الثلاثاء 15-يناير-1985
في الساحة الدولية
- خطة ريغان الدفاعية تنقل السباق من الأرض إلى الفضاء.
- توزيع مناطق وراء لعبة سباق التسليح.
- صراع من أجل النفوذ والتوسع.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي سقت أوروبا كأس الرعب والدمار انتهج الاتحاد السوفياتي نهجًا محافظًا ودفاعيًا من أجل الاستفادة من التناقضات الدولية والإقليمية التي خلفتها ظروف الحرب. فقد استفاد السوفيت فعلًا في استثمار الوضع الجديد ونجحوا في التوسع في نشر أيديولوجيتهم الشيوعية في كثير من دول آسيا وشرق أوروبا لكن الولايات المتحدة التي أرعبت العالم وحسمت الحرب بقنبلتها الذرية التي دمرت هيروشيما وناكازاكي باليابان لم تكن راضية عن سياسة التوسع السوفياتي وخاصة بعد أن نجح السوفيت في إدخال الشيوعية إلى كوبا، وكرد فعل لهذا التوسع السوفياتي اتجهت الولايات المتحدة نحو الهجوم وفتح المعارك في آسيا لوقف التوسع السوفياتي وقد أدى ذلك إلى تورط الأمريكيين في الفيتنام وكمبوديا وتكبدوا فيهما خسائر مادية وبشرية جسيمة أجبرتهم على الانسحاب من تلك المناطق تاركة النفوذ الأكبر فيها للاتحاد السوفياتي. لكن الأمريكان نجحوا في التقدم على الاتحاد السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط بعد اتخاذهم الكيان الصهيوني شرطيًا لهم في المنطقة وجعله دولة ذات حماية أمريكية، وأغرقوا إسرائيل بأسلحة الدمار لتتفوق على جيرانها من الدول العربية. وقد ساعدت الأسلحة الأمريكية إسرائيل على إلحاق الهزيمة بالدول العربية المجاورة في يونيو ١٩٦٧ واستطاعت بذلك أن تحتل بقية الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي دول عربية مجاورة، وقد أدت هذه الهزيمة المرة إلى تغيير موازين كثيرة لصالح الولايات المتحدة وضد المصالح السوفياتية في المنطقة. فقد تقلص النفوذ السوفياتي في المنطقة بسبب التغييرات السياسية التي وقعت في كل من مصر والسودان والصومال حيث انقلبت سياسات تلك الدول كلها من الاتجاه الشرقي إلى التعاطف والصداقة مع الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية، وخاصة بعد حرب أكتوبر وإبرام معاهدة كامب ديفيد التي أبعدت الاتحاد السوفياتي عن مفاوضات الشرق الأوسط التي كان السوفيت طرفًا أساسيًا فيها.
وكي يرد الاتحاد السوفياتي الكرة في المرمى الأمريكي هذه المرة ركز دعمه على بعض الدول الشرق أوسطية التي ما زالت تربطه فيها علاقات وثيقة مثل سوريا واليمن الديمقراطي وليبيا حيث أبرم معاهدات صداقة مع هذه الدول لسنوات عديدة كما عقد معاهدة صداقة مؤخرًا مع اليمن الشمالي أيضًا، وكذلك أقدم السوفيت على غزو أفغانستان لتوسيع دائرة نفوذهم بالمنطقة وليقتربوا من المياه الدافئة.
سباق التسلح النووي:
كان الأمريكيون سباقين في إنتاج السلاح النووي وتطويره واستعماله للغايات العسكرية والسلمية على السواء. لكن السوفيت تمكنوا بعد جهود كبيرة من اللحاق بالأمريكيين في هذا الميدان ومنافستهم فيه، كما تمكن السوفيت من تطوير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الأخرى مما جعلهم يحققون تفوقًا واضحًا في هذا المجال.
وقاموا بتنصيب صواريخ متحركة ذات رؤوس نووية من طراز «أس أس 20» على طول الحدود مع أوروبا، وتصل مدى هذه الصواريخ إلى ٤٥٠٠ أو ٥٠٠٠ كلم. وقد أثار هذا المشروع السوفياتي الهلع في أوروبا بعد أن أصبحت معرضة لمخاطر هذه الصواريخ. فقررت دول حلف الأطلسي تنصيب منظومة كروز الاستراتيجية على أراضي كل من إيطاليا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا الاتحادية بالإضافة إلى صواريخ «برشينغ 2» الأمريكية في ألمانيا الاتحادية فقط. وقد اقترح رونالد ريغان على الاتحاد السوفياتي سحب صواريخه من نوع أس أس ۲۰ المنصوبة على الحدود الأوروبية مقابل توقف حلف الأطلسي عن نشر صواريخ کروز وبرشينغ ٢ الاستراتيجية الأمريكية في الدول الأوروبية المذكورة، وهذا المشروع هو الذي أطلق عليه عبارة «الخيار الصفر». لكن الاتحاد السوفياتي رفض هذا المشروع وأدان الزعيم السوفياتي الراحل بريجينيف إدخال منظومات جديدة من الأسلحة النووية إلى أوروبا. لكن أمريكا أقدمت على نشر بعض صواريخها من طراز كروز وبرشينغ ٢ في عدد من الدول الأوروبية الغربية، مما أدى إلى انسحاب السوفيت من مفاوضات جينيف الأولى.
مفاوضات نووية:
تم إبرام اتفاقية سولت «1» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حول الحد من المنظومات المضادة للصواريخ في ٢٦ مايو ١٩٧٢. واتفاقية سولت «2» الرامية إلى الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية الموقعة بين الدولتين في فيينا عام ۱۹۷۹ والبروتوكول الملحق بها الذي وقع في جينيف في نفس العام لكن لم يعمل به وقد أنجزت هاتان الاتفاقيتان بين الدولتين العظميين بعد مفاوضات عديدة حول الأسلحة الاستراتيجية الهجومية. أما مفاوضات الأسلحة النووية فلم تبدأ بشكل مميز إلا بعد قيام الاتحاد السوفياتي بنشر صواريخه من طراز في إس. إس ٢٠ على حدوده مع أوروبا. الأمر الذي أدى إلى تفوق سوفياتي واضح في مجال الردع النووي مما دفع حلف شمال الأطلسي إلى التصديق في ديسمبر ١٩٧٩ على برنامج أمريكي يقضي ينشر ٤٦٤ صاروخ كروز و ۱۰۸ صواريخ برشينغ ۲ في أوروبا بين ۱۹۸۳-١٩٩٠ من أجل الوصول إلى موازنة مع الصواريخ السوفياتية.
وكانت أول دعوة إلى مفاوضات نووية بين أمريكا وروسيا هي مبادرة ريغان في نوفمبر ۱۹۸۱ المعروفة باسم الخيار الصفر وقد رفض السوفيات هذه المبادرة التي كانت تطالبهم بسحب صواريخهم المنصوبة على الحدود الأوروبية مقابل التزام الجانب الغربي بعدم نشر صواريخه في أوروبا، ومنذ تلك السنة بدأت المفاوضات بين الدولتين العظميين حول الأسلحة النووية وتميزت الدورة الثانية من هذه المفاوضات التي عقدت عام ۱۹۸۲ بالمقترحات السوفياتية المضادة لخيار الصفر ودعوة السوفيات إلى تجميد الأسلحة النووية الموجودة في أوروبا والسعي لتخفيفها لتصل إلى حد أقصى قدره 600 منظومة لكل من الجانبين في عام ١٩٨٥ و٢٠٠ منظومة في عام ۱۹۹۰. وفي نفس الوقت حاول الاتحاد السوفياتي تشجيع تيار رافض للأسلحة النووية بين شعوب أوروبا الغربية المعارضة مشروع ريغان الخاص بنشر الصواريخ في أوروبا، لكن المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها بعض العواصم الأوروبية الغربية لم تثن الرئيس ريغان عن نشر الصواريخ في بعض الدول الأوروبية واحتجاجًا من الاتحاد السوفياتي على تصرف ريغان أعلن الرئيس السوفياتي يوري أندروبوف في ٢٤ نوفمبر ۱۹۸۳ انسحاب بلاده من مفاوضات الحد من الصواريخ النووية التي كانت تجري في جينيف بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وقال الزعيم السوفياتي إن بلاده ستواجه التهديد الصاروخي النووي الأمريكي بنصب صواريخ مماثلة في أراضي ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، وكان تعليق إدارة ريغان على الانسحاب السوفياتي بأن واشنطن تعتبر أن المفاوضات علقت فقط وأنها سوف تعود إلى مائدة المفاوضات بمجرد موافقة موسكو على استئناف المفاوضات.
خطة ريغان الدفاعية:
وكان الرئيس ريغان قد طرح في مارس ۱۹۸۳ خطة دفاعية جديدة عرفت منذ ولادتها باسم «حرب النجوم» ورصد لتنفيذها ألف بليون دولار، وهذه الخطة ترمي إلى زرع أقمار صناعية في الفضاء الخارجي تطلق صواريخها أو أشعتها الليزرية على الصواريخ النووية التي تنطلق من الأرض أو البحر أو الجو وتدمرها قبل أن تبلغ هدفها.
في بداية الأمر لم يعط السوفيات تصريحات ريغان اهتمامًا كبيرًا لكن استمرار الأمريكيين في البحوث الخاصة بالخطة الجديدة جعل السوفيت يهددون بمجاراة الأمريكيين في سباق التسلح الفضائي إذا لم يتراجع ريغان عن خطته وأصبح هذا الأمر الشغل الشاغل للسوفيت والذي دفعهم إلى الموافقة على استئناف مفاوضات جينيف بعد أن أبدي ريغان شيئًا من المرونة في مستهل فترة رئاسته الثانية. وجمع لقاء في جينيف يوم 7 يناير 85 ببن وزیر الخارجية الأمريكي ونظيره السوفياتي استمر يومين ودارت المباحثات أثناء هذا اللقاء حول الأسلحة الفضائية التي ركز عليها وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو، وقد اتفق الجانبان خلال اللقاء على استمرار المفاوضات بينهما واتفقا على أن يكون موضوع المفاوضات القادمة مجموعة من المسائل المتعلقة بالأسلحة الفضائية والنووية الاستراتيجية من أجل التوصل إلى اتفاقات فعالة تهدف إلى منع سباق التسلح في الفضاء وعلى الأرض معًا، فهل يضع العملاقان مصلحة العالم وأمنه فوق مصالحهما الخاصة أم سوف تعميهما أطماعهما التوسعية لتتحول مفاوضاتهما من مفاوضات حول الحد من التسلح إلى مفاوضات حول توزيع مناطق النفوذ؟
صحيح أن الوقت ما زال مبكرًا للإجابة عن هذه الأسئلة لكن مراقبين سياسيين أشاروا إلى أن انفراج العلاقات بين العملاقين ربما تنعكس على منطقة الشرق الأوسط، فتعمل على إحياء جهود التسوية بما يرضي الطرف الأمريكي بشكل أساسي. وكمؤشر على هذا التوجه يشير المراقبون إلى موقف الاتحاد السوفياتي من قيادة عرفات ووحدة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة علاقاته مع مصر وتوثيقها مع العراق. ويذهب آخرون إلى حد القول بإن أميركا تعترف لموسكو بأفغانستان طمعًا في أن تعود إيران لأميركا وأن تتولى الإدارة الأميركية إدارة عملية التسوية دون تشويش الاتحاد السوفياتي.
وهكذا تكون المصالح العربية لعبة دولية بأيدي الكبار فلماذا يصر قوم على إلقاء
جميع بيضهم في سلة واحدة؟ ولماذا لا يعملون على بناء القوة الذاتية المستقلة؟