ لتشمل كل ما من شأنه أن يحقق السعادة والارتقاء بالإنسان في مدار إنسانيته على أكمل وأتم وجه .

الرابط المختصر :