العنوان أطفال الإعلانات انتهاك البراءة واغتيال المستقبل
الكاتب نهاد الكيلاني
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1263
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 19-أغسطس-1997
أولادنا أمانة، ولا بد من تنشئتهم على الأخلاق الفاضلة، وحمايتهم من الفحش والابتذال
أطفال الإعلانات لا يتصرفون كأطفال، ومعظمهم عاش حياة مشوهة عندما كبر
وسائل الإعلام مطالبة بوضع القوانين التي تجنب الأطفال الوقوع كفرائس لوكالات الإعلانات
طفلة بمكياج كامل ترقص وتغني، وتعلن عن أنوثتها المبكرة مع إعلانها عن سلعة غذائية، وتدفع براءة طفولتها مقابل أجرها المغري عن كل إعلان، إنها نموذج لانتهاك واستغلال البراءة في صفقات إعلانية تضع مستقبل أطفال الإعلانات في كفة، والرواج السلعي في كفة أخرى، وتعمل على ترجيح الأخيرة مهما كان الثمن باهظًا.
وإذا كان المهتمون بعالم الطفولة قد حذروا من خطورة الإعلانات وآثارها السلبية على سلوكيات الطفل وأحلامه المستقبلية، فإن أطفال الإعلانات أنفسهم جديرون أيضًا بالاهتمام البحثي الذي يمهد لإخراجهم من عالمهم المبهر شكلًا، والمدمر مضمونًا.
فهم ضحايا طموح الآباء والأمهات، وطمع منتجي السلع والخدمات، وغياب الاعتبارات السلوكية والأخلاقية التي تحكم إنتاج الإعلانات، إننا نطلق جرس الإنذار، ونحذِّر من موجة أطفال الإعلانات التي لن تمر بسلام ما دمنا نفسح لها المجال.
ينتقد الدكتور عبد الودود شلبي -الأمين العام السابق للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر- ظاهرة عمل الأطفال في الإعلانات، ويقول: إن الأبناء أمانة وضعها الله بين يدي الآباء، وهم مسؤولون عنها، فإن أحسنوا إليهم بحسن التربية كانت لهم المثوبة، وإن أساءوا تربيتهم استحقوا العقوبة، وقال د. شلبي: فعندما ندفع بالفتيات الصغيرات إلى الرقص والميوعة في هذه الإعلانات، فإننا نفرط في الأمانة؛ لأننا نربي الطفلة على غير تعاليم الإسلام، ونعلمها أفعالًا لا تتفق وكرامة الفتاة وأنوثتها وعفتها وحياتها، الذي هو عنوان الفضيلة والإيمان.
وأضاف د شلبي: وفي الحقيقة الطفل غير مكلف شرعًا بممارسة أي عمل يرهقه ذهنيًا أو بدنيًا، ونحن نعلم أن الأبناء عندما يولدون إنما يولدون مزودين بقوى فطرية تصلح للتوجيه، إما للخير وإما للشر، وعلينا أن نتقي الله بتوجيه وتصريف هذه القوى إلى وجهة الخير، وقد قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ إن وقاية الأنفس والأهل من النار إنما تكون بالتعليم والتربية، وتنشئتهم على الأخلاق الفاضلة.
ويؤكد د. عبد الودود شلبي أن الإسلام يعطي لكل مرحلة علمية حقها وما يناسبها في كل شيء حتى في الطعام، ولذلك فمن المبادئ المقررة في الإسلام أن التكاليف الشرعية لا تكون واجبة على المسلم إلا بعد سن البلوغ، وهذا يعني أن الطفل غير مؤهل لأي عمل من هذه الأعمال التي ترهقه بدنيًا وذهنيًا وروحيًا، وظاهرة الاستخدام السيئ للأطفال في الإعلانات التليفزيونية وغيرها من الأعمال الفنية ظاهرة خطيرة، سوف ينعكس أثرها على مستقبل هؤلاء الأطفال وعلى تكوينهم النفسي والاجتماعي، ولن نستطيع أن نجعل منهم رجالًا يخدمون الوطن، ويكونون قدوة لغيرهم.
والأمر الجدير بالذكر -كما يؤكد د شلبي- أن هذه الظاهرة يحاربها الآن الغربيون حتى أنني قرأت قريبًا مقالًا في مجلة «ريدرز دايجست» الأمريكية يحذر من قيام المخرجين السينمائيين بتكليف الأطفال بأعمال لا تتفق وطبيعة تكوينهم وبراءتهم، ويؤكد أن ارتفاع معدل الجرائم في أوروبا وأمريكا إنما يرجع في جزء منه إلى تفشي هذه الظاهرة التي بدأت تنتقل إلينا، وقد أصدرت الأمم المتحدة قرارات كثيرة تجرم استخدام الأطفال استخدامًا سيئًا في أي أعمال لا تتفق وطبيعة أعمارهم، ونشرت مجلة «تايم» مقالًا منذ عدة سنوات نددت فيه بما يحدث في العالم الثالث من استخدام سيئ للأطفال، ووصفته بجريمة اغتيال مستقبل الشعوب.
وهذا ما حذر منه الإسلام، فمن أهم مقاصد الشريعة الإسلامية حماية النسل من الانحراف والإهمال وإساءة التربية، وظاهرة الاستخدام السيئ للأطفال في هذه الإعلانات يحاربها الإسلام ويستنكرها.
ويحذر أيضًا علماء النفس من هذه الظاهرة، خصوصًا بعد ظهور آثارها على الأطفال في الغرب، فقد ذكر الدكتور مايكل شوارتسمان المعالج النفسي للطفل «ماكولي كاكلين» الذي وصل أجره في فيلم أغنى رجل في العالم إلى ثمانية ملايين دولار- أن ماكولي في حالة عقلية هشة، لا يدري ماذا يفعل، يقيم حفلات صاخبة، يدعو إليها المراهقين، ويسبب إزعاجًا للجيران، ويحيا حياة مشوهة.
ويؤكد دكتور شوارتسمان أن العديد من الأطفال الذين يعملون في الإعلانات والأعمال الدرامية غالبًا ما يُصابون بالاكتئاب عندما تهبط أسهمهم كنجوم، فيشعرون بالضياع، ويكونون دائمًا في قلق مستمر على سحب البساط من تحت أقدامهم، ومعظم الممثلين الأطفال عاشوا حياة غير مستقرة، ومنهم من ضاع مستقبله وأدمن المخدرات.
ويؤكد ذلك الدكتور قدري حفني -أستاذ علم النفس والتربية بجامعة عين شمس- مشيرًا إلى أن الطفل الذي يعمل لا يشعر بأنه طفل، وبالتالي لا يتصرف كطفل، وإنما يتصرف كعامل يؤدي عمله
ويحاسب على حسن أدائه لهذا العمل، ويضيف: إن الاتجاه في العالم كله الآن أدى إلى تقليص ظاهرة عمالة الأطفال؛ لأنه من حق الطفل أن يعيش طفولته، وأن يتعلم ويلعب، وتعليم الطفل والطفلة احتراف الرقص والميوعة في الإعلان امتهان لمشاعر الطفولة، وتزييف لها، ويجب أن يكون عند المعلن وازع من دين أو ضمير يحكمه قبل استغلال الأطفال في أعمال تخرجهم من دائرة التلقائية والبراءة والطهارة.
قوانين لحماية الأطفال:
ويؤكد الدكتور سليمان صالح -الأستاذ المساعد بكلية الإعلام جامعة القاهرة- أن حماية الطفولة مسألة ضرورية في المجتمع، فالطفل في سن لا يستطيع فيها أن يختار الاختيار الصحيح، ولا يعلم الصواب من الخطأ، فلا بد من حمايته وحماية جسده وعقله وسمعته، وحفظه من أن يرتكب شيئًا وهو صغير يسيء إليه عندما يصبح عاقلًا قادرًا.
ويعتبر استغلال الأطفال في الإعلان امتهانًا لكرامة الطفل، وانتهاكًا لبراءته وإنسانيته، ومن المفترض أن تكون هناك نصوص قانونية تحذر من عمل الأطفال، حتى لو وافق الوالدان؛ لأن واجب المجتمع أن يحافظ على كرامة الأطفال في هذه السن الصغيرة.
وهناك قانون بالولايات المتحدة الأمريكية يشترط على الإعلانات التي تبث خلال برامج الأطفال أن تهدف إلى تحقيق أغراض معلوماتية وتعليمية، فلا بد أن تعطي قدرًا من المعلومات، ولا يكون الهدف منها الترفيه أو جذب الانتباه أو الربح فقط، وقد صدرت هذه القوانين نتيجة لتدهور مستوى الأطفال الأخلاقي في العالم الغربي، وقد أكدت الإحصاءات الأخيرة أن حوالي اثني عشر مليون طفل يستخدمون في الدعارة كرقيق أبيض في أوروبا وحدها.
إنها حضارة رديئة تلك التي تعرض الأطفال لهذا الامتهان والضياع؛ ولذلك لا بد من وضع نصوص في مواثيق الشرف الإعلامي، أو قوانين تحمي الأطفال من كل ما يمسهم من انتهاكات، ومن أهمها حظر استخدام الأطفال لأغراض تجارية، كالتسويق وتحقيق الأرباح.
فعندما يستخدم الطفل في الإعلان لا بد أن يكون ذلك بشكل مسؤول، وفي حدود مواثيق الشرف، أو تحت رقابة قوانين رادعة تراعي حركة جسد الطفل، حتى لا تتعرض هذه الحرمة لأي نوع من الاستخدام غير المسؤول.