; المجتمع الثقافي.. عدد 1080 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1080

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

مشاهدات 80

نشر في العدد 1080

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

المكر اليهودي في قصص نجيب الكيلاني.. ودلالات الواقع

كتب أكثر من واحد في العصر الحديث عن اليهود ومكرهم، فصدرت دراسات تحمل عناوين من مثل: اليهود في القرآن الكريم – موسى وقومه – عداء الصهيونية للحركة الإسلامية، وكانت غاية هذه الدراسات كشف مخازي يهود وفضح مكرهم، وقد أفادت القصة الإسلامية المعاصرة من هذا كله، وكان للروائي الدكتور نجيب الكيلاني قصب السبق في هذا المجال، فقد شملت أربعة من أعماله مراحل هذا المكر ومخازيه، بدءا من ظهور الدعوة الإسلامية فتحدثت روايته (نور الله) عن معاداة اليهود للإسلام ونبيه وعن تآمرهم مع المشركين لإطفاء نور الله، وعن براعتهم وخبثهم في توظيف المال والنساء للوصول إلى مآربهم.

كما تحدثت قصته (دم لفطير صهيون) عن ذبح اليهود لأحد القساوسة مع خادمه في أواسط القرن 19 بمدينة دمشق للحصول على دم مسيحي لاستعماله في تحضير الفطير المقدس، والقصة حقيقة واقعة مسجلة في محاضر التحقيق، واطلع عليها قناصل أوروبا آنذاك.

وأما قصته (النداء الخالد) فقد أبرزت في أحد جوانبها الأسلوب اليهودي في استغلال المجتمعات التي تبتلى بهم، وذلك من خلال الربا والفساد ليسهل عليهم السيطرة والتحكم، وأما روايته «عمر يظهر في القدس» والتي كتبت بعد نكبة 1967 فتصور الكيد اليهودي لكل دعوة إصلاحية تبرز في الأرض المحتلة، فعمر في هذه الرواية هو عمر بن الخطاب الذي يظهر فجأة في القدس فيتجمع الناس حوله، ويدهش من مظاهر التغيير التي حدثت في المدينة، فيتألم للواقع السيئ الذي يعيشه المسلمون، فيشخص الأدوار، ويعطى حلولًا لها، ثم يختفي في ظروف غامضة بعد أن هزت كلماته الحياة الراكدة.

إن ما قدمه الكيلاني في قصصه الأربع أبرز كثيرًا من حقائق الصراع مع يهود الذي غفل عنه بعض الناس، ولا يزال بعضهم متغافلًا عنه، وتلك دلالاته في واقعنا أوضح من أن تخفى على مبصر، فها هو ذا النهوض الإسلامي المتمثل بالصحوة المصر على إعادة الأمة للكيد الصهيوني في محاولة مستميتة لوأده كما فعل يهود حين بزغ فجر الإسلام، وأيقنوا أن حياة العرب في طريقها إلى التغيير الذي ينهي دورهم التخريبي، وفي دم (لفطير صهيون) والنداء الخالد تحذير لمن يظن أنه يمكن مسالمة اليهود والعيش معهم في أمان، فهم لا يرضون بأقل من امتصاص دماء من يجاورون، ونهب خيراتهم، وهم ما يحلمون به اليوم بعد ترويجهم لبضاعة السلام الهزيل الذي يبشر به كثير من أبناء جلدتنا ممن تهودت أقلامهم وأفكارهم.

وأخيرًا.. فإن الخيال في (عمر يظهر في القدس) كان يبحث عن النموذج والمثل الذي يعيد للأمة كرامتها بعد النكبة الثانية، وها هو ذا يتحول إلى حقيقة ملموسة في انتفاضة مباركة، يحدو لها رجل على خطا عمر.

بقلم يحيى بشير حاج يحيى.


التائبون إلى الله:

المؤلف: إبراهيم بن عبد الله الحازمي.

صفحات: (308) التائب في قلبه حرقة، وفي وجدانه لوعة، وفي وجهه أسى، وفي دمعه أسرار، وللإيمان طعم وللإقبال لذة، فهو يكتب من الدموع قصصًا، وينظم من الآهات أبياتًا، ويؤلف من البكاء خطبًا.

التائب كالأم اختلست طفلها من يد الأعداء، بين يدي القارئ العزيز كتاب «التائبون إلى الله» يصور خلجات النفس، ويتابع اللحظات المتسارعة، ويسجل الصراعات الداخلية التي تعتمل في قلب الإنسان الذي انكشف ظلام نفسه بإشراقة الإيمان، وانهزم ضلاله عندما جاء الهدى، فأعلن في ساعة مضيئة توبته مما فرط منه، وعاد إلى الله عائدًا لائذًا مستغفرًا منيبًا، والكتاب مجموعة من القصص الواقعية جرت مع بعض الأنبياء والرسل، ثم مع الصحابة والتابعين، ومن تبعهم إلى توبة كثير من المعاصرين في الشرق والغرب، ندعو الله -تعالى- أن يجزل مثوبة المؤلف الفاضل، وأن ينفع بكتابه، هو ولي ذلك والقادر عليه.


ومضة:

لكل إنسان غايته على هذه الأرض، ولكل غاية وسائلها الخاصة التي تتعامل معها، فالغاية الشريفة تتطلب وسائل من نفس جنسها، وكذلك الغايات الأخرى تستخدم آليات تتناسب مع مراميها؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة رغم أنف ميكيافيلي.

ماذا نقول لمن جعل هدفه بعيدًا لا تصله الرماية، ولا يجدي معه التصويب بكل بساطة، تقدم خطوة على طريق الهدف ليسهل عليك تحديده، والتعامل معه، لأنك إن لم تجزئ المسافة بينك وبين هدفك بحيث يكون نهاية سلسلة من الحلقات المتلاحقة والمتكاملة، فإنك لا تستطيع تحقيقه أو الوصول إليه.

كثيرون هم الذين يصابون بالإحباط؛ لأنهم يشاهدون أهدافهم من بعيد، ويعجزون عن تحويلها إلى وجود قريب أو واقع معاش، إن ترديد المصاب لاسم الدواء لا يؤمن له الشفاء، ولا يحقق الصحة، لا بد من تناول العلاج واتباع الخطوات التي يشير بها الطبيب، لذلك ودفعًا لتثبيط اليأس القاتل وأملاً في تحقيق ما نصبوا إليه من أهداف، يتحتم علينا أن نعرف هدفنا البعيد تحديدًا، وأن يكون لنا أهداف ثانوية نضعها في نهاية كل مرحلة من مراحل الطريق، ترشدنا إلى ما بعدها من أهداف مرحلية، وكلما تجاوزنا واحدًا منها شعرنا بالرضا النفسي؛ لأننا قدمنا شيئًا، وقطعنا منعطفًا، وتخطينا عقبة، وأسهمنا في تقريب المسافة والوصول إلى النهاية، وتحقيق الغاية، وفي هذه الحالة نسير مطمئنين لا نتعجل الخطو، ولا يختل توازننا، أو تهتز رؤانا عند مفارق الطرق فتحاول استنبات البذور في الهواء، واقتطاف الثمار من شجرة الأوهام.


إلى الفارس الذي لم يأت بعد:

شعر: عبد الرحمن فرحانة

ساءلتني عنك أشلاء الضحايا ** وسمعت الآه من شتى الجراح

 واشتكت أرض النبيين وصاحت ** داسني الكفار في كل البطاح

 مسجدي في الأسر يشتاق صلاحًا ** مستنيرًا يمتطى خيل الفتوح

 ساءلتني عنك أفواه الصبايا ** قلت آت مشرعًا نصل السلاح

 أيها الفارس قم كالفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح

ساءلتني عنك كشمير الجريحة ** يبتغيك الليل بدرًا للسفوح

فالثكالى تكتب الشكوى دموعًا ** عن قتيل أو لعرض مستباح

 كانت الأرض جنانًا في الروابي ** وغدت محرقة الموت الصريح

 أين من عينيك دمعات اليتامى ** وأنين الجرح في الصدر الذبيح

 أيها الفارس يابن الفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح

 وتناديك سراييفو أغثها ** فالعذارى تحتمي خلف الصراح

وعلوج الكفر داسوا كل عرض ** وصليب البغي ضماد الجروح

 يا حبيبًا منذ دهر نشتهيه ** غبت عنا فامتلأنا بالقروح

أين عينيك ترانا في ديار ** تعبد الأصنام في كفر بواح

 أيها الفارس يابن الفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح

 (وطن الطاجيك) يستجديك تغدو ** نهر جيحون يغني للكفاح

 فهناك الموت قد مل الضحايا ** يبتغي الأطفال دفئا من جناح

 تشرق الشمس لموت أو دمار ** والبخاريُّ ينادي للفلاح

فارس المجد هناك المجد يغفو ** قم ليصحو المجد في أرض (الصحاح)

 أيها الفارس يابن الفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح

 (ومقاديشو) تغض الطرف كرهًا ** عن خطا الكفر وعن ثار مباح

 وتنام الليل جوعًا واحترابا ** وتحب الموت كالماء القراح

إنها تحلم يومًا أن تراكا ** بل وتشتاقك كالوجه الصبوح

كلما يبسم فجر في سماها ** فتظن الصبح آت (بصلاح)

أيها الفارس يابن الفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح

(أرض مورو) في أقاصي الشرق تحنو ** (وفطاني) تشتكي بطء الرياح

 جند بوذا حرقوا القرآن كفرًا ** سرقوا الشمس وألوان الأقاح

 وصليب الشرك يسترهب (مورو) ** علها تعبد صلبان (المسيح)

 فارس الحلم تناجيك (فطاني) ** صوتها بح بآنات الجريح

أيها الفارس يابن الفاتحينا ** نشتهي اليرموك شمسًا للصباح


مشروعنا الحضاري الإسلامي خلاص للبشرية المعذبة

حاوره في القاهرة: محمود خليل

المفكر الإسلامي الدكتور عبد الحليم عويس قارئ جيد لحضارتنا وتاريخنا، ومحلل ماهر لأمراضنا التاريخية، ومفسر بارز للمسيرة البيانية لأمتنا في صعودها وهبوطها، أمهر المكتبة الإسلامية بأكثر من 30 كتابًا تدور حول «التاريخ الإسلامي»، و«تفسير التاريخ»، ويقف في مقدمتها «المسلمون في معركة البقاء» و«الإسلام أولًا»، و«دراسة لسقوط 30 دولة إسلامية»، إلى جانب تناوله العميق لمسيرة الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب العربي والأندلس عبر دراستيه الشهيرتين «ابن حزم الأندلسي وجهوده» و«دولة بني حماد في الجزائر» وضيفنا الدكتور عبد الحليم عويس من القلائل الذين يجيدون تغذية العقل المسلم في وجه التيارات المعاصرة، ويحسنون دفع الدماء والروح عبر الجسد الإسلامي المؤهل رغم كل ما يعانيه لأن يكون مشروعه الحضاري الإسلامي، خلاصًا للبشرية المعذبة.

ومحاورنا يعمل أستاذًا للتاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وله مساهمات فعالة في معظم المؤتمرات، والمجلات، والصحف العربية، والإسلامية.

ولحاجتنا إلى تشريح حضاري بصير عبر هذا الظرف التاريخي الصعب الذي تجتازه أمتنا، كان للمجتمع، معه هذا اللقاء.

المجتمع: وسط هذه الأنواء والعواصف التي تتعرض لها الأمة الإسلامية، نحب أولاً أن نتعرف على ركائز معركة البقاء؟

د. عويس: نحن يا أخي لا نتعرض لأنواء وعواصف فحسب، إننا نتعرض لزلازل عنيفة، وإذا لم نحسن فهم سنن الله المعروفة الثابتة فإن نذير العاقبة يكاد يقتلعنا من الأرض اقتلاعًا، ولكن قبل أن نقرأ معًا «ركائز البقاء» علينا أن نعرف أولًا الفوقي، والتحتي، والقاصي، والداني، والقائد، والشعب أنه لا تخلو أمة ولا سيما الأمة الإسلامية من عدو متربص بها، وهذه هي سنة الله، ودفع الله الناس بعضهم ببعض، والصراع بين الحق والباطل دائم إلى يوم القيامة، ونحن بالذات صراعنا إلى الأبد، ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.

إذن الصراع إلى يوم الدين حتى ننتصر أو نترك ديننا، ونحن -والحمد لله- ديننا، لحمنا ودمنا، ونحن ندور معه حيث دار، لكن درس التاريخ كله يفيدنا أنه عندما تغفل الأمة عن عدوها، وعندما تنشغل بالموبقات الأخلاقية، تهيئ أفضل الأجواء للعدو لكي ينشر جراثيمه الفكرية والأخلاقية وعملاء الفكريين ممن سماهم الرسول ووصفهم بأنهم يتكلمون بألسنتنا وهم من جلدتنا، لكنهم ليسوا منا، فقلوبهم قد استؤجرت وسحقت أمام هذا الغزو الثقافي الكنود، هؤلاء موجودون بيننا، ويحملون هويتنا، وربما يتكلمون أبلغ من كلامنا، وللأسف المميت فهم من حيث يعلمون أو لا يعلمون خونة لأمتنا مبهورون بالغير، لم يأخذوا منه غير عرقه الفاسد، وبعض زخارفه المستهلكة، لكنهم على كل حال يهيئون الجو لكي يمتد العدو في فراغ.

ونحن قوم لا نستحق الحياة إذا انشغلنا بظواهر المرض المتعددة، وغفلنا عن أصل الداء والداء بكل أمانة، هو خصومتنا مع ديننا الذي هو أصل الأهوال في معركة البقاء التي نحياها، وركائزنا لفض هذه الخصومة في الثلاثية المقدسة التي لم تحظ به بها حضارة سوانا الدين والعقل والوحي علاوة على قلب الأرض الذي يمكن أن تتحكم في نبضه.

المجتمع: ولكن بم تفسرون هذه الوهدات التاريخية الضخمة التي انحدرت إليها أمتنا الإسلامية عبر مسيرتها التاريخية، أو بمعنى آخر ما هو السبب في غياب الدرس التاريخي الفاقه الذي يمثل الرافد الأهم في صناعة الحضارة؟

د. عويس: إن هذه الوهدات ليست حكرًا علينا كمسلمين، فلسنا وحدنا الذي تعرض لمثل هذه الكبوات، أو غاب عنه هذا الدرس الذي تتحدث عنه، واقرأ إن شئت أي حضارة تريد وتدبر، أي تاريخ تختار، ولكن الدرس الذي يجب أن نفقهه جيدًا إنه من الصعب إبداع حضارة واحدة ذات نسيج واحد، بذوات متنافرة لا تجمعها روح منسابة واحدة، وإنه مهما اختلفت الإيقاعات في الحضارة فيجب أن يكون الإيقاع الأقوى هو الإيقاع الذاتي الذي يمثل الروح العامة للأمة، بمعنى التاريخ البشري على طوله يتكون من شريحتين شريحة تميزت ووضعت حضارة نسبت إليها، وأخذت بها موقعًا من التاريخ، وشريحة مرت بالتاريخ، كما تمر شتى الموجات الساكنة في الكون، فهي تابعة لأية ذات، وهي مؤهلة لعبور قنطرة الحياة تحت أي مظلة وبأي لون، والحضارة الإسلامية -والحمد لله- كانت ولا زالت على رأس الحضارات التي صنعت تاريخًا وتاريخها يحمل حلًا حضاريًا من خلال الإطار الإسلامي المتوازن.

ولكن المنظور الصحيح يقتضي، ونحن نعالج قضية ما، أن نعطي لمجموع العوامل والقوى الفاعلة نصيبها، وأن يكون تحليلنا قائمًا على أساس (البناء الكلي) الذي أفرز لنا وضعًا خاصًا تتسم به كل شريحة من شرائح الأمة، ولن تصل الأمة أبدًا إلى الانبعاث الحضاري المنشود بهذه الدروس المجزوءة (ومالئات الفراغ) التاريخي الذي يحاول البعض خطفها من تيار التاريخ، ولكن غياب الدرس التاريخي لا يأتي إلا من مثل هذه النتائج العاجزة والتي تحاول -بالترقيع- معالجة أوضاع الأمة الإسلامية الاقتصادية والثقافية والنفسية والاجتماعية، والمأساة الكبرى أن الأمة الإسلامية في الضياع المعاصر ليست بأية صحة تتحمل معها هذه الأدوية المتناقضة التي يحاول البعض أن يجرعها إياها من جعبة التاريخ، ولكنني على كل حال مطمئن إلى تلك المدرسة التاريخية المعاصرة التي تقوم على تفسير التاريخ الإسلامي من موقع المكتشف، وليس من موقع المسجل أو موظف الأرشيف في دائرة التاريخ.

وليس شرطًا أن يعيد التاريخ نفسه بدرجة متماثلة تمامًا، فذلك مستحيل في لغة الكون، فإن الذي مضى لا يعود، لكن الممكن والذي تعمل به وله، وهو الصحيح فعلًا إن التاريخ يعيد تطبيق شروطه صعودًا وهبوطًا في كل مراحل الحضارات مهما اختلفت أشكال التعبير، والدرس التاريخي يقول إن حضارتنا لن تسقط أبدًا إن شاء الله.

إنسان «الجامع» وإنسان «الجامعة»:

المجتمع: ثمة مفارقة غريبة يلمحها الناظر المتعمق في منعطفات مسيرتنا الحضارية، كيف نجحت الجوامع، في صناعة إنسان الحضارة ولم تنجح، ينبغي على الأقل «الجامعات الحديثة» حتى الموسومة منها بالإسلامية في تخريج ذلك الإنسان، وكيف تعرض خريجو هذه الجامعات لهذه السلبيات الحضارية الملحوظة بشدة؟

د. عويس: إن الإجابة تتلخص في أن الجامعات خضعت للمنهج السائد في عصور التخلف، فتأثرت بالمجتمع ولم تقده -كما ينبغي- وسمحت بالفصل بين الشخصي والاجتماعي، والقول والفعل، والعقل والعاطفة، والكمي والكيفي، وكانت الثمرة هي إهمال بناء الإنسان، مع أن بناء الإنسان، هو ألف باء الحضارة والتقدم في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، وفي المسجد الحرام في مكة، وفي سائر الجوامع التي انتشرت في القرون المتتالية كان المتخرج، والفائز بحق الرواية، (والذي يزعم البعض أنه الأصل في كلمة بكالوريوس) يخرج إلى الدنيا كائنًا إنسانيًا مختلفًا عن الكائن الجديد الذي تخرجه الجامعات المعاصرة في العالم الإسلامي اليوم.

كان خريجو هذه الجوامع يخرجون بشعور من المسئولية، يحس معه أنه ممثل لأمة عظيمة ذات رسالة عالمية وعقيدة مضيئة، حتى ولو كانت أمته في مرحلة انهزام سياسي، وإلا فكيف تغلب العلماء على التتار المنتصرين؟ وكان يشعر بأن وراءه ماضيًا متألقًا، وأنه أصبح صالحًا لتمثيله، وإقامة الجسور بينه وبين المستقبل.

أما خريجو الجامعات في عصرنا فتبدأ رحلته مع الضرورات اليومية بعد تخرجه، وهو يحس بأن نبوغه يجب أن يسخر في سبيل تحقيق هذه الضرورات، ويشعر كذلك بأن على أمته أن تبدأ في تيسير ما يليق به مكافأة ورفاه، وهكذا فإنه يأخذ الحقوق مرتين مرة قبل التخرج ومرة بعده.

إن الحضارة التي مثلها إنسان الجوامع كانت تفهم مسيرة التقدم على أنها فكر وتربية ينتهي إلى وعي وعلم ومسئولية تجاه الحضارة الإنسانية، أما إنسان الجامعات الحديثة فيفهم الحضارة على أنها معلومات وتلبية، تنتهي إلى هدف لا ينتهي.

تاريخنا من يكتبه؟

المجتمع: يريد البعض أن يجعل من الحشو المغلوط تاريخًا للمسلمين أو يلوي أعناق الأحداث التاريخية ليخرج باستنتاجات معينة مع سبق الإصرار والترصد خدمة لغرض محدد والسؤال المطروح تاريخنا من يكتبه؟

د. عويس: ما تعرض تاريخ أمة من الأمم مثل ما تعرض له تاريخنا من حشو ودس وحقد وتشويه وسرقة وحرق وتحريف، ومع ذلك فهو محفوظ بحفظ الله للكتاب الذي صنع الأمة صاحبة هذا التاريخ، وبالسنة التي تمثل المرجعية التطبيقية لهذا الكتاب، ومن وجهة النظر الإسلامية هناك أسس ومعالم بدونها تصبح الكتابة التاريخية -خاصة الإسلامية- عبثية محضة، من أهمها:

1- ضرورة أن يجمع المؤرخ بين وظائف ثلاث (مؤرخ، ومحدث، ومفسر).

2- اعتماد القرآن والسنة "المصدرين الأساسين للتاريخ الإسلامي".

3- الشمولية في النظرة التاريخية بين شتى العوامل المؤثرة في الحركة التاريخية من فكر واقتصاد وسياسة وغير ذلك.

4- ضرورة توافر أدوات البحث التاريخي من عدالة وضبط وموضوعية وفقه باللغة والعلوم الإسلامية وعدم الحكم إلا من خلال علم مؤكد.

5- رصد الغايات العليا الإسلامية وتأثير مبادئ الإسلام في التاريخ العالمي والحضارة الإنسانية.

6- الارتباط بين العمل التاريخي الوثائقي وبين فقه التاريخ.

حتميات في الرؤية الحضارية الإسلامية:

المجتمع: في هذا المد والجزر لتاريخنا وحضارتنا، هل ثمة حتميات علينا أن نؤمن بها، وننطلق منها في هذا الصراع المستمر الدءوب؟

د. عويس: هناك ثلاث حتميات نؤمن بها كل الإيمان، ونستجيب لها كل الاستجابة في إطار التحديات التي تواجهنا، أولها- إن الصراع الحضاري بيننا وبين الحضارات الأخرى التي تحمل في وجهة نظرها أفكارًا باطلة إنما هو صراع دائم إلى يوم القيامة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُُ﴾ (سورة البقرة: 251)، وبالتالي فلا مكان للنظرة الواحدية للتاريخ.

ثانيها- إن أعداء هذه الحضارة دائمًا أكثر من أنصارها في التاريخ، ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ فالكم أو القوة الطارئة لا يجوز أن ترهب أبناء هذه الحضارة، أو تثبطهم عن رسالتهم مهما كان طيشها وغرورها.

ثالثها- إن النصر في نهاية الجولة هو لأبناء هذه الحضارة: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (سورة الصَّافَّاتِ: 173). ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة 33)، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 105).

وفي ظل هذه الحتميات التي تمثل جزءًا من الإيمان الضروري، على المسلم أن يتحرك في موكب التاريخ، وهو واثق من إمكانية العودة؛ لأن دورية حضارته قانون من قوانينها، ومعلم ثابت من معالمها، لهذا فنحن واثقون من هذه الحتميات مهما جمع الناس لنا، وحاولوا تفزيعنا.

المجتمع: في ظل هذه الحتميات، ماذا يجب على المسلم المعاصر أن يتشبث به في هذه الصدمة التي يحياها الآن، خاصة والواقع الإسلامي يسوق إليه كثيرًا من الإحباطات المذهلة؟

د. عويس: دائما يا أخي تسقط الحضارات من داخلها، إن الغزو الخارجي إنما يأتي كما تأتي العاصفة مهما كانت شدتها وضراوتها، فإنها لا تقتلع إلا الأشجار التي لا جذور لها، أو تمتد جذورها امتدادًا هشًا، أو التي تتمتع بجذور قوية لكنها مريضة الجسم، فينكسر الجسم، وقد تبقى الجذور مؤهلة بعد ذلك لبناء جسم آخر والبروز مرة أخرى.

 

الرابط المختصر :