; إلى أين تسير العولمة؟ | مجلة المجتمع

العنوان إلى أين تسير العولمة؟

الكاتب بو شيخ عبد الحاكم

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 132

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

تقرير التنمية البشرية ينبه للخطر:

إلى أين يتجه العالم مع تنامي زحف العولمة وتداخل الحدود بين الدول والشعوب؟ هل العولمة قدر لا مفر منه، وهل هناك مساحة للرفض من قبل الدول الضعيفة لشروطها واستحقاقاتها؟ وهل تكمن في أحشاء العولمة إيجابيات معينة أم أن السلبيات هي كل بضاعتها؟

إنها بعض الأسئلة التي يمكن أن تُثار عند قراءة أخر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية في آخر هذه السنة ١٩٩٩م، فقد أعطى التقرير لظاهرة العولمة الحيز الواسع من صفحاته التي قاربت المائتين، ولم يفته أن ينبه للخطر. فالعولمة -التي أصبح تعريفها الاقتصادي هو عبور الحواجز والحدود- تتيح أكبر قدر من الاحتكاك يحملان معهما تهديدات كبيرة للسلم والأمن البشريين، إذ تزيد من سرعة انتقال الأخطار والمشكلات من أقصى نقطة في العالم إلى باقي الدول والأمم، ويرى التقرير أن ذلك يضاعف من احتمال خلق أجواء التوتر والعنف بين الدول لأسباب ثقافية أو حضارية أو عقائدية أو عرقية، ويظل هذا التوتر مرشحاً للانتقال إلى داخل البلد الواحد، فمن إحدى وستين حرباً اندلعت بين عامي ١٩٨٩م و١٩٩٨م، يلاحظ التقرير أن ثلاثاً فقط كانت بين دول ذات سيادة، بينما كل الحروب الأخرى كانت عبارة عن حروب أهلية داخل البلد الواحد لأسباب إثنية أو قبلية أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، وهكذا فإن العولمة تسير عكس الاتجاه الذي وضعت لأجله؛ إذ إنها حسب التقرير لا تتميز فحسب بزيادة وتيرة الاندماج والدمج بين الشعوب والدول، بل كذلك بزيادة وتيرة التفكك الداخلي والانقسام.

ويتخذ التقرير لهجة التحذير من أخطار العولمة في القرن القادم، لكنه لا يعلن يأسه من بروز محاولات محتملة بفضل الجهود الدولية لاستخدام آلياتها ووسائلها لخدمة أهداف التنمية البشرية في العالم والقضاء على الفقر والفروقات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، غير أن العولمة في هذه النقطة بالذات المتعلقة بالتنمية البشرية لعموم سكان العالم تسير أيضاً عكس الاتجاه، ففي السنوات العشر الأخيرة من هذا القرن برزت ظاهرة تركيز الثروة الاقتصادية وعائدات تدويل الاقتصاد في يد فئة قليلة جداً من الأشخاص والمؤسسات والدول الغربية، وفي عام ١٩٩٣م كان هناك عشر دول فقط تستحوذ على ٨٤٪ من الدعم المخصص لتطوير البحث من أجل التنمية، و٩٥٪ من براءات الاختراع في المجالات العلمية والتقنية، ويقول أصحاب التقرير إن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى خلق عدد كبير من المنبوذين على المستوى العالمي يحكم عليهم بالبقاء ضمن لائحة الفقراء.

هيمنة الثقافة الأمريكية

لكن الأمر الأكثر خطورة هو المتعلق بقضية الثقافات والهويات الحضارية للشعوب، وهنا يقف التقرير الأممي مطولاً ليحذر في الأخير من خطر محو الثقافات الهامشية وسحقها من طرف الثقافة الأمريكية بالخصوص التي تزحف على أوروبا وباقي دول العالم، لقد كشفت دراسة قامت بها منظمة اليونسكو أن الثقافة أصبحت ذات أهمية اقتصادية فائقة، وأن قيمة المبادلات العالمية من الإنتاج الثقافي تضاعفت ثلاث مرات بين عامي ١٩٨٠م و ١٩٩١م، وقفزت من ٦٧ إلى ٢٠٠ مليار دولار، وتنتج الولايات المتحدة ٦٢٪ من الإنتاج العالمي في هذا المجال، بينما لا تنتج أوروبا وآسيا سوى ٨٪، وتنتج أمريكا اللاتينية ٣٠٪، وفي ١٩٩٦م نجد أن الصناعة السينمائية الأمريكية هيمنت على ٧٠٪ من حجم السوق الأوروبية، و٨٣٪ من حجم السوق في أمريكا اللاتينية، و٥٠٪ من حجم السوق اليابانية، بينما لا يشكل الإنتاج الأجنبي في السوق الأمريكية سوى نسبة ٣٪. ومعنى ذلك أن العالم كله يستهلك المنتجات الأمريكية، بينما تظل الولايات المتحدة مغلقة في وجه المنتجات الواردة من غيرها، ويخلص التقرير من هذه الأرقام إلى نتيجة كافية للتنبيه للخطر، وهي أن طوفان الثقافة الأجنبية يهدد بتخريب التعددية الثقافية عبر العالم ويدفع إلى مزيد من التخوف من فقدان الهوية الثقافية للشعوب الأخرى.

إنه اخر تقرير في هذا القرن والعالم على عتبة الألفية الثالثة، ينبغي أن نقرأ خلاصاته ونتائجه وأرقامه بنوع من الفطنة والسلوك العلمي الذي يرصد الأخطار ويتوقاها قبل حلولها، وأن يتخذ أصحاب القرار في العالم العربي الإسلامي مبدأ التخطيط للمستقبل، لتحصين الهوية وإعداد برنامج ثقافي وإعلامي عربي وإسلامي لا يكتفي بالدفاع عن الهوية في وجه الهجوم الكاسح للعولمة القادمة، بل يخوض المعركة لنقل صورة الإسلام للغرب والعالم في ساحة الإعلام والثقافة عبر استراتيجية محكمة تعتمد التخطيط قاعدة لها بملاءمتها مع الأهداف المتوخاة، إذ لا شك أننا مقدمون فعلاً على حرب حضارات ضروس لا ترحم الضعفاء، وليس من الضروري أن يعلن الغرب عن قيام حرب الحضارات لتقوم، فهي قائمة فعلاً بغير سلاح، وما يسجله التقرير من هجوم ثقافي أجنبي ليس إلا وجهاً من أوجه هذه الحرب الحضارية الكبرى، وقد ينفع التعامل الاستراتيجي والمخطط له مع اليات العولمة في تحويل هذه الحرب إلى حوار الحضارات، وخصوصاً أن الغرب نفسه يتحدث عن كون القرن القادم، قرن الأديان والعقائد والثقافات، وأمام المسلمين فرص كبيرة لو أحسنوا السلوك المنهجي والعلمي مع مقتضيات العولمة.

(*) كاتب مغربي.

الرابط المختصر :