; في لبنان التحالف الباطني-الصليبي-اليهودي ضد أهل السنة | مجلة المجتمع

العنوان في لبنان التحالف الباطني-الصليبي-اليهودي ضد أهل السنة

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1984

مشاهدات 48

نشر في العدد 665

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 03-أبريل-1984

• كان أهل السنة في لبنان الحقيقة التاريخية الوحيدة التي التحمت بقضايا الأمة.

 

  • مقدمة في القضية:

بداية نقول إننا لا نقصد من تعرضنا لأوضاع أهل السنة في لبنان أن نضرب على وتر الطائفية كما حاول وسيحاول البعض أن يتهمنا به، وخاصة أدعياء الوطنية والقومية والعلمانية وكافة الأوثان التي زرعت في ربوعنا الفساد العقائدي والانحراف عن الصراط المستقيم .... ثم دار الزمان ليثبت أن كل هذه الدعاوي كانت أقنعة اختفت وراءها الصهيونية؛ لتحقق عن طريقها ما عجزت عن تحقيقه من خلال الصراع المكشوف ألا وهو حلمها التاريخي في القضاء على الإسلام والمسلمين، وإعادة بناء مملكتها على أنقاض الدولة الإسلامية.

نقول إن الطائفية لم تكن في يوم من الأيام من صنع أهل السنة؛ لأن هذا الأمر يتعارض أساسًا مع المبادئ الشرعية التي تنص على أنه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة:٢٥٦) وإنه ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (سورة الكافرون:٦) إلى آخر ما هنالك من عشرات النصوص الشرعية من الكتاب والسنة كلها تؤكد على هذا الاتجاه.

ولكن مع عدم الإكراه والتسامح والحرية في اختيار العقيدة و...... و..... هناك حزم وضبط ونظام ومبادئ تعمل كلها على رسم حدود التسامح وحدود الحرية.. لا يحق معها لأي طائفة وعقيدة أن تتعدى هذه الحدود وإلا فمبادئ الشريعة تأمر عندها باللجوء إلى الخيارات الأخرى التي تتمثل في التحذير والتنبيه والإخراج و.... وبعد هذا كله وحين التمادي في تعدي الحدود لابد من الردع باستعمال السيف.

هذه حقائق ومبادئ نصت عليها شريعتنا لذا؛ فهي ملزمة للجميع حكامًا ومحكومين؛ لأن كرامة المسلم وعزة المسلم ودم المسلم أغلى من كل غال مهما كان هذا المسلم كبيرًا أو صغيرًا فقيرًا أو غنيًا رئيسًا أو مرؤوسًا ومن هذا المنطلق جهز المعتصم جيشًا كبيرًا؛ لنصرة امرأة مسلمة وصل صوتها عبر الصحاري والقفار حين نادته وامعتصماه.. 

نقول هذا كله؛ لنؤكد على أن من حقنا وواجبنا حين يتعرض إخوة لنا في العقيدة لأي اضطهاد أو إذلال أو ... أن نهب لنجدتهم ولو بالكلمة التي هي أعلى من درجة التأييد بالقلب ويبقى التأييد بالسيف مرهونًا بيد حكام المسلمين الذين يملكون حق الدعوة للقتال..

 نقول هذا والأسى يعتمر قلوبنا على ما نسمعه عبر المذياع وما نقرؤه في الصحف والمجلات وما نشاهده عبر جهاز التلفزة عن أوضاع إخوتنا أهل السنة والجماعة في لبنان وغير لبنان؛ حتى ليخيل للمسلم مع أنه حقيقة أن كل الطوائف والعقائد في هذا العالم تقف ضده وعبر هذه المقالة المحدودة سنتعرض لأوضاع أهل السنة في لبنان كنموذج حي لأوضاعهم في العالم.

  • نظرة تاريخية موجزة:

يتواجد أهل السنة في لبنان منذ الأيام الأولى للفتح الإسلامي لبلاد الشام ومازالوا يعيشون في معظمهم في مدن الساحل اللبناني بيروت وطرابلس وصيدا والبعض الآخر يعيش في مناطق عكار وغيرها من المناطق الجبلية ... و يبلغ تعدادهم ثلاثة أرباع المليون تقريبًا وكان نفوذهم يتراوح بين المد والجزر حسب طبيعة الدول التي حکمت لبنان والتيارات التي كان لها تأثير على مجرى اتجاه السياسة في لبنان، وذلك أن الاتجاه الديني لهذه التيارات والدول كان العامل الأساسي في تحديد مدى الرابطة بين الحكم وأهل السنة، وبمقدار ما تكون هذه الرابطة قوية يتجه نفوذهم نحو الانتشار، وبقدر ما تكون هذه الرابطة ضعيفة يتجه نفوذهم نحو الانحسار، ومن خلال هذه المقولة يمكن للقارئ أن يتعرف على الوضع التاريخي لأهل السنة أيام الخلافة العثمانية ثم أيام انهيار هذه الخلافة مرورًا بالعهد الاستعماري إلى الهيمنة النصرانية إلى أيام المد القومي في منتصف الخمسينات إلى انعكاسات الوحدة المصرية السورية إلى الالتحام مع القوى الفلسطينية النازحة إلى لبنان أوائل السبعينات وانعكاس هذا الالتحام على وضع أهل السنة مرورًا بدخول قوات الردع وتحجيم التحالف السني الفلسطيني إلى الغزو الصهيوني عام ۸۲م، و يبقى أهل السنة في لبنان الحقيقة التاريخية الوحيدة التي ارتبطت والتحمت بكل الأحداث والقضايا التي عاشتها المنطقة خلال جميع هذه العهود وماعدا أهل السنة فإما معاد لآمال وأهداف شعوب المنطق،ة وإما مخادع محتال انحنى لموجة انتشار النفوذ السني منتظرًا الفرصة المناسبة؛ لينقض على هذا النفوذ ويحطمه، وينطبق النموذج الأول على النصارى بينما ينطبق النموذج الثاني على الباطنية كالدرزية وغيرها.

  • الأوضاع الحالية للسنة في لبنان

يعيش أهل السنة في لبنان اليوم أسوأ مرحلة في تاريخ وجودهم وأشدها انحسارًا لنفوذهم وتأثيرهم على الساحة اللبنانية، وبلغ هذا الانحسار حدًا جعل معظم المراقبين السياسيين يقولون: إن الخاسر الوحيد في لبنان هم أهل السنة؛ ولولا هذا الضعف الظاهر لما تجرأت الميليشيات الباطنية بقيادة جنبلاط على فعل ما فعلته في بيروت الغربية الأسبوع الماضي حين قامت باقتحام المراكز الإسلامية ابتداءً بالحواجز وانتهاءً بالمساجد، وقتلت وجرحت العديد من المواطنين السنة، وفجروا المراكز العامة وأسروا العشرات منهم إلى آخر هذه العمليات التي اتخذت طابع الغدر والخيانة، ولم تكتف القوات الباطنية بما فعلته بأهل السنة في بيروت بل توجهت إلى مخيمات صبرا وشاتيلا يدفعها حقدها الدفين تجاه أهل السنة سواء كانوا لبنانيين أم فلسطينيين.. وأحكمت الطوق حول هذه المخيمات وقامت بمصادرة الأسلحة الموجودة فيها واعتقال أصحاب هذه الأسلحة وقتل العديد من شباب هذه المخيمات..... نقول إنه لولا حالة الضعف التي يعيشها أهل السنة؛ لما تجرأت القوات الباطنية على فعل ما فعلته وهي التي عاشت خلال فترة انتشار النفوذ السني تحت جناح وحماية أهل السنة من اللبنانيين والفلسطينيين طوال سنوات الحرب اللبنانية. ولكن هكذا هي الباطنية تعيش حياتها في مستنقع النفاق إلى أن تجد الفرصة السانحة

فتكشف عن وجهها القذر الحاقد. إن حالة الضعف التي يعيشها أهل السنة في لبنان انعكست على مدى الدور الذي يمكن أن تلعبه في الأحداث اللبنانية، فإن نظرة فاحصة على ما يجري على الساحة اللبنانية من تدابير ومفاوضات واتفاقات ومؤتمرات.... إلخ .. يلاحظ أن الدور السني هو الدور الأضعف فإن كل الذي جرى أمام الكواليس ووراء الكواليس، والمحادثات المباشرة وغير المباشرة لم تعط لأهل السنة أي دور أو أدنى اهتمام حتى الأضواء انسحبت بعيدًا عن ممثلي أهل السنة في هذه المؤتمرات، وحول هذا يقول المراقبون الذين تابعوا المؤتمر اللبناني الأخير الذي انعقد في لوزان أن رشيد كرامي وصائب سلام كانا أضعف الأعضاء تأثيرًا وحضورًا في المؤتمر نظرًا؛ لما تعانيه طائفة السنة من ضعف داخل لبنان. حتى في مفاوضات الأمن ووقف إطلاق النار تم استبعاد أي وجود لأهل السنة. وانحصرت هذه المفاوضات بين الأطراف الباطنية والنصرانية، والغريب أن هذه المفاوضات الأمنية تختص في معظم جوانبها في الوضع بين بيروت الغربية والشرقية ومع ذلك كان سكان بيروت الغربية الذين يتشكل معظمهم من أهل السنة لا يشركون في هذه المفاوضات بل حتى ولا يستشارون فيها. وما يعانيه أهل السنة في بيروت لا يستثنى منه أهل السنة في المناطق الأخرى وإن اختلف الشكل ففي صيدا يعاني أهل السنة من الاحتلال الصهيوني، وفي شمال لبنان يعاني أهل السنة من تزايد الهيمنة الباطنية المدعومة من خارج الحدود اللبنانية بات معه أهل السنة في الشمال يشعرون أنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية إضافة للهجمات المسلحة المستمرة على أحيائهم من قبل المسلحين الباطنيين والقصف المدفعي الموجه نحو البيوت والمساجد من القرى المجاورة لمدينة طرابلس-والتي تسكنها الفئات الباطنية المدعومة من جهات معروفة. هذا هو الوضع الذي يعيشه اليوم المسلمون السنة في لبنان ومع كون هذا الوضع غير طبيعي ولا يتفق مع الحضور التاريخي لهم فمن حقنا أن نتساءل:

  • لماذا الحملة ضد أهل السنة؟

من الحقائق الثابتة أن ما يجمع اليهودية والنصرانية والباطنية على صعيد واحد هو العداء التاريخي للإسلام والمسلمين وأن هذه الأقاليم الثلاثة ما فتئت ومنذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا تعمل و بدون ملل ولا كلل على إعداد المؤامرات المتتابعة؛ للنيل من الإسلام والحد من انتشاره واقتلاع شوكة المسلمين، وأعتقد أنه ما من مسلم إلا ويملك خلفية جيدة عن التآمر والصراع التاريخي بين هذه الفئات وبين المسلمين. والذي يهمنا هنا أن نتعرف على التحالف الجديد لثلاثي الكفر والذي وضحت معالمه على الساحة اللبنانية.

يقول أحد زعماء الكيان الصهيوني لقد تمكنا من إجراء اتصالات مباشرة وغير مباشرة مع جميع الطوائف اللبنانية باستثناء طائفة السنة التي لم نستطع حتى مجرد الالتقاء بأحد ممثليها.

ومن الطبيعي أن تهدف هذه الاتصالات إلى ترتيب الخريطة اللبنانية على ضوء الاستراتيجية الصهيونية التي أكدت على ضرورة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية تشابه دويلة العدو، ومن هذا المنطلق وعلى ضوء هذه الاستراتيجية كان الغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲م وانتشاره على معظم الأراضي اللبنانية باستثناء الشمال اللبناني الواقع تحت السيطرة السورية، وكان هذا الانتشار بداية تنفيذ الاستراتيجية الصهيونية في التقسيم، ومن الطبيعي أن يشكل التحالف الفلسطيني السني في بيروت الغربية حجر عثرة أمام الطموحات اليهودية لذا؛ كان لابد من تحطيم هذا التحالف، ومن هذا المنطلق بدأت القوى النصرانية والباطنية ترسم مع القوى اليهودية الغازية خطط القضاء على أهل السنة لبنانيين كانوا أم فلسطينيين، وهذا ما ظهر واضحًا أثناء الغزو الصهيوني حيث تخلت القوى الباطنية التي كانت منضوية تحت لواء الحركة الوطنية مخادعة ورياء عن القوى السنية الفلسطينية اللبنانية وأثرت الانسحاب بعيدًا إلى الجبل حيث الأحضان الدافئة للعدو الصهيوني. وفي الوقت نفسه أيضًا كانت القوات النصرانية تحمي ظهر القوات اليهودية وتعاونها في دك مباني بيروت الغربية فوق رؤوس سكانها وعلى مدى ٦٠  يومًا استمر خلالها صمود أهل السنة الفلسطينيين واللبنانيين في أروع تلاحم عضوي شهدته المنطقة منذ عشرات السنين.

ومن هذا يذكر مؤلف كتاب «حرب الظلال» أن خيبة أمل عرفات الكبرى كانت فيمن اعتقد أنهم حلفاؤه وفي اليوم الأول للغزو وعد قائد حركة أمل في الجنوب محمد عداد بعدم التعرض للغزو الإسرائيلي وأمر رجاله بتسليم أسلحتهم إذا رغب الإسرائيليون في ذلك. ووليد جنبلاط يأمر الميليشيات الدرزية بعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية بل ويقيم في قصره بالمختارة مع القائد العسكري الصهيوني، ولم يبق في بيروت الغربية إلى جانب الفلسطينيين سوى الحليف الحقيقي والوحيد أهل السنة سكان بيروت الغربية.

لذلك كان الإصرار على إخراج القوى الفلسطينية؛ تمهيدًا لاستفراد سكان بيروت الغربية، وبعد الخروج اشترك الجميع اليهود والباطنيون في مسرحية سحب أسلحة الميليشيات، ولم ينفذ من هذه المسرحية سوى الفصل الأول الخاص بسحب أسلحة سكان بيروت الغربية والمخيمات الفلسطينية، وهكذا تم عزل أهل السنة عن التأثير في الأحداث اللبنانية؛ لأنه من المنظور اللبناني فإن السلاح هو الذي يفرض الوجود على الساحة. وكون المسلم السني هو الأعزل الوحيد فقد اتفق الجميع على اعتباره الخاسر الوحيد في القضية اللبنانية.

 وإن ما جرى في بيروت الغربية لم يكن قاصرًا عليها فقد تعرض أهل السنة في الشمال لنفس الضغوط كما ذكرنا ولا يمكن للقارئ أن ينسى التحالف الآخر لأهل السنة مع الفلسطينيين في طرابلس واشتراكهما في صد قوى التحالف المشبوه الذي أصر على الإخراج النهائي للفلسطينيين؛ تمهيدًا أيضًا لاستفراد أهل السنة في الشمال كما استفردوا في بيروت؛ ولتحقيق الاستراتيجية الصهيونية في التقسيم، وما يجري اليوم على الساحة اللبنانية من لقاءات واتصالات تؤكد على هذا المنحى، فقد ذكرت صحيفة الصنداي تايمز في عددها الصادر يوم ٢٥ مارس أن جنبلاط اجتمع سرًا في لندن مع داني شمعون وبحثًا في تسوية محتملة يصبح بموجبها لبنان دولة فيدرالية من أربع ولايات تسيطر على كل منها واحدة من الطوائف الرئيسية أي ولاية درزية–ولاية نصرانية –ولاية شيعية– ولاية سنية.

ويهمنا هنا الولاية أو الكانتون السني: بعد أحداث بيروت الغربية الأخيرة وتجريد أهل السنة مما تبقى من أسلحة واستيلاء اللواء السادس الذي يقوده نديم حكيم والذي ينتمي للطائفة الدرزية على المراكز الحساسة، وبعد تهجير السكان السنة من إقليم الخروب الذي سيدخل ضمن الكانتون الدرزي حسب الاتفاق الذي تم بين الدروز والنصارى مؤخرًا فإن المراقبين يعتقدون أن الكانتون السني سيتركز في الشمال اللبناني الذي يقع ضمن دائرة الهيمنة السورية، وهذا يدل على أن الوجود السني في لبنان لن يكون له أي تواجد حقيقي وفعال.

  • لمن يتوجه أهل السنة؟

من هذا كله يتضح لنا أن المؤامرة بفصولها المتعددة موجهة نحو أهل السنة ولم يكن تعرضنا لما يعانيه السنة في لبنان وما يراد لهم سوى الوقوف على نموذج حي وساخن من النماذج الكثيرة التي يعاني منها أهل السنة في العالم الإسلامي، والذي يزيد من الأسى في النفس أن جميع الطوائف والعقائد لها من يناصرها ويدعمها ويشد من أزرها ولا يقف وحيدًا سوى أهل السنة فلمن نتوجه؟؟

الرابط المختصر :