العنوان التخطيط السياسي الاستراتيجي دراسة مقارنة للعالم الإسلامي
الكاتب محبوب عالم خواجه
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 67
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 26-يناير-1993
عقلانية
التخطيط الاستراتيجي
مفهوم التخطيط الاستراتيجي
وعقلانيته
التخطيط الاستراتيجي هو نظرة وموقف عقلي مبني على مصادر ومعلومات ذات
قاعدة شاملة، أو محددة للطبيعة التنظيمية للمصالح القومية، وذلك بغرض وضع إطار عمل
لهذه الإنجازات، ولم يعد الأمر يقتصر على موضوع خاص كالأسرار العسكرية أو الأمنية
حتى يتم تداولها سرًا، عوضًا عن اعتبارها نظامًا أكاديميًا مفتوحًا يخضع للدراسة.
إن التخطيط الاستراتيجي يحدد جوهر النظام فيما يتعلق بإعداد سياسات
التخطيط التي هي نتاج للأهداف السياسية القومية، بالإضافة إلى تطوير خطط عمل مع
البدائل، وذلك بغرض تحديد أقصى الغايات من هذه الأهداف.
ولضمان التنفيذ الناجح لأهداف الاستراتيجية السياسية فإن على المخططين
والباحثين أن يقوموا بدمج كافة الخطط التي تتفق تمامًا مع الأولويات الاجتماعية
وعلى من يشاركونهم هذا العمل الالتزام بترجمة الأفكار إلى حقائق وأفعال على أن
ترتبط كل هذه الخطط وتتفاعل مع النسيج الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والعسكري،
والديني، والمصالح، والاهتمامات الأخرى أيضًا، إذن فلا بد للخطط أن تعكس الأهداف
من كافة الجوانب، والتعامل معها من منطلق الواقع بدلًا من التعبير عن المشاعر
والأحاسيس فقط، ولا بد لها عند التطبيق أن تكون فاعلة في التغيير عندما تتطلب
الظروف ذلك، عند تطبيق مبدأ قابلية التكيف فيما يتعلق بتوجه التخطيط السياسي
الاستراتيجي، وعلى كل فالمخطط السياسي لا بد له من أن يضع تصورًا للغد معتمدًا على
معرفة كاملة بالماضي، وفهم شامل للشؤون والأوضاع الحالية.
ويشتمل التخطيط السياسي الاستراتيجي النظرة التجريبية للتطورات الحاضرة
والمستقبلية مع فهم عميق لتاريخ العلاقات الإنسانية، والتي تتيح وضع أفضل السبل
والوسائل من أجل تحقيق إنجازات فعلية في السياسة الداخلية والدولية، ويشمل هذا
التوجه على فهم شامل للواقع الحالي المعاش، والمتغيرات التي تحدث في الحاضر وكذلك
المستقبل القريب والبعيد.
تساؤلات استراتيجية:
- كيف
يبدو تأثيرها على مواردنا القومية وفي غيرها من مجالات السياسة والاقتصاد
والثقافة والتعليم والجانب العسكري من حياتنا؟
- ماذا
يمكن أن نفعل تجاه هذه القضايا الآن وفي المستقبل القريب وعلى المدى البعيد
وفي ظروف الأزمات؟
- ما
هي المتغيرات والتطورات الخارجية التي لها تأثير على مصالحنا سواء كان في
مجال السياسة الدولية أو الداخلية؟ وعلاقاتنا مع الدول الأخرى، وفي مجال
التقدم التقني وعند نشوء الخلافات واتخاذ القرارات؟ هل تحدث آثارًا فيما
نحاول فعله؟ إذا كان الأمر كذلك فكيف ولأي مدى؟
- ما
هو حقيقة ما نحتاج إليه لحماية قيمنا ومصالحنا السياسية من خلال الممارسة
للحياة السياسية والاقتصادية وعلاقاتنا في الداخل والخارج؟
إن التخطيط السياسي والاستراتيجي يكون عادة من خلال الاهتمامات
المتداخلة والأولويات، وترتيب الأدوار التي من خلالها تبدو الفرص لمعرفة الأولويات
والتوجهات للتغيير والتطوير، وبالتالي تحديد الخيارات لما يخدم المصلحة الداخلية
والخارجية.
التخطيط الاستراتيجي في الغرب ودور
المؤسسات
تعكس المجتمعات الديمقراطية المشاركة النشطة للجماهير من خلال النظام
الحياتي؛ إذ إن المخططين والباحثين السياسيين يعتمدون على رصد مصالح الجماهير بشكل
أساسي من أجل وضع أسس وأنظمة التطوير السياسي، إذ إن جوهر (المصلحة القومية) يرتبط
بالتوجه المؤسس على قاعدة التطوير السياسي الاستراتيجي، إن القاعدة الأساسية في
صنع السياسة هي المسؤولية والالتزام، في حين أن العوامل الاقتصادية والسياسية تمثل
الظواهر الأساسية للمصالح الاجتماعية الحديثة، وكذلك فإن المتخصصين، والباحثين،
والأكاديميين، وأصحاب العمل، والأعمال، وهيئات حركة حقوق المرأة، والفئات الدينية،
وغيرها من المجموعات التي تمثل المصالح الاجتماعية والسياسية، كل هؤلاء يشكلون
مادة أساسية في برنامج ونظام تطوير السياسة الداخلية ومن أهم المؤثرات في هذا
المجال هي وسائل الاتصال الجماهيري والمؤسسات الدينية.
وعلى مدى عقود كانت وسائل الاتصال الجماهيري في الديموقراطيات الغربية
تشكل عنصرًا هامًا في نظام التخطيط والتطوير الاستراتيجي والسياسي القومي.
إن لمعظم الهيئات الكنسية تأثيرًا اجتماعيًا ذا جذور عميقة داخل
الهيئات والوكالات الرسمية التي تقوم بصنع السياسات العامة، وتتلقى المؤسسات
الكنسية أموالًا طائلة من الجمهور والحكومات للإنفاق على المشاريع الخارجية
والداخلية، إن كل المشاريع العالمية الإنمائية تلتقي مع الأهداف الداعية إلى
التوسع الاقتصادي بشكل مؤثر، بعد تدعيم ذلك بالسيطرة السياسية والدينية على
المجتمعات الأخرى، والسيطرة على نُظم حياتها، ويستخلص المخططون السياسيون كثيرًا
من المعادلات، وذلك بدمج كل أنشطة المنظمات الكنسية مع الأنظمة الاقتصادية وغيرها،
واستخدامها كأداة لتنفيذ المصالح السياسية الداخلية، والأهداف الاستراتيجية.
إن مؤسسات تطوير التخطيط السياسي على مختلف المستويات داخل المجتمع
تسعى من خلال البحوث لتحقيق أقصى الأهداف السياسية، وتولي هذه الاستراتيجيات أكبر
الاهتمام إلى درجة أكبر من جهة المصلحة نفسها، ويضع المحللون السياسيون الغربيون
نظامًا مفتوحًا غير مرتبط بنهايات محددة من أجل استقطاب اهتمام الجماهير، ورصد
انطباعاتها وميولها، وبناء عليه توضع الأولويات للصالح العام.
ونظرة إلى أوروبا اليوم يتضح لنا أن الخصوم والأضداد في المجال
السياسي والاجتماعي قد استطاعوا إيجاد عوامل مشتركة للاتحاد والتكامل الاقتصادي
والسياسي.
إن اتفاقية ماستريخت تمثل معلمًا وحدثًا بارزًا نحو اتخاذ الأوروبيين
الهوية وأهدافًا موحدة، وهي بداية لنجاح أوروبا ضمن وحدة اقتصادية وسياسية،
وبالمقارنة فإن الشعوب التي تعيش تحت أنظمة إيديولوجية وقهرية لا يجمع بينها رابط
أو مصلحة مشتركة لتبني الوحدة اتجهت نحو الفرقة والخلافات لمدة تقارب القرن من
الزمان، إلى درجة أن الدويلات المتشرذمة بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي لا يمكن
تحديدها وفق المنظور الصحيح.
والتخطيط في دول الكتلة الشيوعية نوع من الانضباط والنظام المعمول به،
وقد اتضح أن التخطيط السياسي القومي والاستراتيجية كانت مضللة تمامًا، وأن
المجتمعات المجردة من القيم الديمقراطية لا بد أن تعتبر وتأخذ الدروس من انهيار
إحدى (القوى العظمى) ونلاحظ هنا أيضًا انتقاء النظرة الثاقبة والبصيرة من جانب
المحللين السياسيين، وواضعي الاستراتيجيات الغربيين في عدم التكهن بالانهيار
المفاجئ للاتحاد السوفيتي، وبدلًا من ذلك أخذوا في اتباع استراتيجية المواجهة، وقد
حدد الاستراتيجيون مفهوم القوة، وجعلوه حكرًا لبعض الدول المتقدمة ماديًا، وجعلها
أسطورة تتمثل فيها المادة رمزًا للقوة والتسلط، وقد يتساءل المرء عن مدى قوة
(القوى العظمى السابقة) أليست موجودة الآن بين صفحات التاريخ، وماذا عن (القوى
العظمى اليوم) أليس من السذاجة اعتبار الأشياء ذات الطبيعة المادية والإنسانية قوة
عظمى في حين أنها عرضة للزوال المفاجئ؟، وهل تعلم هؤلاء المخططون السياسيون من
سجلات التاريخ الحديث؟ إن هؤلاء لا يزالون يضعون في أذهانهم تصورات ومعتقدات،
ويبنون عليها معادلات نحو أهداف معينة وحقيقة، فهي مجرد أفكار فقط، ألم يحن الوقت
أن يقوم الأكاديميون والمثقفون والعارفون بالسياسة بوضع المعادلات السياسية
الرشيدة؟ إذ لا بد من البحث عن الذات في بلاد الإسلام، ومن الغرابة أن يتجاهل
المخططون السياسيون من المسلمين ذلك العامل الرئيسي في الحياة الإسلامية، وهو
التفكير قبل الإقدام على فعل شيء بالتخطيط للحاضر بنظرة مستقبلية للغد، ونحن نسأل
هذا السؤال: هل قام المفكرون المسلمون والمخططون بطرح نموذج ناجح للتخطيط السياسي
الاستراتيجي وتنفيذه؟
المعاني الإسلامية وواقع التخطيط
·
إن
الشعوب التي تعيش تحت أنظمة أيديولوجية وقهرية لا يجمع بينها رابط أو مصلحة مشتركة
لتبني الوحدة اتجهت نحو الفرقة والخلافات.
لقد ألزم الإسلام المجتمع الإسلامي وأولئك الذين يمثلون مصالح
المسلمين بانتهاج مبدأ الشورى فيما يتعلق (بالمصلحة العامة) وهذا النهج
القرآني يُصوِّر التوجه نحو وضع تخطيط سياسي واستراتيجي يفي بالأغراض المرجوة منه،
ويشكل إطار عمل نحو توجه سياسي مؤسس، وهذا تُترجِمه السياسات الرسمية والسلوك
الإسلامي القويم كما هو الحال في الأجيال الأولى من المسلمين، وتعني الشورى أن
منهج الله أصبح منهجًا حياتيًا، وبذلك تنتفي تمامًا الاختلافات السياسية.
والمسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله أنزل الحق، وأن تطبيق ذلك في
مجالات التشريع والسياسة وغيرها فلا بد أن تكون الغلبة له، وهذا ما ينبغي أن يكون
عليه حال المسلمين: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت
دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يونس: 89)، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (سورة
الكهف: 28).
ولنا أن نتصور أن علماء المسلمين ومفكريهم قد التزموا منهج الإسلام
وتعاليمه، أما كان حالنا قد تغير مما نحن عليه اليوم من التخبط؟ فلو كانوا قادرين
على التفكير السليم لأمكن أن يوافقوا الصواب بأفعالهم.
وإذا أخذنا الأمر كله بتصور أن أمة الإسلام أمة واحدة يجمعها الإيمان،
وتنتهج المنهج الإلهي دستورًا للحياة، مزودة بالعلم والمعرفة، فعليه يمكن تحديد
المفاهيم السياسية لمصلحة الأمة، وما إذا كان ما يصلح اليوم يصلح غدًا، ونقول إنه
مادامت الأفكار تنبع من اعتقادنا ومعرفتنا بربنا، فلا بد من تطبيق هذه المعتقدات
كأساس لأي عمل يُراد التخطيط له، لذلك فإن الإيمان دائمًا ولا يزال هو القوة
الفاعلة والحية لتغيير حال البشرية قاطبة.
إن المسلمين هم ورثة المعرفة، وهم المكلفون كأرقى البشر إلى دعوة
الآخرين إلى الاستقامة، وترك المفاسد، وإصلاح المجتمعات البشرية، وتخليصها من
الشرور بالنهج الإسلامي الذي هو أساس المصلحة العامة التي تجمع المسلمين، وبالتالي
إصلاح حال البشرية جمعاء.
إن إلقاء نظرة على واقع المفكرين والمخططين الاستراتيجيين يبعث على
الأسى؛ إذ هم لا يُلقون بالًا للمتغيرات التي تطرأ على العالم في سرعة مذهلة، وذلك
دون إدراك لمتطلبات التغيير لأمة الإسلام، ولقد شهد العالم في السنوات القليلة
الماضية تغيرات غير عادية من أقصى الأرض إلى أقصاها، إن المخططين في الغرب كانوا
يفتقرون إلى المعرفة، وفشلوا في إدراك مفهوم التغيير، فإن فشل وزوال النظام
الشيوعي كنظام حياتي من وضع البشر، وتفكك الدولة السوفيتية قد أوجد فُرصًا وتحديات
جديدة للمفكرين المسلمين في مختلف مناحي الحياة، غير أنهم لا يزالون يتخذون وضع
المشاهد والمتفرج من الأحداث، رغم التغيرات الكبيرة، ومن أجل أن يكون لهم دور في
تشكيل النظرة إلى عالم الغد، لا بد أن يكونوا في دوامة الأحداث والشؤون السائدة
الآن.
فإن دعوة المعرفة والعلم في عالم اليوم المادي ما هي إلا ركام من
التأملات، وما يحدث الآن من تغيرات في الساحة الدولية ليس نتاجًا لهذه التأملات: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ
الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ﴾ (سورة يونس: 36).
التوازن الاستراتيجي غير المنطقي
يتبع منظرو السياسة الغربيون نظرية ذات بدائل وخيارات تبدو منطقية في
علاقاتهم مع البلاد الإسلامية، والتي يتفاعل قادتها المسلمون مع الأحداث والتطورات
ذات التأثير المباشر على مسار حياتهم ومصالحهم العامة، هذا التفاعل يسهل التنبؤ به
حيث إن جهات اتخاذ القرار الفاعل ليسوا هم أهل الفكر، بل إن القرارات السياسية
تُبنى على النظرة التقليدية للشؤون العالمية، وليس هنالك سياسة تعتمد على البحوث
ودراسة التطورات التي تطرأ على المجتمعات الإسلامية، وقد قبلت المجتمعات الإسلامية
بهذا الخضوع للأفكار والسلوك الاستعماري، وهذا ليس توازنًا استراتيجيًا بأي حال؛
إذ تم إيهام المسلمين بأن لهم الصوت المسموع في المحافل ومصالحهم مصانة، وانعكس
ذلك كله في المظهر الكاذب الذي يبدو عليه صناع السياسة في العالم الإسلامي، وقد
أمعنوا في تضليل شعوبهم، وهم ليسوا بذلك، بل العكس هو الصحيح.
إن المسلمين كأُمة لديهم ثروات هائلة في الثقافة والعلوم وغيرها،
والتي إذا أُحسِن استغلالها بشكل جيد فهي سبيل الرفاهية لهذه الأمة، أما من بيدهم
صنع القرار فيبدو أنهم أخذوا بالنظريات الميتة.
ونظرة تحليلية للكوارث التي حلت ببلاد المسلمين توضح أن هناك تقدمًا
طفيفًا في اتجاه التخطيط السياسي إن وُجِد أصلًا في كونه نظامًا يحمي حقوق
المسلمين، ومع هذا يظنون أن هنالك من يسعى لإنقاذهم عند المِحن والكوارث فتخسر
الأمة الكثير تبعًا لاستشارة تعصف بمصلحة الأمة، إن التوازن الاستراتيجي قد صُوِّر
بشكل يؤدي لإخماد الأولويات الحقيقية والتحديات التي يواجهها المسلمون اليوم.
إن الأمة الإسلامية هي أمة العلم، ولديها من الموارد ما يجعلها قوة
حقيقية، لقد خان القادة العلمانيون أمتهم فلم ينصحوا المسلمين؛ حيث مصالحهم
الحقيقية، بل وأصبح الكفار هم الذين يقررون ما يجب على المسلمين فعله حتى أصبح
الحكام صنيعة في أيديهم بتنفيذ سياساتهم، وتطالعنا العناوين العريضة في الصحف
ووسائل الإعلام بأنباء التقدم الذي أحرزته الدول الإسلامية، وهي تتلقى فئات
التقنية الغربية والمعدات العسكرية كجزء من اتفاقيات المساعدات العلمية، وتتبع ذلك
الخبرة الغربية في التعليم والتدريب، وقد استمرت هذه اللعبة لعقود كثيرة، ولكن ما
تم تغييره أو ما تم إحرازه من تقدم وإنجاز يبقى مسألة تخضع للآراء الشخصية، وليس
تقييمًا واعيًا، فهؤلاء الذين يعيشون عالة على الغير يبقون تحت رحمة الغير، هل آن
للمسلمين أن يوقفوا عقارب الساعة ويفكروا فيما آل إليه حالهم؟ هل نحن نتقدم؟ ما هو
التطور الذي وصلنا إليه بعد هذه العقود من الزمن؟ هل مازلنا خاضعين لسياسات الغير؟
هل نحن على الطريق السوي أم زَلَلنا عنه؟ هل هناك خطة لاجتثاثنا من الأرض بتغيير
هويتنا وفكرنا وسلوكنا؟ لقد أصبح تبني العلمانية كنهج حديث للحياة هو البديل بعد
زوال الشيوعية وغيرها من الأيديولوجيات، ويتضح لنا أي منهج استراتيجي ينهجه حكام
المسلمين اليوم أمثال صدام والقذافي، وخرج علينا من هم مثل سلمان رشدي صاحب كتاب
(آيات شيطانية) وغيرها من الاهتمامات الأخرى التي ملأوا بها عقولنا من قضايا نقل
التقنية والمناشط الرياضية مثل كرة القدم وغيرها من الأمور التي تصرف هذه الأمة عن
أمرها الحقيقي، والهدف هو أن لا يُترك المسلمون يفكرون فيما يُعد لهم لإفنائهم مثل
ما يحدث الآن في البوسنة والهرسك، وعمليات التقتيل في كشمير، والتعذيب في سجون
الصهاينة في فلسطين المحتلة وغيرها، إلى درجة أن أصبحت الأمة لا تفكر إلا في
مباريات كرة القدم، وأصبح الحكام دمى متحركة.
الحاجة إلى تغيير المسار والعودة
للإسلام
إن الحاجة ماسة إلى تحديد صحة أو خطأ المخططين السياسيين على ضوء
موقفهم من المصلحة المشتركة للأمة الإسلامية، إن المسلمين عند تطبيقهم أمر الله
قولًا وفعلًا فسوف يصيرون مثلًا يُحتذَى، ولقد أفاد الغرب من حضارة المسلمين
واكتشافاتهم في العلوم، والرياضيات، والآداب، والفلك، والطب، والفلسفة، والتجارة
وغيرها من مناحي الحياة، واليوم يسعى المسلمون لتبني الوسائل والتوجهات الحضارية
الغربية التي لا تلائم حاجات المجتمعات الإسلامية، ويبدو التناقض والاختلاف في كل
مكان، إذن فمن أجل التغيير لا بد من البحث والتقصي والتفكير السليم، والبحث عن
المسببات قبل إيجاد العلاج، وإذا كنا قد ارتضينا الإسلام دينًا، فمتى نطبقه في
واقع سياساتنا وأهدافنا، وهل يُعقل أن يكون الباطل والكفر مثلًا يُحتذى في حياتنا؟
ولماذا يرتبط التغيير دائمًا في الأذهان بالتقنية المتقدمة، والمباني الفخمة،
والمطارات، ومراكز التسويق، والملاعب، وأفلام الفيديو، لقد تجاهلنا الإنسان الذي
هو نواة المجتمع، وأسلمنا عنوانًا لما تُفرِزه واشنطن ولندن وموسكو من تفاهات
لماذا هذا الاستسلام والعبودية؟ هل ننتظر زوال صدام وسلمان رشدي القذافي حتى نبدأ
في وضع أسس لمبادئ سياسية جديدة؟ لماذا لا يعرض المفكرون المسلمون الأفكار الخاصة
بهم والأهداف السياسية التي تمثل المصلحة العامة للمسلمين؟ متى يفيق مخططوا
السياسات المسلمون وقادتهم من سُباتهم وينهضون ليفكروا ويعبروا عن هموم أمتهم؟ إن
واقعنا لَمُحزن فبينما تتعرض جموع المسلمين في كل مكان للتشريد والتعذيب والتقتيل،
فإن من يُسمَّون بقادة المسلمين منشغلون بإصدار بيانات الإدانة وتزيينها بصورهم
الشخصية المُنَمَّقة فقط لإرضاء أنفسهم، ولا يخرج من هذا اللوم بعض المثقفين
المسلمين الذين هجروا مصالح أمتهم، وآثروا العيش المريح في الغرب والقصور
والاستمتاع بالإجازات، والضحكات المتواصلة بعد العشاء.
إننا في حاجة ماسة لإعادة النظر في أفكارنا وخططنا وسلوكنا السياسي
تجاه الشؤون العالمية، يجب علينا أن نتعلم من ماضينا، ونمارس البدائل السياسية
لمواجهة المستقبل، ويمكن تحقيق ذلك من خلال البحث التجريبي المبني على المبادئ
الإسلامية، ليكون ذلك مدخلًا مبنيًا على التجربة العملية، وطريقة لتطوير التخطيط
السياسي والمصالح الاستراتيجية للأمة الإسلامية.
إن المجتمعات والحكومات المسلمة يجب أن تُنشئ غرفة طوارئ للتخطيط
السياسي للتصدي لمعالجة المنازعات والأزمات التي تواجهها، إنه بالرغم من وجود قادة
الفكر وتوفر الموارد المادية والفرص، فإن معظم بلاد المسلمين تنتظر من الآخرين أن
يفكروا، ويتفاعلوا مع نزاعات وأزمات تُهم المسلمين في المقام الأول، هنالك عدم
توازن تام في الشؤون العالمية، والمسلمون لا يُسمع لهم صوت على الرغم من أن
المسلمين كأُمة بيدهم مفتاح «المعرفة» و«الحقيقة» التي بهما يَحفظون التوازن
الاستراتيجي في شكل قوة إسلامية متوازنة، وذلك كأداة لمبادئ وتطبيق التخطيط
السياسي الاستراتيجي.
إذا فشل مخططو السياسة المسلمون وقادتهم في تركيز فكرهم ومواقفهم
لتنسجم مع قيم وتطلعات الجماهير المسلمة، فإنهم لن يفاجئوا أحدًا سوى أنفسهم لمدة
أطول، إن أفكارهم وسياساتهم غريبة على الجماهير المسلمة، وإذا كانوا لا يستمعون
لصوت العقل والمنطق، فإن المسلمين في جميع بقاع الأرض أمة واحدة تتطلع نحو
التغيير، إن الواحد هو واحد، فكيف يمكنك منطقيًا أن تجزئ الواحد؟
استشراف المستقبل في الحديث النبوي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل