العنوان دبلوماسية المعسكرات من كامب ديفيد إلى «واي بلانتيشن»
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
- خبراء التفاوض: فرصة للوسيط الأمريكي غير المحايد للضغط على الطرف العربي
- إبراهيم كامل وزير خارجية مصر الأسبق: خشيت أن يغتالني الموساد أو C.I.A في كامب ديفيد بسبب معارضتي للاتفاق!
- د. إبراهيم البحراوي: «مذكرات التفاهم» حيلة أمريكية معروفة لإلقاء المطالب العربية في القمامة!
كامب ديفيد.. واي بلانتيشن أو «مزارع واي».. دايتون.. أوسلو وغيرها، نماذج لمعسكرات أو معازل شهيرة عقدت فيها مفاوضات سلام مصيرية بين الدول العربية والإسلامية «البوسنة في دايتون» والعدو الصهيوني أو الصربي برعاية الوسيط الأمريكي، فيما أطلق عليه البعض «دبلوماسية المعسكرات» أو «دبلوماسية الاعتقال والعزل» لفترة زمنية حتى تتوصل الأطراف المتصارعة إلى اتفاق سلام بعيدًا عن تأثير أجهزة الإعلام، التي تمثل عنصر ضغط على المتفاوضين في كثير من الحالات.
وقد تمت تجربة هذا الأسلوب -أي استراتيجية عزل المتفاوضين بعيدًا عن الصحافة- في حالات كثيرة أشهرها عام ١٩٧٧م في «كامب ديفيد» عندما جمع الرئيس كارتر الوفدين الإسرائيلي «برئاسة مناحيم بيجين» والمصري «برئاسة الرئيس السادات» مدة ١٨ يومًا كاملة في هذا المنتجع المعزول حتى تم التوصل لاتفاقية كامب ديفيد الشهيرة، أيضًا اتبع الأسلوب نفسه في عام ١٩٩٣م، عندما اجتمع الإسرائيليون والفلسطينيون في الترويج لمدة عشرة أيام تقريبًا، حتى تم التوصل لاتفاق أوسلو، واتبع الأسلوب نفسه مع البوسنيين، حيث تم جمع المسلمين والكروات والصِرب في «دايتون» بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث وقَعت في النهاية اتفاقات البوسنة سنة ١٩٩٥م.
وتكررت الاستراتيجية ذاتها في منتجع أو ضيعة «مزارع واي» التاريخية بولاية ميريلاند الأمريكية مرتين.. مرة عام ١٩٩٥م، عندما جمع الأمريكان الإسرائيليين والسوريين للتوصل لاتفاقية سلام، ولكنها فشلت، ومرة أخرى هذا الشهر «أكتوبر ۱۹۹۸م» بجمع الوفدين الإسرائيلي «برئاسة نتنياهو» والفلسطينيين «برئاسة عرفات» على أمل التوصل لاتفاق حول المرحلة الثالثة من الانسحاب من الضفة بنسبة 13% نظريًا، و10% عمليًا·
ومع أن الهدف من هذه الدبلوماسية أوالاستراتيجية «الأمريكية» هو تحقيق نوع من العزلة للوفود، والأُلفة فيما بينهم، وإبعاد أي تأثيرات إعلامية عليهم قد تؤثر في قراراتهم، أو تُفشل اللقاءات، ومن ثم تساعد -في النهاية- على كسر الجهود، وإنجاز اتفاقيات سلمية، فقد أثبتت التجارب السابق الإشارة إليها، أن هذه العزلة تأتي دومًا لصالح الطرف الصهيوني، وعلى حساب الطرف العربي، وأن أجواء هذه المعسكرات أو المعازل تأتي مقرونة بضغوط أمريكية وتهديدات، وربما بالعصا والجزرة «مثل قول كلينتون لعرفات في واي بلانتيشن: إن توقيع الاتفاق سيعود بمزايا مادية على الفلسطينيين، وتهديد وزيرة الخارجية أولبرايت بأن هذه الفرصة قد لا تتكرر».
وقد أشار لهذا الكثير من المفاوضين المصريين في مذكراتهم - مثل: د. إسماعيل فهمي، وإبراهيم کامل وزيري خارجية مصر السابقين، واللذين قدما استقالتيهما بسبب التنازلات التي قدمها الرئيس السادات -في اتفاقية الصلح مع إسرائيل- بل إن الوزير إبراهيم كامل قال: إنه خشي على نفسه في «معتقل» كامب ديفيد من أن يقتله الموساد، أو المخابرات الأمريكية، تحت ستار حادث عارض، أو مرض مفاجئ، بعدما قدّم استقالته للسادات، وحاول الخروج من هذا السجن، أو القلعة قبل توقيع الاتفاق الذي تضمن تنازلات عديدة، وقال: إن هذه الهواجس والأفكار ظلت تشغل عقله داخل كامب ديفيد! (1).
اجتماعات داخل السجون!
واللافت أن الاجتماعات التي جرت في السابق بهذا الأسلوب مثل الاجتماعات المصرية - الإسرائيلية - الأمريكية، كانت تتم في قلاع أو معسكرات بل وسجون تاريخية! وبشكل دائم، قد يؤثر على نفسية المفاوض العربي، خصوصًا أن إسرائيل تنظر لأمريكا -كما أعترف بذلك الرئيس الأمريكي كارتر في مذكراته- على أنها حليف» (2).
وكما اعترف بذلك موشي ديان - وزير الدفاع الإسرائيلي في فصل «المحاذرة» من كتابه «الاختراق»، حيث قال -على سبيل المثال- الواقع أننا كنا قد توصلنا حول الموضوع الرئيس الخاص بالفلسطينيين إلى صيغة متفق عليها مع الأمريكيين!
فقد عقدت لقاءات مثلًا بين المصريين والإسرائيليين في قلعة «ليذر»، التي كانت سجنًا في القرون الوسطى، والتي عاش فيها هنري الثامن قبل أن يطيح برأس زوجته «آن بولين»، ثم استؤنفت المباحثات بعد ذلك في قلعة ومعتقل كامب ديفيد بشكل دعا الكثيرين للتساؤل: هل هذا لأسباب أمنية وإعلامية فقط «العزلة عن الصحفيين»، وبالتالي البعد عن التأثيرات الخارجية، أم لاعتبارات نفسية مقصودة؟
ففي كامب ديفيد مثلًا وصف وزير خارجية مصر إبراهيم كامل، المكان بأنه «ألعن من السجن شوية»، وقال إن السادات أبلغه أن كامب ديفيد تذكره بأيام كان في المعتقل، ورد عليه إبراهيم كامل بقوله: إن هذا هو شعوري بدوري، وكشف إبراهيم كامل أن أمريكا اشترطت شرطًا غريبًا جدًا على اجتماعات كامب ديفيد: أن السفير الأمريكي في القاهرة «هيرمان أيلتس» أبلغه به وقتها، وهو أن يستمر التفاوض والمباحثات لمدة أسبوع على الأقل! الأمر الذي علّق عليه كامل قائلًا: «سجن يعني»؟ (3).
أما في مفاوضات «واي بلانتيشن» الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقد اشترطت واشنطن أيضًا أن تستمر ثلاثة أو خمسة أيام على الأقل، لحين التوصل لاتفاق، وكان هناك اتجاه أمريكي واضح لتأييد الشروط الإسرائيلية الأمنية المطلوبة من الفلسطينيين، خصوصًا بعدما أكد الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية «موشي فوجل» أن مساحة مسألة الأرض التي سنتخلى عنها للفلسطينيين قد سوّيت»، وأن نجاح القمة مرتبط بالضمانات الأمنية التي سيقدمها الفلسطينيون.
وخطورة المفاوضات الأخيرة تنبع من عدة أمور جملة واحدة:
1- فالفلسطينيون -كما يقول خبراء مصريون لــ المجتمع- ليس لديهم ظهر عربي موحد وقوي يستندون إليه عند تقديم أي طلب مما يجعل الصهاينة يرفضونه بدون خوف من أي رد فعل عربي!
2- وخيرة مفاوضات أوسلو -كما يقول «حسن عصفور» منسق شؤون المفاوضات في السُلطة الفلسطينية (4) - أثبتت أن التفاوض عبر القيادة المباشرة «عرفات أو غيره» وليس عبر الفريق التفاوضي يؤدي لمزيد من التنازلات، لأن القيادة غير قادرة على رؤية الأمور مثلما يراها المفاوض.
3- أما الأمر الأخطر في واي بلانتيشن -كما أكدت مصادر في الوفد الفلسطيني، وكما أكدت نشرة «فورين ريبورت» التي تصدرها مجلة إيكونوميست نقلًا عن مصادر المخابرات- فهو حالة عرفات الصحية التي تثير التساؤلات، إذ إن هذه الحالة كانت حديث الوفود والصحفيين خارج قاعة المحادثات في «واي بلانتيشن»، فقد أكدت مصادر في الوفد الفلسطيني أن عرفات اضطر لإلغاء زيارة ودية لعيادة الملك حسين، الذي يُعالج من مرض السرطان، بسبب حالته -أي عرفات- الصحية، ووصفت هذه الحالة، بأنها اكتئاب نفسي وعصبي، تشتد على عرفات لحد أنه «من الناحية الذهنية بالكاد يؤدي وظائفه الطبيعية»!، وقد وصفت فورين ريبورت هذا المرض بأنه مرض «باركنسون» الذي من أعراضه الاكتئاب والرعشة غير الإرادية لبعض أجزاء جسمه، ومن هنا دار التساؤل التالي: كيف يستطيع عرفات وهو في هذه الحالة، ووسط أجواء الضغط الأمريكية «مصادر البيت الأبيض قالت: إن كلينتون لن يضغط على نتنياهو، ولكنه لن يسمح له أو لعرفات بالمغادرة قبل التوقيع على اتفاق، لأن وضعه -كلينتون- السياسي لا يسمح بفشل المفاوضات!» أن يقود الوفد الفلسطيني في المفاوضات التفصيلية الدقيقة لورقتي عمل المخابرات الأمريكية والوفد الإسرائيلي واللتين ستكونان أساس المناقشات للوصول للإجراءات الأمنية المطلوبة من الجانب الفلسطيني؟!
خبرة كامب ديفيد
ومن عيوب «دبلوماسية المعسكرات» وفق خبرة كامب ديفيد، أنها تجعل الطرف العربي في جيب الصهاينة، خصوصًا أنه يكون «الضعيف»، في ظل وجود وسيط منحاز، فعلى سبيل المثال، اشترط الصهاينة عشرات الضمانات، وطالبوا بتعهدات أمريكية، وتعويضات مالية ضخمة، وكان بعض هذه الضمانات بمثابة قيود على حرية وحيادية واشنطن، وهو نفس ما يحدث في واي بلانتيشن، حيث طالب الصهاينة بتعويضات وبضمانات أمنية، وصلت لحد تسخير المخابرات الأمريكية لعمل تقارير استخبارية ومراقبات في أراضي الحكم الذاتي وتسليمها للقادة الصهاينة، فقد اشترط الصهاينة في كامب ديفيد توقيع اتفاق ضمانات بين إسرائيل وأمريكا لضمان التزام مصر بمعاهدة السلام، وجاء الاتفاق بشكل أدى لتخلي أمريكا -كما يقول د. إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر الأسبق- «عن حيادها في حالة نشوب حرب بين إسرائيل والدول العربية»، إذ نَص الاتفاق على تقديم دعم أمريكي لإسرائيل ردًا على أي انتهاكات لمعاهدة السلام، وكأنه يفترض أن هذه الانتهاكات ستكون من جانب مصر، وليس إسرائيل!
والأغرب أنه لم يتم إبلاغ مصر بهذا الاتفاق الإسرائيلي - الأمريكي الملحق بالاتفاقية المصرية - الإسرائيلية، إلا قبل ٢٤ ساعة من حفل التوقيع على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل.
وخطورة هذه الاتفاقات الجانبية بين أمريكا وإسرائيل، أنها قد تتضمن بنودًا تتعارض تمامًا مع بنود الاتفاق الذي قد توقعه الدولة العبرية مع الطرف العربي ذاته مثل توقيع اتفاق تفاهم مع الفلسطينيين، يؤكد تفهم الإدارة الأمريكية لخطورة الاستيطان، ووضع القدس، ثم توقيع اتفاق آخر مع إسرائيل يؤكد تفهم الإدارة الأمريكية لرأي إسرائيل في استمرار البناء، وتفهمها أكثر لموقفها من القدس! وهناك نماذج عديدة من واقع خبرة كامب ديفيد تدلل على عدم الحياد الأمريكي، فخلال المفاوضات - كما يروي موشي ديان في مذاكراته أنه «طوال المفاوضات -في كامب ديفيد- كان الإسرائيليون يخشون أن يطالب الوفد الأمريكي بتنفيذ البند الذي يشير إلى عدم جواز الاستيلاء على أرض أجنبية بالقوة كما نَص على ذلك القرار رقم ٢٤٢»، واعترف بأنه «لو فعلت الولايات المتحدة ذلك لكان الموقف الإسرائيلي قد أصبح ضعيفًا للغاية»، ثم يقول ديان: «كنا نخشى أن يُقال لنا إن إسرائيل ملزمة بالجلاء عن الضفة الغربية وغزة بأسرهما وأن للفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم المستقلة، ولكن الولايات المتحدة لم تبذل أي ضغط على إسرائيل فيما يتعلق بهذه المسائل الحيوية، ولم تشر على الإطلاق إلى هذه الفقرة الواضحة من قرار مجلس الأمن رقم 242»!
وفي مذكراتهم الشخصية عن التفاوض، كان من اللافت أن الصهاينة مثل ديان أو عيزرا وايزمان «رئيس الدولة اليهودية الحالي»، يعتبران المفاوضات مع أي طرف عربي بمثابة أهم معركة يخوضانها، وأنهما يعتبران «السلام» خطوة في طريق طويل هدفه إقامة إسرائيل الكبرى -وهو ما يعترف به نتنياهو أيضًا في كتاباته التي نشرت بعد تولية السُلطة- وأن كلًا منهم يرى أن السلام ينبغي أن يكون تتويجًا للمجهود العسكري الإسرائيلي، وأن كامب ديفيد أو غيرها من المفاوضات السرية المعزولة عن العالم أشبه بعملية استدراج للطرف العربي للتوقيع على شيء أشبه بما يطلق عليه في القانون الدولي «عقد الإذعان» (٥).
وقد أشار لهذا إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر الأسبق في مذكراته فقال مشيرًا لهذه النتائج: «ماذا حقق السادات في نهاية المطاف؟ وما هو السلام الذي زعم أنه أتى به لبلاده؟».
ويقول: «السادات لم يستعد سيادة مصر كاملة على سيناء، لأن بنود معاهدة السلام وُضعت بشكل يمنع مصر من ممارسة سيادتها الكاملة على شبه الجزيرة، ولا جدال في أنه منذ أبريل ۱۹۸۲م، أصبحت المنطقة داخل حدود مصر الدولية، ولكن ظلت هناك قيود على كيفية استطاعة مصر الاستفادة من ذلك الإقليم، وبدلًا من إعادة سيناء إلى مصر، وبدون قيود، فإن السادات وقع وثيقة وضعت شروطًا قاسية على مدى تحرك الجيش المصري وقواته في سيناء» (6).
ومن الواضح أن طبيعة مقر التفاوض داخل قلعة أو منتجع معزول مع زيادة الضغوط الأمريكية على الطرف العربي، إضافة لدخول المفاوض العربي عملية التفاوض وظهره ضعيف، كلها تؤدي في النهاية لتنازلات خطيرة، فالسادات كان يفاوض وهناك خلافات بينه وبين غالبية الدول العربية ووزيرين للخارجية اعترضا عليه وقدما استقالتيهما، ووصل الضغط عليه حد زعم الصهاينة -خصوصًا ديان- أن السادات اعترف بسعيه لإنجاز اتفاقية سلام منفصلة مع إسرائيل! أما عرفات فيفاوض وليس في يده أي كارت ضغط واحد أو موقف عربي جماعي يسانده، ولم يعد لديه شيء يخسره!
آراء الخبراء
بداية يؤكد د. قدري حفني -خبير الدراسات الصهيونية وأحد خبراء التفاوض الذين شاركوا في مفاوضات مدريد ۱۹۹۱م ضمن الوفد المصري- أن أسلوب عزل أطقم التفاوض فكرته هي العزل عن الإعلام، لأن المفاوضات أمام الإعلام أمر غير عملي، والعزل يحول دون تأثير الإعلام على المتفاوضين، ولكنه يفسح مجالًا -بطبيعة الحال- للضغط على المتفاوضين من قِبَل الوسيط «أمريكا - مثلًا».
ويتساءل: هل يمكن في هذه الحالة تصور ممارسة ضغط أكثر على الفلسطينيين؟! ويرد قائلًا: «في تصوري، الفلسطينيون ليس لديهم ما يفقدون، وهذه هي الأزمة الحقيقية التي تواجه الإسرائيليين!، بمعنى أن المبادرة الأمريكية قد قبلها الفلسطينيون! قبل التفاوض رغم ما بها من قصور والخلاف حول المسائل الأمنية ليس هو الأصل رغم أنه الظاهر على السطح «لأن هناك اتفاقًا أمنيًا»، ولكن القضية والخلاف هو حول الأرض، وقضية تسليم فلسطينيين أو أعضاء من حماس لمحاكمتهم في إسرائيل ليست سوى فرقعة إعلامية».
ويضيف: «أتوقع أن تراهن إسرائيل على عمل مزدوج بمعنى أنها لو استطاعت الخروج من هذه الاجتماعات دون أن توقع على أي شيء فهذا هو الهدف الأول، ولعل اصطحاب نتنياهو لشارون معه يحمل هذا المعنى».
والقضية الأهم في التفاوض -كما يقول د. قدري حفني- ليست هي التوقيع، بل مصداقية هذا التوقيع، وبعبارة أخرى، فالقضية هي أن نتنياهو لا يحترم توقيعه حتى لو وقع؟
مذكرات تفاهم سرية للطرفين
أما د. إبراهيم البحراوي -الخبير في الشؤون الإسرائيلية- فيلفت الأنظار إلى توقيع الوسيط الأمريكي المنحاز مذكرات تفاهم مع الإسرائيليين مضادة تمامًا للمذكرات التي وقعها ذات الوسيط مع الطرف العربي بما يعني إلغاء الثانية! ويشرح ذلك قائلًا: إن مسألة حبس المفاوضين في معسكر مغلق تضع المفاوضين العرب تحت ضغوط عالية جدًا من أمريكا وإسرائيل معًا، وإذا صمم على مطالبه، فهناك «حيلة أمريكية معروفة» منذ أيام كامب ديفيد، تتلخص في إحالة الطلبات العربية لخطابات أو مذكرات تفاهم بين الطرف العربي والإدارة الأمريكية، ولكن هذه الخطابات لا تدخل في صلب الاتفاق الأصلي الموقع!! أي أنه يتم تحويل الطلب العربي أو الفلسطيني لخطاب تفاهم بين أمريكا وهذا الطرف تقر فيه واشنطن أنها تتفهم مطالبه «مثل منع الاستيطان في القدس»، ثم لا يلبث هذا الخطاب أن يزاح في نهاية الأمر، ولا تصبح له قيمة، ولا يلتزم به الطرف الإسرائيلي، الذي يكون قد أملى شروطه في الاتفاق الأصلي الموقّع والملتزِم به الجميع.
ويضيف د. إبراهيم البحراوي: أن هناك خطابات تفاهم بين كارتر والسادات فيما يتعلق بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعدم المساس بالقدس وغيرها «أربعة خطابات»، وكانت هذه الخطابات تعتبر -في البداية- ملزمة للطرف الإسرائيلي، ولكن انتهى الأمر لعدم أهميتها، إذ إنه -غالبًا- عندما يحين موعد فتح الملفات يتنصل الطرف الإسرائيلي، ونكتشف أن الوسيط الأمريكي كان قد أعطى خطابًا موازيًا للطرف الإسرائيلي يلغي خطابات الإدارة الأمريكية للطرف العربي! والإسرائيليون عادة يخفون ذلك الخطاب ولا يظهرونه في وقت التفاوض ويحتفظون به سرًا، ثم عندما يحين موعد فتح الملف الجديد «القدس أو الاستيطان مثلًا»، يظهر الإسرائيليون ما لديهم من خطاب مضاد من الإدارة الأمريكية أيضًا والذي يكون موازيًا وصادرًا في التاريخ نفسه -غالبًا- الذي صدر فيه الخطاب الأمريكي للطرف العربي، ولكن -على العكس- بتفهم وتعهد أمريكي مضاد للطرف الإسرائيلي! وبالتالي نجد أنفسنا في نقطة الصفر، وتكون هذه الحيلة قد مررت الاتفاقية بالشروط المجحفة للطرف العربي في نهاية الأمر!
سلاح خطير
ويؤكد د. محمد أبو ليلة -رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر- وأحد الذين دخلوا في اشتباك مع الإسرائيليين في أحد اجتماعات منظمة الأمن والتعاون الأوروبي بالقاهرة أكتوبر (1995م)، الخاصة بمفاوضات نزع السلاح (۷)، فقال إن التفاوض فن وعِلم، وهو سلاح خطير يمكن أن يفيد أو يبيد!، مشيرًا إلى أنه اليوم سلاح خطير في يد الغرب يستعمله في الحصول على مكاسب مباشرة أو غير مباشرة، وبخاصة في تعامله مع الشعوب الأخرى النامية، ونظرًا لكثرة النزاعات وزيادة حدة التوتر في العالم المعاصر، وكذلك تفاقم مشكلات ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتهاوي المعسكر الشرقي، فإن التفاوض كآلية مُرضية مدروسة قد برزت على الساحة، وأصبحت هناك اتجاهات عديدة فيها وأصبحت في بعض الأحيان وسيلة للضغط.
ويضيف أن عملية التفاوض القائمة على دبلوماسية المعسكرات وهي من مستجدات عملية التفاوض يحوطها الكثير من الريب والشكوك، إذ إنها قد تتضمن اتفاقات سرية مجحفة، وبالطبع يكون الطرف المغبون فيها هو الجانب الأضعف سياسيًا وعسكريًا واقتصاديا، والذي ربما يكون هو صاحب الحق المسلوب وهو كذلك!
الهوامش
1- حكى هذا لمحمود فوزي في كتابه «كامب ديفيد في عقل وزراء خارجية مصر»، تأليف محمود فوزي، ص ١٤٩.
2- كارتر قال في مذكراته حول كامب ديفيد ص 45، إنه سعى لتوفير جو من الهدوء والعزلة النسبية في كامب ديفيد على أمل التوصل لحل، وأضاف: «لَم ألبث أن اكتشفت أن الأول «بيجن» ينظر إليّ بنوع من المبالغة نظرته إلى «حليف»، والثاني «السادات» لديه ميل مفرط لاعتباري خصمًا».
3- من كتاب «كامب ديفيد في عقل وزراء خارجية مصر» السابق ذِكره.
4- حسن عصفور، الواقع التفاوضي الفلسطيني، مقال منشور في مجلة «قضايا دولية، عدد ٣٥٩ ص ٥٢».
5- ماذا نأخذ بالمفاوضات، تأليف وترجمة: ناهض منير الريس ترجمة فصول من مذكرات وایزمان ودیان.
6- إسماعيل فهمي «مذكرات»، التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط ص ٤٣٣.
7- د. أبو ليلة نصح الإسرائيليين خلال الندوة بالتخلي عن السلاح النووي، وهاجم احتفاظهم بالسلاح النووي، ورَد عليه أعضاء الوفد الإسرائيلي بعنف وتحول الأمر إلى مشادة بين الإسرائيليين والمصريين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل