; توجهات أولية للمسألة الشارونية | مجلة المجتمع

العنوان توجهات أولية للمسألة الشارونية

الكاتب إبراهيم الكندري

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1446

نشر في الصفحة 22

السبت 14-أبريل-2001

عندما يصبح الشعب الفلسطيني كله مثل «أبو علبة»، عندها لن يستطيع شارون إلا الاستسلام.
الحديث عن شارون أشبع قولًا وجدلًا، ولكن بالمجمل على القارئ أن يقف عند نقطة متوازنة بين التهوين والتهويل، فالبعض يضخم «شارون»؛ لكي يبرر المسايرة أو تخفيف المقاومة، ونحن كذلك علينا ألا نقلل من شأن تغير المعادلة الصهيونية في أسلوب المواجهة، صحيح أن «باراك» أفرغ ما في جعبة شارون من أساليب وتكتيكات، ولكن شارون كما قال عنه ببريز صاحبه في الحكم الآن: «إنه يعرف أهمية القوة ولكنه لا يعرف حدودها»، وبمعنى آخر قيل عنه: «إنه الرجل الذي لا يتوقف عند الخطوط الحمر»، ولسنا بحاجة لاستدعاء الشواهد، فكلنا بات يعرفها.
معرفة آفاق شارون تعني «عسكريًّا» الاستعداد للأسوأ، وسياسيًّا الصمود والمواجهة، والإدراك أن ثمة حقيقة واحدة تمكن من ردع شارون وإسقاطه، وهي ببساطة تكثيف المقاومة والاستمرار في عزله سياسيًّا؛ لكي يدرك الجميع أن المقاومة مرتبطة بالاحتلال، وليس بتغير الأشكال والوجوه، كما ثبت بالمقابل أن اليسار واليمين الصهيونيين كلاهما واحد في إستراتيجية المراد من التسوية، ولهذا ينبغي فضح المنافقين والمهرولين الذين يقولون: «لقد أضعتم الفرصة التاريخية»، فهذه صيغة للإضعاف ووسيلة للنيل من صمود الشعب ومقاومته، ولو نزلنا معهم لفحوى الوقائع السياسية على مدى عشر سنوات من التفاوض؛ لتبين لنا مدى قصورهم السياسي.
انكشاف اليسار: سنتكلم عن اليسار الصهيوني،  وهي الصفة التي تطلق مجازًا على الصهاينة المستعدين للتعامل مع التسوية «بثمن أعلى ورموز أفضل»، وسنحصر أمرنا بالفهم السياسي للمسألة التي ارتكز عليها محور الدعاية الانتخابية الأخيرة، لقد كشفت كامب ديفيد وطابا وغيرهما حدود العطاء اليساري الذي يقوم أساسًا على المساومة على ما تبقى من الـ ٢٠٪ من فلسطين، وأخذ دولة مسلوبة الإرادة مقابل صفقة تتنازل من خلالها عن بعض السيادة في القدس، وشطب حق العودة تماما، وجاءت مقترحات كلينتون كتعبير رسمي رئاسي يلخص العرض اليساري الصهيوني باللغة الأمريكية، صفقة اليسار المعروضة يكاد يجمع عليها مجمل اليسار، هذه المسألة مهمة في التقدير الرسمي والشعبي؛ لأنها ستشكل نقص تحول في فهم مزاعم الذين أرهقونا منذ أوسلوا وحتى الآن بجدوى المراهنة على تغيير الرأي العام اليهودي كسبيل مهم للخلاص من احتلالهم لا يستطيع أحد اليوم أن يجادل  عن اليسار أو باسمهن ويسوق للشعب الفلسطيني أوهامًا جديدة، فما يعرضه اليسار هو وصفه بالكارثية، حتى وإن كان بين اليمين واليسار فروق معلومة، إلا أن أشد طروحات اليسار حماسا لا تلامس آمال أنصار أوسلو والتسوية، وحتى طروحات اليسار «السخية»، انقلب عليها اليسار عند أول امتحان مع شارون، فاليسار وعلى رأسه باراك صاحب «العروض السخية» كان على استعداد؛ لأن يبيع مبادئ اليسار، وينقلب على دعايته ضد شارون بمجرد عرض شارونی مغري، فقد تناسى اليسار البرنامج السياسي للحكومة، وانهمك في حجم وعدد الوزارات الممنوحة، نفاق اليسار وانكشاف حدود عطائه مناسبة مهمة؛ لكي نقول للمراهنين على حلول من اليسار كفاكم خداعًا، هذا هو الدرس الأول، أما الدرس الثاني، فهو ضرورة أن نوضح للشعوب العربية والإسلامية أن التسوية انتهت، وأن المعركة بدت واضحة ضد اليسار واليمين معًا، ولا داعي بعدها لإرهاقنا بأحاديث الفروق بين اليمين واليسار لتسويغ منطقة الهدنة والتسوية مع أحدهما.

مناورات شارون السياسية
الكل بات يعرف أن شارون لن يكون «ديجول» لألف سبب، وكلنا يعلم أن حدود تسوياته ستدور في حلقة مفرغة، وفي تجارة بضاعة فاسدة. المسألة ليست بحاجة لاختبار أو انتظار أو تحليل، والممارسة الرسمية الدبلوماسية «التكتيك» بالمواقف؛ حتى يورطوا شارون، ستعطيه وقتًا متاحًا؛ لكي يتحرك «براحة» دوليًّا، والأخطر هو إعطاؤه أي إشارة على الأرض بالتهدئة والدبلوماسية الوحيدة مع شارون هي الاستمرار في عزله على كل الصعد العالمية، والمهم أن نتعلم دبلوماسية المقاومة على الأرض الفلسطينية، بذلك تنجح في الانتصار عليه في فترة قصيرة، ولو أنها ستكون مؤلة في البداية، ومن المهم بين ركام هذا التحليل الحذر من مناورات شارون التي ستدور أو ستحاول الاستفادة من الخيارات التالية:
١- الخيار اللبناني: فشارون ينتظر فرصة؛ لكي يؤكد للعرب مدى قوة وقدرة كيانه، ونظرًا للظروف المعقدة في الضفة وغزة، فإنه من الممكن أن ينتهز أول فرصة؛ لكي يبرر ضرب لبنان كرسالة في العمق هدفها محاولة الإخضاع وعرض العضلات وعندئذ يجب أن يكون الرد العربي والإسلامي حاسمًا.
٢- الخيار الأردني: السياسة الشارونية هنا يجدر التنبه لها، وفضحها لا لأنها تحمل مضامين سياسية قابلة للتطبيق، بل لكونها ستستخدم كأداة للفتنة ما بين العرب، وهي أيضًا لإضاعة الوقت وتصب في لعبة شارون لصناعة علاقات تفاوضية عامة دون تقديم تنازلات حقيقية.
٣- الخيار السوري: وهو الآخر سيكون للتحايل، وإضاعة الوقت، وإضعاف الموقف الفلسطيني من خلال لعبة الاتصالات السرية والعلنية، والإيهام بإمكان التقدم على الملف السوري لدفع الفلسطينيين للتراجع، هذا الفخ يستطيع المستوى الرسمي تجاوزه بتعميق التحرك العربي الشامل وفضح المواقف الصهيونية تباعًا.
٤- الخيار الغزاوي: من الممكن في إطار لعبته التفاوضية أن يعرض شارون الدولة الفلسطينية في غزة مقابل الهدوء أو الهدنة أو من الممكن أن يأتي العرض على شكل اتفاقية انتقالية قد تسمح لدولة غزة المسالمة والمحاصرة بالتواصل مع الضفة الغربية المقطعة المشرذمة، الخيار الغزاوي ليس خيارًا سياسيًّا بل هو خيار تتبناه المؤسسة العسكرية وتروج له، وقد يعرضه شارون على السلطة أو قد ينفذه بشروطه.
٥- الخيارات الانتقالية: وهذه أشكالها كثيرة، وهي التي سيتلاعب بها شارون من الممكن أن يبدأ بالتفاوض حول تطبيق المرحلة الثالثة من أوسلو كجزء من اتفاق موقع، متجاهلًا عامل الزمن، وقد يتحدث عن دولة فلسطينية في غزة والضفة على مناطق (أ- ب) بمزيد من التواصل، وربما بمزيد من النسب، وربما بإزالة مستوطنة أو اثنتين، هذه الدولة الهشة ستكون مرهونة بحالة الهدنة حتى يجري التفاوض، أو تكون محكومة باتفاقية انتقالية تضمن تفاوض الدولة لاحقًا على حقوقها الأساسية في القدس واللاجئين، هذا الخيار هو الآخر ليس خياليًّا، فهو التوصية الرئيسة التي يراها مسؤول ملف التسوية لمدة اثني عشر عامًا «دنيس روس».
٦- الخيار العنصري الأحادي: إذا فشلت كل خيارات الضغط والمساومة لتمرير التسوية أو ضمان الهدوء، فمن الممكن أن يجري تبني سياسة الفصل الأحادي لا بالمعنى السياسي بل بأضيق المعاني الأمنية لضمان «أقل احتكاك وأكبر ضغط»، وبالتالي «أكثر أمن»، ويصبح الوضع الفلسطيني أشبه بـ «فصل عنصري»، والحصار الذي يجري في فلسطين صورة مصغرة لما سيجري في حالة التطبيق الشامل.

فلسفة شارون الميدانية
في المستوى السياسي ليس لدى شارون تسوية يعول عليها أحد؛ لكي يجربه تفاوضيًّا أو سياسيًّا فخطوطه واضحة مثل الشمس، وفي المستوى الميداني يبدو واضحًا أن فلسفته تقوم على التالي:
١- الأمن مقابل الخبز: بمعنى آخر يريد شارون أن يقول: إن منسوب المواجهة تصعيدًا أو تخفيفًا أو توقيفًا سينعكس إيجابًا أو سلبًا على جوع الفلسطينيين وفقرهم وتعقد حياتهم.
٢- الثواب والعقاب: بمعنى آخر المحاسبة على المستوى الشخصي والمناطقي، فهو يريد إبداع صيغة تفرقه بين صفوف الشعب الفلسطيني على أساس مقدار وحجم مشاركتهم في فاعليات الانتفاضة، وهذا المستوى ينطبق أيضًا على حجم هدوء المنطقة أو نشاطها، هذا المنطق يقوم على التفريق والتجزئة وحصر المشكلة في الثواب والعقاب.
٣- التفاوض بعد الهدوء: شارون ليس لديه ما يقدمه على نطاق التفاوض، لكن هذا المنطق ليس كليًّا، فشارون عندما يجد التفاوض يخدم حركته السياسية وتلميع صورته القمعية لن يتوانى في التفاوض والجلوس، وسيمارس النفاق والازدواجية في هذه النقطة بالذات، وهنا تأتي أهمية عدم التورط الرسمي العربي أو الفلسطيني بأي صيغ تفاوضية تخدم حركة شارون أكثر مما تخدم الحقوق والانتفاضة.
بقي أن نقول: إن الضغط هو الوسيلة الصهيونية لإخضاع انتفاضة الشعب الفلسطيني والرضا بالاحتلال، والسياسة الشارونية هي التطور الجديد لمضاعفة هذه القوة، بعد أن توهم الجمهور الصهيوني أن أمنه المفقود قادر على استعادته رجل من الماضي الدموي، الجمهور الصهيوني يريد الاحتلال والأمن معًا. وقد حاول أن يتحايل على الشعب الفلسطيني ببعض الأمتار هنا وهناك، ولكن العلاج مؤقت والخداع انتهى، ولهذا جاءت انتفاضة الأقصى، والملاحظ أن استنفاد وتجريب باراك لخيارات القوة تحت ضغط جمهوره المرعوب أدى إلى نتيجة عكسية، فمشكلة باراك لم تعد فتح أو حماس أو السلطة، لقد ولدت آلة القمع كما هو معروف رد الفعل الذي تفوق هذه المرة على الشكل الحزبي، وهذا هو الدرس المهم، فعملية خليل أبو علبة سائق الباص الذي اقتحم تجمعًا لعدد من الجنود والمستوطنين تستحق الوقوف عندها؛ لأنها المؤشر على النقلة الجديدة التي أصبحت تشهدها الانتفاضة من عمل جماهيري سلمي إلى عمل حزبي عسكري إلى عمل شعبي جهادي، فعندما يتحول كل فلسطيني إلى قنبلة مستعدة لتفجير الاحتلال دون سابق إنذار عندها تستطيع أن تلمس بداية التحرير الفلسطيني والتقهقر الصهيوني، لقد حدد شارون سياسته الأمنية قبل يوم واحد من عملية «أبو علبة» بأنه يريد التفريق بين من يعتبره متورطا وبين من يريد تحصيل قوت عياله، عملية «أبو علية» هندست الرد الفلسطيني الشعبي على نظرية شارون، وعندما يصبح الشعب الفلسطيني مثل «أبو علبة» فعندها لن يستطيع شارون إلا الاستسلام لمنطق الانتفاضة الفلسطينية والسقوط الحر، كما سقط باراك من قبله؛ لأن صيغة الأمن لا يمكن أن تكون مضمونة المحتل، وهي لم تكن منخفضة في حدودها الدنيا إلا أبان انخداع البعض بسراب اليسار الصهيوني والأيام المقبلة ستؤكد ذلك دون شك.

الرابط المختصر :