العنوان ظلال الإيمان.. من شهر شعبان
الكاتب محمد ناصيف
تاريخ النشر السبت 02-سبتمبر-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1717
نشر في الصفحة 55
السبت 02-سبتمبر-2006
إن الحديث عن الزمان- سنة وشهرًا ويومًا- وعن المكان- تمازجًا وتلبسًا وارتباطًا- وعن قيمة كل منهما في نظر الإسلام، إنما هو في الواقع حديث عما ارتبط بها من- ذكريات وأحداث، كانت لها بصمات ثابتة في- تصوير بعض مبادئ الإسلام، ومن ذلك حديثنا عن شهر شعبان وما انبثق فيه: كحادثة انشقاق القمر لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، التي وقعت قبل الهجرة بخمس سنوات، وتحول القبلة أثناء الصلاة من بيت المقدس إلى- المسجد الحرام «الكعبة المشرفة» بعد ستة عشر شهرًا، وفي شعبان أيضًا نزلت الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب آية: 56)، وروت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا».
ملء الخواء
فحرص النبي صلى الله عليه وسلم على صوم أكثر شعبان، يعطي ما للصوم عامة من أهمية في احياة الإنسان وحياة المجتمع، ثم ماله من أهمية خاصة في شهر شعبان، وأهميته على وجه العموم، لأنه وسيلة يصفي بها الإنسان نفسه وقلبه، ويهذب بها لسانه وسلوكه لملء الخواء الروحي الذي عانى منه طوال أشهر السنة السابقة، وليقوم بمعالجة ذاته نفسيًا وروحيًا ومعنويًا.
كما أنه وسيلة من جانب آخر يلقى بها أزمات الحياة الخاصة والعامة.
أما أهمية الصوم في شعبان بخصوصه فهي: أنه تمهيد لأداء واجب الصوم المفروض وهو صوم رمضان، فإذا صام الإنسان بعض أيام شعبان قلت أو كثرت يكون قد أعد نفسه لعدم مشقة في الأداء، إضافة إلى إعدادها رضا إيمانيًا بالإتباع.
تطبيق عملي للسنة
مما يحدثنا به تاريخ الإسلام إنه تم توكيد بعض مبادئ الإسلام، التي إرتبطت بهذا الشهر، وأنه في الأيام الأولى لخلافة عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم التقى جيش المسلمين بجيش الفرس «المجوس» في موقع يعرف بالنمارق- في أرض الفرس- وكان على رأس جيش المسلمين القائد أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وانتصر المسلمون في تلك المعركة، وأسروا أعدادًا كثيرة من الفرس، واتضح لقائد جيش المسلمين أن قائدًا كبيرًا من قواد الفرس قد وقع في الأسر، وتبين له فيما بعد أن أحد المسلمين قد أمنه «أي وعده بسلامة حياته من القتل».
وهنا أشار بعض المسلمين على أبي عبيد بقتل هذا القائد فماذا كان جواب هذا القائد الذي تخرج في ثكنة القائد والقدوة صلى الله عليه وسلم لقد قال: «إني أخاف أن أقتله وقد أمنه رجل مسلم، والمسلم والمسلمون كالجسد الواحد ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم».
وما صنعه أبو عبيد في هذا الموقف هو تطبيق عملي لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل؛ فيروى في البخاري عن أم هانئ أنها قالت الرسول اللهصلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يزعم ابن أمي علي بأنه سيقتل- جعد بن هبيرة بن وهب المخزومي- وهو ابن زوجي، وقد أجرته أنا وأمنته على حياته، فقال لها معلم البشرية الخير صلى الله عليه وسلم: «لقد أجرنا وأمنا من أجرت يا أم هانئ».
وهكذا وقع من أبي عبيد في خلافة الفاروق، أنه احترم عهدًا لأحد المسلمين أعطاه اليوم لمن وقف منهم بالأمس موقف العدو المحارب اللدود.
وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن الروح الإسلامية، هي روح عفو وصفح عند المقدرة وعند النصر، وأنها كانت سنة المسلمين الذين فهموا إسلامهم فهمًا صحيحًا، واتبعوه في جميع شؤونهم.
كذلك يدل دلالة آخرى على أن الفرد المسلم في المجتمع الإسلامي له كيانه وصفته الاستقلالية، وله احترامه شخصًا ورأيًا، لا يلغيه المجتمع ولا يضحي بإرادته لأنها إرادة المسلم، الذي يشعر في قرارة نفسه أنه لبنة مهمة من اللبنات التي يقوم عليها المجتمع، ويحرص على کیانه كما يحرص على وجوده نفسه، لذلك فإن ما يلتزم من بعضهم يلتزمه البعض الآخر كما قال أبو عبيد نفسه: «والمسلمون كالجسد الواحد ما لزم بعضهم فقد لزم كلهم».
تلكم الذكريات التي يرويها تاريخ الإسلام وترتبط بشهر شعبان من شأنها أن تعيد إلى عقولنا صورة سليمة صحيحة لمبادئ الإسلام، التي من شأنها أيضًا أن تزيد في قلوبنا الإيمان به كنظام للحياة الإنسانية لا عوج فيها ولا انحراف.