العنوان الإسلام ينتشر في الغرب
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 984
نشر في الصفحة 28
الأحد 12-يناير-1992
محمد المبارك خالد- لندن
في ظل الدوار العقلي والخواء الروحي الذي يعيشه الغرب ونسبة لفصل
الدين عن الدولة وعزل القيم والمبادئ عن الحياة العامة الذي تبنته أوروبا
طوال القرون الثلاثة الأخيرة جراء العداء الشديد بين الكنيسة والعلم والذي
تمخضت عنه الكثير من الفلسفات والنظريات والمذاهب التي تلغي الدين -أي دين-
جملة وتفصيلا وتعيد الفرد (الذات) والبطولة (القوة) والمادة (الطبيعة والمال
والجنس والجمال)... مثل الميكيافيلية الوصولية والداروينية الحيوانية
والبراجماتية المنفعية والفرويدية الفريزية والوجودية الاباحية والعقلية
والحسية، فضلا عن الاشتراكية العلمية والرأسمالية الليبرالية وغيرها.. في ظل
هذا كله بدأ الكثير من الأوروبيين والغربيين عامة يبحثون لاهثين عن موئل بين
الأديان والملل يلتجئون إليه من المعاناة والحيرة التي جلبتها الحضارة الغربية
برغم مكتسباتها الآلية ومقتنياتها المادية.
وقد شهد العقد الماضي (حقبة الثمانينيات) نقطة تحول في الإقبال على
دراسة الإسلام -واعتناقًا
من قبل الغربيين- دراسة متأنية بشيء من الحياد والمنهجية العلمية بعد مقارنته
وموازنته مع الأديان والمعتقدات الأخرى وبعد الوقوف الراسخ على حقائق مغمورة
(عندهم) تؤكد شمول الإسلام وتكامله وسعته للإجابة على كل الأسئلة الحائرة التي
تدور بخلدهم، بالإضافة إلى خلوه من الغموض والتناقض والتعصب والجمود ومرونته
التي تتمثل في القياس والاستدلال (الاجتهاد) في المتغيرات وفقًا لمقتضى الحال
والزمان والمكان.
وجاء في إحدى الدراسات التي نشرت أخيرًا بأوروبا أن تعتبر نسبة الذين
يتركون المسيحية من الغربيين نسبة مخيفة من حيث الكبر بل والأعجب أن
كثيرا منهم يعتنقون الإسلام، بينما الذين يتركون الإسلام من المسلمين لاعتناق ديانات
أخرى تعتبر نسبتهم لا تكاد تذكر، وهي حالات نادرة يخضع فيها بعض أبناء
المسلمين إلى عملية غسل دماغ، حيث تستغل عدم معرفتهم المتكاملة بأحكام
دينهم وذلك وسط إغراءات وضغوط معينة لتأدية أدوار ما يكلفون بها.
وهنالك ظاهرة اعتناق الإسلام من جانب العلماء الغربيين من أساتذة
الجامعات والباحثين والدارسين تصديقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، كما أيضا من الشباب بصفة
خاصة الذين يدخلون في مناظرات وحوارات مع العارفين بالإسلام وقليل ما هم، ويحضرون
الندوات والمحاضرات والتي أصبحت توزع عبر أشرطة الفيديو، وأشهر أولئك المحاضرين:
أحمد ديدات ويوسف إسلام (بريطانيا) ومحمد أسد (ألمانيا) وخالد منصور
(أمريكا)، وغيرهم من الذين يتكلمون اللغات الأوروبية (اللغة الأم).
ومن أبرز ملامح انبعاث الإسلام وانتشاره في الغرب الإقبال
المتزايد على شراء الكنائس بعدما أصبحت مهجورة من قبل المسلمين وتحويلها
إلى مساجد بعد إجراء بعض التعديلات عليها، وكذلك الغيرة على الإسلام حتى
من قبل المسلمين غير الملتزمين في غمرة التعدي والتحدي اللذين يلاقونهما في الغرب،
أيضا تزايد عدد المؤسسات والجمعيات والهيئات الإسلامية التي تدافع عن حقوق
المسلمين وترفع لواء الدعوة في سبيل الله، وبالإضافة إلى الاهتمام
الملحوظ في السنين القليلة الماضية بالإسلام من جانب الغربيين لتحولات سياسية
بارزة في العالم الإسلامي.
كل ذلك في الوقت الذي تتصدع فيه القيم والأخلاق في الغرب
ويستشري الفساد السياسي والظلم الاجتماعي والاقتصاد الربوي وليرتفع معدل
حالات الانتحار والإدمان على المسكرات والمخدرات والولادات غير الشرعية
والإجهاض والأمراض الجنسية الخبيثة وغير ذلك؛ الأمر الذي يتحتم معه
البحث عن البديل المنقذ والهادي المنير.. والذي بلا ريب وجدوه في الإسلام؟
ففي أميركا ينتشر الإسلام بصورة أسرع مما هي عليه في أوروبا
ويتزعم الدعوة إليه والتي هي بحاجة إلى مزيد من الدعم المادي والمعنوي من
أثرياء المسلمين يتزعمها المسلمون السود AMERICANS -THE
AFRO وأشهرهم كما هو معروف بطل
الملاكمة المسلم محمد علي كلاي الذي قام وحده ببناء 1000 مسجد
بأميركا وهو يشرف على عشرات المؤسسات والمنظمات الإسلامية داخل الولايات المتحدة
وخارجها.
وبرغم أن أعدادًا قليلة منهم اعتنقت الإسلام وحادت عن الطريق
السوي لجهلها بالإسلام وهذه مسؤولية المسلمين في الشرق الإسلامي، لكن
اعتناق الإسلام أصبح ظاهرة جديرة بالبحث والدراسة؛ لدرجة أن الحجاب أصبح
موضة عند كثير من الفتيات غير المسلمات إعجابًا وإكبارًا، كما بات ينظر للإسلام
بأنه دين السود إذ يرفض سياسة الفصل العنصري والاستيلاء والاضطهاد والمحاباة،
بينما ينظر للمسيحية بأنها دين البيض الذين استحلوا كرامة الإنسان وحريته
بغرب إفريقيا في عهود الرق التي جاءت بالسود إلى أميركا في أبشع تاريخ عرفته
البشرية ظلما واستعبادًا واستذلالا!
يشق الإسلام طريقه بثبات وتوثب عبر المجتمعات الغربية برغم
محدودية وقصور وسائل الدعوة وبرغم غفلة الكثير من المسلمين الذين يعيشون
بالدول الغربية والذين أصبحوا يشكلون وجودًا سياسيًّا واقتصاديًّا لا يمكن إغفاله
بأي حال من الأحوال.. يشكلون وجودًا يفتقد إلى الحوار وروح المشاركة وتعوزه
الثقة بالنفس والاستقلالية الذاتية!
ومما يؤسف له أن المنظمات الخيرية والدعوية الإسلامية في الغرب
لا تلقى دعم القرار السياسي والمالي الكافي الذي يجعلها تنتهب الخطو
انتهابًا، فهي تسير سير السلحفاة في طريق العمل الإسلامي في أوروبا التي
تشهد سلاح العلم وتتبجح بتفوقها فيه كأنها ورثته من العصور الوسطى المظلمة،
في حين أن الإسلام جاء مؤكدًا للعلم داعمًا له، وما الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
والذي حير علماء الغرب إلا شاهد على ذلك.. العلم النافع ليس العلم الضار.
وقد وجهت المناشدات والاستغاثات والشكاوى من جراء بطء الدعوة
الإسلامية وتعثر خطاها ولكنها لم تلق التجاوب والقبول المرجو برغم إمكانيات
المسلمين الضخمة والمتنوعة.
ومن أخطر التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية في الغرب برغم
انتشر الإسلام التلقائي أن الآلاف الذين يعلنون إسلامهم يوميًّا بحاجة ماسة
إلى الحد الأدنى من تبصيرهم بأحكام الإسلام؛ إذ ليس في الغرب مدارس كافية
متخصصة في علوم الإسلام باللغات الأوروبية المختلفة توجه أولئك المسلمين الجدد
وتنير لهم الطريق، مع العلم بأن أغلبيتهم تنعزل عن مجتمعها بل حتى عن أسرها!
وتفقد بسبب إسلامها أعمالها التي تعيش منها لتصبح من غير مأوى أو
ملاذ إلا إلى الله تعالى، ونعم المولى ونعم النصير، وكثيرًا ما يتعرض الشباب المسلم
إلى سيل من الأسئلة الحائرة عن الخلق والخالق ونبيه؛ لأن الكثير منهم لا
يعرف إلا القليل عن دينه يعجز عن الإجابة مما يكون له أثر سيئ على
السائل والمجيب على حد سواء، ولولا هذا القصور- والمتمثل في أن الإسلام
محجوب بالمسلمين- أو كما قال أحد الدعاة- لولا هذا القصور لدخل الناس في
دين الله أفواجا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل