; الخطر الإسلامي المزعوم | مجلة المجتمع

العنوان الخطر الإسلامي المزعوم

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993

مشاهدات 103

نشر في العدد 1055

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 29-يونيو-1993

حقيقة الخطر: صراع المناعة العقدية والقوى الاستغلالية

·       إن الخطر الحقيقي على الدول الكبرى هو في داخلها وهو خطر حقيقي تموله وتستفيد منه العناصر المستغلة للرأسمالية.

كثيرون منا يتشاءمون من الأوضاع الحالية التي تمر بالعالم الإسلامي ويرون أن الأعداء يحيطون به ويتآمرون عليه وقد جمعوا بأيديهم كل أسباب القوة والعنف التي تغريهم بالقضاء على شعوبنا وإبادتها كلما كان ذلك ممكنًا، وما نراه في مأساة البلقان وفلسطين وكشمير والصومال ليس إلا مقدمة لما يعدونه لأقطار أخرى مثل السودان والجزائر وليبيا وتونس وآسيا الوسطى، بل وإيران وأفغانستان وباكستان ولا داعي لذكر غيرها حتى لا نشارك هؤلاء المتشائمين مخاوفهم وبأسهم، بل إننا واثقون أن ذلك لن يتحقق.


الإسلام والمستقبل في ميزان الحضارات

على العكس من ذلك نرى أن كل ما يصيبنا من عدوان وتآمر لا يقنع أعداءنا بأن دورنا في الحضارة الإنسانية قد انتهى، بل إنهم يصرون على الادعاء بأن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يخشونه. رغم كل ما يعرفونه عن الواقع المؤلم الذي يمر به العالم الإسلامي- ورغم المحن التي يواجهها المسلمون في كل مكان سواء كانوا أغلبية أو أقلية- إن هؤلاء الأعداء المسيطرين علينا والمتحكمين في مصائرنا يدعون رغم ذلك أن الإسلام خطر على مصالحهم ونفوذهم ونحن نتساءل من أين يجيء هذا الخطر المزعوم وكيف تستطيع الأمة المستضعفة المهاجمة من جميع الجهات أن تهدد عظمتهم الحالية وقوتهم المتعالية- بل وما يسمونه نظامهم العالمي الذي يتخذونه وسيلة لمحاصرتنا وإذلال شعوبنا واحدة بعد الأخرى.

والذين يرددون هذه الأسئلة ولا يجدون عنها جوابًا هم المسلمون، أما أعداؤهم فإنهم لا يكلفون أنفسهم مشقة الاستماع إليها ولا الإجابة عنها- بسبب بسيط هو أنهم مقتنعون بالمثل القائل بأن بقاء الحال من المحال إن التاريخ علمهم أن الأمم  متى بلغت قمة الحضارة والسيطرة لابد أن ينتهي دورها وتنهار مجتمعاتها وتسقط فريسة للترف والفساد الذي توفره لها هذه الحضارة ذاتها.

وأن الشعوب المغلوبة المضطهدة إذا أخذت بأسباب المقاومة وتوفرت لها مقومات النهوض هي التي يعدها المستقبل لوراثة المجتمعات التي يأكلها الانحلال والترف ويقضي عليها ما توفره لها حضارتها من غلو وإسراف وطمع لا حدود له. إنهم عندما يتكلمون عن الخطر الإسلامي يقصدون بذلك أن الإسلام يوفر لشعوبه مقومات كافية لكي يقوموا إذا نهضوا بتولي القيادة في المستقبل بعد انهيار من يسيطرون الآن وهم مسلمون مقدمًا بأن الإمبراطورية الحالية سوف تنهار يومًا ما، كما انهارت قبلها جميع الإمبراطوريات السابقة وأن ما يسمونه النظام العالمي الحالي الذي يستخدمونه لتنفيذ سياساتهم وتحقيق مطامعهم لابد أن يتغير يومًا ما كما تغيرت قبله منظمات سابقة- في حين أن الإسلام يمكن شعوبه من مواصلة المقاومة ويدفعهم إلى إعادة بناء حضارتهم لكي تخلف هذه المدنية المتعالية المتجبرة التي يتوقعون انهيارها من الداخل.

لقد تذكرت ذلك كله عندما قرأت كتابًا أمريكيًا عنوانه «الخطر الإسلامي» ولم أجد فيه ما يشير إلى منبع القوة التي يأتي منها هذا الخطر المزعوم وما زلنا نتساءل: أين هو، وما هو وكيف ينجح المستضعفون المطاردون ويفشل الأقوياء المسيطرون؟


الانهيار من الداخل وفقدان المناعة

إنهم بسبب ما حققوه من تفوق وتقدم وما لديهم من قوة وسيطرة على العالم أجمع لم يعودوا يخشون أن يجيئهم الخطر من الخارج- لأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع أن تتحداهم أو تهددهم- ومع ذلك فإن المصير التاريخي الذي يهدد جميع الامبراطوريات ويقضي على جميع الحضارات مازال ينذرهم بالانهيار- ولكن أسبابه في نظرهم ستكون من الداخل لا من الخارج.

إن انهيار الاتحاد السوفيتي فجأة من داخله رغم ما كان يتمتع به من قوة عسكرية وتقدم علمي وتقني جعل كثيرين يتوقعون هذا المصير للإمبراطوريات الأخرى التي تتسابق الآن لوراثته والعقلاء منهم يعتقدون أنهم ورثوا فعلًا عيوبه التي قضت عليه ويسيرون حتمًا في طريق الانهيار الذي سار فيه.

إن المؤكد لديهم أنه حتى لو فرض أن التحديات الأجنبية ستكون السبب المباشر الذي يدفع مجتمعاتهم للانهيار، فإن هذا التحدي لن يجيء من العالم الإسلامي أو من المسلمين في أي إقليم من أقاليم العالم، ومع ذلك يلوحون لشعوبهم بما يسمونه الخطر الإسلامي لأن التحدي الحقيقي في نظرهم ليس هو مهاجمة تلك الأمبراطوريات الكبرى المسيطرة أو إعلان الحرب عليها- بل هو الإصرار على عدم الاقتداء بها فيما تندفع إليه من عيوب اجتماعية وأخلاقية- وعدم الاندماج في تيارها وعدم الاستسلام للقوى المسيطرة عليها وهي القوى الرأسمالية الاستغلالية المتحالفة مع الصهيونية المنفذة لسياستها.

إن العناصر الرأسمالية التي تسيطر على مصائر الدول الكبرى هي التي تلوح بهذا الخطر المزعوم الذي ينسبونه للإسلام أو المسلمين- وهي تتخذ ذلك مبررًا لكي تحكم سيطرتها على شعوب تلك الدول الكبرى وتواصل تحكمها فيها وفي العالم من خلالها، وهذه العناصر لا تمثل شعوبًا ولا أممًا وإنما تمثل قوى مالية واقتصادية تزداد شراهة وطمعًا وتزيد من سيطرتها المالية كل يوم وقد ملكت هذه السيطرة فعلًا لأن النظام العالمي الحالي يمكنها من أن تستغل الشعوب جميعًا سواء الشعوب المستضعفة أو الشعوب القوية أيضًا- إن الاستغلال والطمع الرأسمالي لم يعد يفرق بين الشعوب الصغرى والكبرى، بل هو يستغل الجميع- صحيح  أنه يتحكم في الشعوب المستضعفة في العالم الثالث ولكنه بدأ بالتحكم في الشعوب الكبرى ذاتها ويسيطر عليها ويستغلها من داخلها.

كل ما هنالك أن هذه الشعوب الكبرى تتمتع بقدر كبير من الثراء والاستقرار يجعلها تتجاهل هذه العناصر التي تسيطر عليها وتستغلها وتتحكم في سياستها، ولكن هذا لن يستمر طويلًا- فعندما تواجه أي مشكلة أو صعوبة سوف تكتشف أن كثيرًا من مشاكلها إنما يرجع لسيطرة قوى متحكمة فيها لا تستطيع التحرر منها لأنها فقدت المناعة التي يمكن أن تحصنها ضد هذه القوى الاستغلالية والرأسمالية التي تصر على تحكمها وسيطرتها ولو أدى ذلك إلى انهيار هذه المجتمعات التي تتحكم فيها.


استعادة الحيوية ورفض الاستسلام

إن أخطر الأمراض التي تصيب الأفراد في هذا العصر هو فقدان المناعة التي تجعل الجسم عاجزًا عن مقاومة الأخطار الصحية التي تهدده ونعتقد أن الأمم المتقدمة قد أصيبت بداء انعدام المناعة التي يمكن أن تحصنها ضد سيطرة العناصر الرأسمالية الاستغلالية- والتي تستغلها الصهيونية بكل أسف لكي تحقق بها أهدافها السياسية.

إننا نحن الضعفاء المهاجمين من كل جانب مازلنا نرفض الاستسلام لهذه القوى الاستغلالية- وهذا الرفض يكسبنا مناعة تمكننا من أن نسترد بها حيويتنا وقدرتنا على النهوض- في حين أن الشعوب الكبرى قد سلمت زمامها نهائيًا إلى تلك العناصر الاستغلالية وبذلك فقدت المناعة التي تمكنها من مجرد التفكير في التحرر منها أو مقاومتها.

في حواري مع كثيرين من العقلاء في تلك الدول الكبرى لاحظت أنهم يحسدوننا لا لأننا في نظرهم مازلنا نرفض الاستسلام لسيطرة مراكز القوى الرأسمالية الاستغلالية وخاصة الصهيونية- في حين أن شعوبهم تعرف أن هذه القوى تستغلها، ولكنها لا يخطر ببالها أن تقاومها أو تتحرر منها- وفقدت نهائيًا جميع أسباب المناعة التي تحميها من تلك السيطرة. إنهم يعرفون أن الرأسمالية المسيطرة في بعض الدول الكبرى لا تتردد في الجري وراء الربح حتى ولو كان ذلك في مشروعات ضد الإنسانية أو سلامة المجتمع- مثل صناعة الأسلحة وتجارة المخدرات والملاهي المفسدة للشباب والإعلام المحطم للقيم الأخلاقية والأسرية- وكل ما يهمها هو الربح ولو أدى إلى فساد المجتمعات وانهيارها فهي التي ستدفع المجتمعات التي تسيطر عليها إلى الانهيار وهي التي ستتولى تحطيمها من الداخل- وليس ما يسمونه الخطر الإسلامي المزعوم.

إن هذه الرأسمالية الجشعة تطمع في السيطرة على ثروات بلادنا واستغلال شعوبنا- ولكنها لكي تصل إلى هذا الهدف فإنها سعت أولًا إلى إحكام سيطرتها على شعوب الدول الكبرى القوية المتقدمة لكي تستخدمها ضدنا- ومتى تحكمت فيها فإنها هي التي ستدفعها إلى الانهيار.

إن الخطر الحقيقي على الدول الكبرى هو في داخلها وهو خطر حقيقي تموله وتستفيد منه العناصر المستغلة الرأسمالية وليس هو الإسلام، هذه العناصر هي بذاتها التي تخوفهم من الخطر الإسلامي حتى تشغلهم عن مقاومة الخطر الاجتماعي الذي يهدد أخلاقهم وقيمهم الأسرية ومقوماتهم الاجتماعية ويحسدون المسلمين لأنهم دون كثير من شعوب العالم مازالت لديهم مناعة ضد هذه الأخطار، وهذه المناعة يستمدونها من عقيدتهم وشريعتهم الخالدة التي يتشبثون بها ويقدسونها مهما هاجمها الأعداء ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).


اقرأ أيضا:

 الإسلام.. والصدام مع الحضارات!

نحن والغرب.. صراع أم تكامل؟

الرابط المختصر :