العنوان أعمدة المجتمع (405)
الكاتب أحد القراء
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1978
مشاهدات 65
نشر في العدد 405
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 25-يوليو-1978
أعمدة المجتمع
حان وقت وصول صديقي، ولكنه لم يصل، ومر الوقت دون أن يظهر في أفق الطريق. إنه يبدو من بعيد. وكنت أنتظره عند مدخل الدار. مع أني لم أتعود أن أقف بالباب أبدًا، غير أني كنت أحس بشوق لرؤية صديقي في هذا اليوم. ربما كنت أريد أن أقول له شيئًا، ودفعني هذا القول إلى الحركة وإلى الوقوف قرب الباب، ولما يئست من مجيئه في موعده دخلت وجلست في حجرتي مع كتاب، فالكتاب خير صديق كما يقولون، ثم إنه صديق أجده في كل وقت، دون أن يسبب لي أي مشكلة. بالإضافة إلى ذلك حواري مع الكتاب يختلف تمامًا عن حواري مع الصديق. إن حوار الأخير يصدع الرأس ويرهق الذهن، وقد ينحرف إلى نوع من الجدل، يضر ولا ينفع أما حوار الكتاب فهو من النوع المفيد، ولا يشك في ذلك أحد.
أخذت أقلب صفحات الكتاب، صفحة تلو أخرى، وقد استغرقت واستمتعت بما فيه من حديث طريف، وحوار حي وصرت لا أريد بغيره بديلًا. بل تمنيت أن يتأخر صديقي في هذا اليوم ولا يأتي. ولكني سمعت طرقًا على الباب صرخت:
- من؟
دخل يقول:
- من يكون غيري.. كأنك لم تكن تنتظرني.. أو لم تتوقع حضوري بعد أن تأخرت.
رحبت به وأفسحت له مكانًا بجواري وقلت:
- خيرًا.. تأخرت كثيرًا
بعد أن اعتذر عن التأخير قال:
- كنت أصدق أن الشر في هذا الوجود قد تغلب على الخير.. وهزمه وقضى عليه.. إلى درجة أن الخير صار معدومًا وفي الكون أزمة؟
- أزمة أخلاقية.. ولا رحمة في الأرض ولا شفقة بين الناس.
تنبهت إلى أن صديقي غاضب. ومن الواجب أن أعمل على إخماد نار الغضب أولًا، وعلى معرفة الأسباب ثانيًا، وضعت الكتاب الذي كان بين يدي في مكانه من المكتبة، وعدت إلى صديقي كالماء الذي يطفئ النار، حتى هدأ وقال:
- لا توجد أسباب.. وإنما هو سبب واحد.. وأنا في طريقي إليك.. أوقفت السيارة عند الإشارة منتظرًا أن تسمح لي بالسير أنا وغيري وفوجئت بسيارة خلفي تخبط سيارتي.. رغم أن السيارة كانت واقفة ورائي.. هل تسرع وتحرك قبل أن تغير الإشارة لونها وضربني؟ في الحقيقة لا أعرف لماذا فعل ذلك؟ و- ركنت- سيارتي على جانب الطريق.. و-ركن سيارته مثلى.. وهب يصيح في وجهي ويتهمني بالخطأ. حاولت أن أقنعه أنه هو المخطئ.. فانقلب إلى إنسان غریب.. وبدأ هجومًا أغرب.. كاد لي من الصفات التي أكره أن أذكرها ما جعلني أمسك فيه.. وذهبنا معًا إلى الشرطة.
- ولو كان مؤدبًا لانتهى الأمر.
- مجرد كلمة طيبة منه.. كانت كافية.
- يا -سبحان الله-.. يعجز عن النطق بكلمة تزيل ما في النفس.. وينطق بكلمة تضاعف اللهب والغضب.
- ألم أقل لك: إنه توجد أزمة أخلاقية؟
ونهض قائلًا
- جئت فقط اعتذر عن التأخير وانصرف..
- ليته اعتذر لك.. ولكن دعني أحذرك..
إياك والغضب.. إنه عدو يقهرك.
هز صديقي رأسه مبتسمًا ومضى.
ابن المجتمع