الثلاثاء 22-سبتمبر-1981
الحلقة الرابعة عشرة
يتجه مصطفى كمال في هذه الفترة إلى محاولة الحصول على ما يمكن الحصول عليه من روسيا البلشفية. يعقد آمالًا كبيرة على البلشفيين في روسيا. يحاول التباحث معهم. يرسل الرجال من عنده إليهم، كان يظن أن البلشفية والشيوعية شيئان عظيمان للغاية. وكان يرى أن تركيا ينبغي أن تحيا بهذا النظام، كان يرى أنه لا بد من الاتحاد مع الروس. كان يتصور أنه بالتعاون مع الروس سيرسلون إليه نجدة وعونًا، ويرسلون إليه جيشًا من الأتراك والتتار الموجودين في نطاق روسيا يسميه الجيش الأخضر، وانتشرت هذه الفكرة في كل مكان. كل الناس كانوا مندهشين من هذا الأمر «إذ أن العداء تاريخي مستحكم بين الأتراك والروس طوال كل العصور». سافر بعض أشخاص من أرضروم و طرابزون- في تركيا- إلى مؤتمر كان منعقدًا في مدينة «باكو» في روسيا. ذهبوا إلى هذا المؤتمر والأمل يحدوهم في أنهم سيحصلون على معونات من الروس!
كما أن واحدًا يدعى الدكتور فؤاد الأرضرومي ذهب إلى روسيا وأصبح بلشفيًّا شيوعيًّا، ثم عاد إلى أرضروم- بعد اتفاقه مع الروس على ذلك- ليقلب تركيا إلى بلد بلشفي يصبح هو رئيسه. كذلك شخص يدعى بهاء سعيد أصبح بلشفيًّا في روسيا ثم عاد، ثم أودع السجن في الجبهة الشرقية من تركيا «المقابلة لروسيا» لكنه انقلب معاديًا للبلشفية. ولم يكن يبدو في شكله سمة من سمات النظام، هكذا حال الذين يعودون من روسيا. مطلوب منهم إقامة اتصالات وتحويل منطقتنا الشرقية إلى منطقة شيوعية.
حتى أكذوبة الجيش الأخضر كانت في الأصل أكذوبة روسية أشيعت على جبهتنا الشرقية، ومن هناك انتقلت هذه الكذبة إلى الأناضول حيث ذاعت وانتشرت. كان أول آثارها أنها أيقظت في «الرأي العام» في الولايات الشرقية «من بلادنا» محبة عظيمة للشيوعية، وكان هذا خطرًا عظيمًا، حتى كاظم قرابكير «هذا القائد العسكري أحد كبار أعوان مصطفی کمال» صدق هذه الفكرة وآمن بها، كان يقول إن بالبلشفية سيصبح الروس مسلمين!! وكان مسرورًا من هذا!! ووصل الأمر به أنه أحدث في جيشه بعض تعديلات في الرتب والنياشين على النمط الروسي البلشفي. ولما رأى هذا القائد أن الجيش قد بدأ يخرج من طوع يديه أفاق.
مصطفى كمال يؤمن بأن روسيا هي المنقذ والشيوعية هي المثل!!
لكن مصطفى كمال آمن بهذا الفكر «الشيوعي» الخاطئ، وما زال مستمرًّا في إصراره على هذا. كان بهاء المناسترلي في هذه الأثناء في أذربيجان، لكنه انقلب معاديًا للشيوعية، وحبسه كاظم قرابكير لهذا السبب. وقد كانت أسطورة الجيش الأخضر أكذوبة قصد بها الروس أن تسهل لهم عملية احتلالهم لأذربيجان «المسلمة».
كونوا جيشًا من المسلمين في روسيا من أتراك وتتار، وأشاعوا أن هذا الجيش لا بد له من المرور عبر أراضي أذربيجان ليصل إلى الأناضول في تركيا ليساعد الأتراك في تركيا في حربهم ضد المحتلين الأوروبيين. وبذلك استطاع الروس أن يخدعوا أهل أذربيجان و يدخلوا بلادهم. والذي حدث أن هذا الجيش الروسي لم يتجه إلى تركيا لمساعدتها في حربها ضد جيوش الاحتلال الأوروبية لها، وإنما احتل الروس به أذربيجان. وبذلك تم احتلال الروس لأذربيجان بهذه الطريقة السهلة، وهذه هي كل المسألة، ومع هذا كله فما زال مصطفى كمال يقوم بالدعاية للجيش الأخضر!!
وبينما الأمر على ذلك إذا بالأنباء تفد من إستانبول باستقالة الوزارة «وكانت هذه المرة وزارة فريد باشا» وحلت محلها وزارة علي رضا باشا، وكان طبيعيًّا أن تسقط وزارة فريد نتيجة عدم الدراية.
يقول مصطفى كمال في خطابه إنه لم يكن يريد فريدًا. كان يريد وزارة أخرى شريفة، له الحق في هذا. هيا لنرى ماذا سيفعل إذا جاءت وزارة شريفة بالفعل.. ماذا يجب عليه أن يفعل؟ ها هو ذا علي رضا باشا قد كون الوزارة، وأنه مجرد الشك في وزارة علي رضا، ليعتبر هذا الشك مخالفة صريحة للوجدان والضمير.
مصطفى كمال لا بد وأن يضايق الوزارة، لأن المضايقة هي الطريق الطبيعي لإرضاء طموحه الشخصي، أما مصلحة الوطن فتأتي عنده في الدرجة الثانية.
لماذا لم يحاول إنقاذ إزمير؟
قامت بالفعل في نواحي إزمير عمليات دفاع وطنية ومناوشات مع العدو، ومصطفى كمال في حد ذاته رجل عسكري، وإذا به بدلًا من أن يسرع إلى إزمير، إذ به يتجه إلى الناحية الأخرى.. إلى ناحية أرضروم.
وفي سيواس لا يشغله إلا حكومة إستانبول والسلطان، وأخيرًا وصل إلى أنقرة، فذهبنا نحن بالتالي إلى أنقرة. اجتمع مجلس الأمة وتكونت حكومة في الأناضول. أما لماذا لم يعر جبهة إزمير أي اهتمام فإنه يعترف بهذا، لكنه يحمل المسئولية في هذا إلى رأفت. رأفت سيئ؛ فلماذا لا ترسل أحدًا غيره؟! وأخيرًا دخلت القوات اليونانية مغنيسيا كما دخلت بورصة أيضًا.
ارتفعت درجة الاضطراب، واقترب الخطر إلى أنقرة نفسها، وعندما بدأ القيل والقال انتشرت الإشاعات في المجلس بحيث ملأته، أخذ مصطفى كمال بالاهتمام بهذه الجبهة «أي جبهة إزمير».
مصطفى كمال يريد الفتنة ويسعى إليها
وبمجرد أن تسلمت الحكومة الجديدة في إستانبول مهام عملها، أخذ مصطفى كمال يبحث عن وسيلة ليتشاجر معها. أعضاء الوزارة في أول لحظاتهم فيها.. بل حتى لم يجلس كل منهم على مقعده في الوزارة بعد.. وإذا بمصطفى كمال يطلب من هذه الوزارة أن تعتقل العديد من الشخصيات! كيف بهذه الوزارة تستطيع القبض على ما طلبهم وهي تحت قبضة الإنكليز الذين يحتلون إستانبول؟
بالطبع مستحيل، وهو بنفسه يعرف هذا ويدركه، إنما كل همه أن يشعل معهم خناقة. بعد ذلك يقول لهذه الوزارة الجديدة أن يسلموا له علي كمال ومجموعة أخرى من الذين لا يحبهم هو شخصيًّا، يريد أن يقدمهم للديوان العالي عن افتتاح المجلس، حسنًا جدًّا ولكن ما لزوم التعجيل في هذا؟! لا بد أولًا من افتتاح المجلس ثم اعتقل كما تشاء، لم يكن المجلس وقتها قد افتتح، لا، بل إن انتخاباته نفسها لم تكن قد بدأت بعد. يا للعيب!! ثم إن لكل طلب ولكل اقتراح ولكل تخابر رسميًّا كان أو غير رسمي عاداته وآدابه وأصوله وسلوكه.
في حالة حدوث أمر ما سريعًا ما يقوم مصطفى كمال بإرسال البرقيات إلى الصدر الأعظم وإلى وزير الداخلية في إستانبول. «هذا إزعاج» ولا يستطيع أحد أن يتحمل كل هذا مهما كانت درجة صبره واحتماله. إن مصطفى كمال يفعل هذا عن عمد حتى يحصل، وهو يريده.
عندما تطلب إستانبول التعاون معه يتهمها بالخيانة
يطلب منه الصدر الأعظم موافاته بقرارات مؤتمري أرضروم وسيواس اللذين عقدهما الوطنيون في الأناضول، إذا بمصطفى كمال يصدر حكمه «الفوري» بأن هذا الوزارة خائنة. يصف طلب هذا بقوله: «إنه تدبير شيطاني جديد». من أین أتی بهذا؟ من أين عرفت هذا؟ أتعلم خبايا الصدور؟».
يقول: «أيمكن أن يجهلوا مقررات هذين المؤتمرين؟» هكذا قال. نعم يجهلون، ولمَ لا؟ ومن أين لهم بمعرفتها؟ إنهم ما زالوا بعد في طريقهم إلى منازلهم متجهين نحو الباب العالي «حيث مقر الوزارة» لاستلام مهام مناصبهم. بدلًا من أن تدعي هذا على الوزارة هيا أسرع بإرسال هذه المقررات إليهم. ما هو المحظور في هذا؟! إذا كنت تريد أن تتهم بالجاسوسية إذا ما أرسلت إليهم هذه المقررات أفلم تقل عنهم مستنكرًا «أيمكن أن يجهلوا مقررات هذين المؤتمرين؟!» يعني حسب قولك إنهم يعرفون هذه المقررات.
أنت تقول لهذه الحكومة وفي صيغة الأمر: «أبعدوا الرقابة الأجنبية عن المطبوعات».. إن هذا يدخل في باب التكليف بما لا يطاق. كن أنت في موقفهم، فهل تستطيع إنقاذ المطبوعات من هذه الرقابة؟! إذا كانت بك قوة لفعل هذا فافعل وهو ما لن تستطيعه. إن هذه الحكومة تشكلت والإنكليز يحتلون إستانبول.
المسألة ليست مسألة مطبوعات ولا غيرها، إن المسألة أنه يبحث عن سبب للنزاع والمشاجرة، إنه سيعتبرهم خونة. يا لك من رجل! إن هذا كثير ويدخل في باب قلة الأدب. وبينما الأمر على هذا إذا بعلي رضا باشا الصدر الأعظم «رئيس الوزراء» يتصرف تصرفًا ما أجمله وما أعقله! إنه يقبل طلبات مصطفى كمال، إن علي رضا في جوابه المتعقل هذا يبدو وطنيًّا ومحقًّا للحق، إنه يرى أنه لا بد من حدوث الانتخابات بسرعة. يرى أيضًا أنه لا بد من ترك مستقبل الأمة لرأي نواب الأمة. وإذا بمصطفى كمال يغضب أيضًا لهذا الأمر. لماذا يا مصطفى كمال لا تدعك من هذا؟! هذا الرجل «علي رضا باشا» يوافق على كل أساسيات القضية الوطنية ويقبل كل اقتراحاتك! هيا ضع يدك في يده وتعاونا معًا. لماذا لا تكون وأنت في الأناضول قوة تظاهرهم؟
أخذ مصطفى كمال في التوقيع على كل الرسائل والتخابر الخاصة بالحركة الوطنية وكأنه كل شيء. تسبب هذه المسألة الكثير من النزاعات والاعتراضات الطويلة. الاعتراضات تصل من كل مكان، لكن كل هذه الاعتراضات عنده تساوي صفرًا.كل ما تطلبه حكومة إستانبول «الشرعية» أن يكون مصطفى كمال عونًا لها، وألّا يتدخل في كل شئونها كبيرة كانت أم صغيرة وكأنه السلطان وألّا يأتي بأعمال غير مشروعة.
أما مصطفى كمال فيريد أن يكون المرجع العام والخاص في كل الأمور، وأن يتلقى وزراء إستانبول الأمر منه.
يعيب مصطفى كمال في خطابه الرسمي على الصدر الأعظم علي رضا باشا. يقول عنه إنه ترك مقدونيا. ولكن يا مصطفى كمال أنت أيضًا كنت في الحرب، ثم إنك سلمت سوريا وهي منطقة هائلة للأعداء. فإذا كانت الأولى عيب فالثانية عيب، سيما وأنك عندما كنت في أسكيشهر وكان معك عصمت «أينونو» قد تسبب في هزيمة الجيش وكان متفوقًا وشجاعًا أمام اليونانيين! ثم إنك هممت بالهرب من أنقرة وقت اقتراب الخطر منها، وقمت أنا بالسيطرة على مجلس الأمة، ومنعتك من الهرب.
تكدرت الحكومة في إستانبول تكدرًا تامًا من الإزعاجات التي يقوم بها مصطفى كمال، فأرسلت صالح باشا وزير الحربية إلى أماسيا في الأناضول للتباحث مع الحركة الوطنية في الأمر. التقى صالح في أماسيا بكل من مصطفى كمال ورؤوف وبكير سامي.