; فقه الزكاة «1» | مجلة المجتمع

العنوان فقه الزكاة «1»

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1978

مشاهدات 109

نشر في العدد 395

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 18-أبريل-1978

فقه

قامت جمعية الإصلاح الاجتماعي بإنشاء لجنة الزكاة والخيرات وذلك إحياء لهذه الفريضة التي بدونها يهدم ركن من أركان الإسلام، ولقد قطعت والحمد لله هذه اللجنة خطوات كبيرة في الإعداد والمتابعة، حيث أعدت نماذج طلب الإعانة ونماذج صرف الإعانات إلى الأسر المستحقة، كما قامت اللجنة بإعداد كتيب يتضمن فقه الزكاة وكافة ما يتعلق بهذه الفريضة الخالدة، وكلنا أمل في مساهمة المسلمين لإنجاح هذه اللجنة في عملها المبارك، ووفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. 

ومساهمة من – المجتمع – في مساعدة هذه اللجنة المباركة فإننا سنقوم بنشر ذلك الكتيب الذي أعدته اللجنة عن - فقه الزكاة - في حلقات ليتسنى للمسلمين زيادة الثقة في أصول هذه الفريضة. كما نشير على من أراد تفصيلات أكثر عن النقاط المطروحة فيما ينشر عن فقه الزكاة بالرجوع إلى كتاب – فقه الزكاة – للدكتور يوسف القرضاوي

تمهيد في معنى الزكاة والصدقة: 

الزكاة: لغة: مصدر «زكا» الشيء إذا نما وزاد، وزكا فلان إذا صلح (1).

فالزكاء هي: البركة والطهارة والصلاح (2).

والزكاة في الشرع: تطلق على الحصة المقدرة من المال التي فرضها الله للمستحقين.

والزكاة الشرعية قد تُسمى في لغة القرآن والسنة صدقة قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: 103).

وفي الحديث «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، صدقة» (3).

وهذه النصوص قد جاءت في شأن الزكاة عبرت عنها بالصدقة.

الزكاة ثالثة دعائم الإسلام: 

أكد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فرضية الزكاة، وبيّن مكانها في دين الله، تقرأ في حديث جبريل المشهور حين جاء يعلم المسلمين دينهم بحسن السؤال: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت أن استطعت إليه سبيلًا» متفق عليه. 

التحذير الشديد من منع الزكاة:

العذاب الأخروي: روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة: ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: 180) (4).

الشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي لا شعر له، لكثرة سمه، وطول عمره، الزبيبتان: نقطتان سوداوان فوق العينين وهو أخبث الحيات.

العقوبة الدنيوية لمن منع الزكاة يقول عليه الصلاة والسلام: «ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين» (5) جمع سنة، وهي المجاعة والقحط.

وفي حديث ثان: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا» (6).

العقوبة الشرعية لمانع الزكاة:

وفي العقوبة الشرعية التي يتولاها الحاكم أو ولي الأمر، جاء قوله صلى الله عليه وسلم في الزكاة «من أعطاها مؤتجرًا – أي طالبًا الأجر – فله أجره، ومن منعها فإن آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء» (7).

جاحد الزكاة كافر 

وإذا كان هذا هو مكان فريضة الزكاة من شرائع الإسلام، فقد قرر العلماء: أن من أنكرها وجحد بها فقد كفر ومرق من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.

على من تجب الزكاة

لا تجب الزكاة على غير مسلم

أجمع علماء الإسلام على أن الزكاة تجب على المسلم البالغ العاقل الحر المالك لنصابها المخصوص بشرائطه.

واتفق المسلمون على أن فريضة الزكاة لا تجب على غير المسلم؛ لأنها فرع من الإسلام، وهو مفقود، فلا يُطالَب بها وهو كافر، كما لا تكون دَينا في ذمته يؤديها إذا أسلم.

الزكاة في مال الصبي والمجنون

اختلف العلماء في مال الصبي والمجنون هل تجب فيه الزكاة أم لا تجب حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون؟ ونستطيع أن نرد خلافهم إلى فريقين:

1– فريق من لا يرى وجوب الزكاة في مالهما إما مطلقًا أو في بعض الأموال.

2- وفريق من يرى وجوب الزكاة في أموالهما جميعًا.

والثاني هو الراجح، وهو رأي الجمهور.

فمال الصبي والمجنون تجب فيه الزكاة؛ لأنها حق يتعلق بالمال فلا يسقط بالصغر والجنون، ويُطالَب ولي الصبي والمجنون بإخراج الزكاة عنهما.

المال الذي تجب فيه الزكاة

كل ما يملكه الإنسان من ماله قيمة يسمى مالًا؛ فهل تجب الزكاة في كل مال مهما يكن مقداره ومهما تكن الحاجة إليه؟

إن العدل الذي جاء به الإسلام واليسر الذي جاءت به الشريعة يأبيان إرهاق المكلفين، فلا بد من تحديد صفة المال وبيان شروطه، ونستطيع أن نبين هذه الشروط فيما يلي:

1– الملك التام: 

المراد بالملك هنا الحيازة والتصرف والاختصاص الذي ناطه الله بالإنسان، فمعنى ملك الإنسان للشيء أنه أحق بالانتفاع بعينه أو منفعته من غيره وذلك باستيلائه عليه بوسيلة من وسائل التملك المشروعة.

فروع على هذا الشرط المال الذي ليس له مالك معين

لا زكاة فيه وذلك كأموال الحكومة التي تجمعها من الزكوات أو الضرائب أو غيرها من الموارث فلا زكاة فيها لعدم المالك المعين فهي ملك جميع الأمة ومنها الفقراء؟ ولأن الحكومة هي التي تتولى جباية الزكاة فلا معنى أن تجبي من نفسها لتعطي نفسها؛ ولذا قالوا لا تجب الزكاة في مال فييء ولا في خمس غنيمة؟ لأنه يرجع إلى الصرف في مصالح المسلمين.

الأرض الموقوفة ونحوها:

وكذلك الموقوف على جهة عامة كالفقراء أو المساجد أو المجاهدين أو اليتامى أو الربط والمدارس أو غير ذلك من أبواب الخير فالصحيح أن لا زكاة فيها، بخلاف الموقوف على معين واحد أو جماعة مثل الموقوف على ابنه أو ذريته أو على بني فلان أو نحو ذلك فالصحيح أن الزكاة تجب فيه.

المال الحرام لا زكاة فيه:

كالغصب والسرقة والتزوير والرشوة والربا والاحتكار والغش ونحوها من أخذ أموال الناس بالباطل؛ فالصحيح أن هؤلاء لا يملكون هذه الأموال وإن خلطوها بأموالهم الحلال.

زكاة الدين: 

ومما يتفرع على هذا الشرط البحث في زكاة الدين أهي على الدائن باعتباره المالك الحقيقي للمال أم على المدين باعتباره المتصرف فيه والمنتفع به أم يُعفى كلاهما أم هي على كليهما.

وجمهور الفقهاء من عصر الصحابة ومن بعدهم يرون أن الدين نوعان:

1– دين مرجو الأداء؟ بأن كان على موسر مقر بالدين فهذا يعجل زكاته مع ماله الحاضر في كل حول.

2– دين غير مرجو أخذه، بأن كان على معسر لا يرجى يساره، أو على جاحد ولا بينة عليه ففيه مذاهب:

الأول – أن يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين، وهو مذهب علي وابن عباس. 

الثاني – أن يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة وهو مذهب الحسن وعمر بن عبد العزيز، ومذهب مالك في الديون كلها مرجوة وغير مرجوة. 

الثالث: أنه لا زكاة عليه لشيء مما مضى من السنين ولا زكاة سنة أيضًا وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وهو عندهم كالمال المستفاد يستأنف صاحبه به الحول.

مكافآت الموظفين ومدخراتهم:

ومما يكثر السؤال عنه في هذا المقام: ما يكون للموظفين من مبالغ نقدية لدى الحكومات أو المؤسسات التي يعملون فيها، باعتبار هذه المبالغ مكافآت مستحقة لهم، أو مدخرات مرصودة لحسابهم. هل في هذه المبالغ زكاة أم لا؟

والجواب على هذا السؤال إنما يتحدد بناء على تكييف طبيعة هذه الأموال المذكورة من مكافآت ونحوها: هل تعد ملكًا تامًّا لهؤلاء الموظفين أم لا؟

أعني: هل يستطيع هؤلاء الموظفون صرفها متى شاءوا وفقًا للأنظمة المتبعة؟ أم لا يستطيعون؟

وهل هي حق لهم أم منحة من الدولة أو المؤسسة؟ فإن كانت منحة وهبة فإنها لا يتم ملكها إلا بالقبض. وإن كانت حقًّا للموظف لا تملك الدولة أو المؤسسة أن تلغيه، ويستطيع أن يصرفها إذا أراد فالذي أرجحه أن ملكه في هذه الحال ملك تام، وهي كالدين المرجو، الذي قال فيه أبو عبيد: 

إنه بمنزلة المال الذي في يده فحينئذ تجب فيها الزكاة في كل حول، إذا بلغت نصابًا وتوفرت الشروط الأخرى من السلامة من الدين ونحوه (8).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 399

107

الثلاثاء 13-يونيو-1978

فقه الزكاة (399)

نشر في العدد 398

188

الخميس 01-يونيو-1978

فقه الزكاة (3)