العنوان الطاغوتية الجديدة وموقفنا منها
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 40
السبت 19-يوليو-2003
استطاعت الرأسمالية المتوحشة أن تنشئ منظومات فكرية وفلسفية وشبكات فنية ولغوية وأدبية وشركات سينمائية ومؤسسات ثقافية ونوادي اجتماعية وجمعيات نسائية وطفولية في تواز مع المؤسسات الإعلامية العملاقة التي تغطي العالم وتحيط به زماناً ومكاناً إحاطة لا تسمح له أن يرى أو يلمس أو يقرأ غير ما تقدمه له هذه المؤسسات، ومن هذه المؤسسات دور كثيرة للنشر والتوزيع، كل ذلك متواز أيضاً مع المؤسسات العسكرية والإدارات الاستخبارية والأجهزة الدبلوماسية والبعثات التعليمية والمختبرات العلمية الهائلة، وكل ذلك وغيره مرتبط بالشركات الكبرى التي تتحكم في العالم من خلال سيطرتها على الغذاء والدواء والطاقة والسلاح والتكنولوجيا الضخمة والدقيقة، وكله في الحقيقة يعمل في خدمة ركاب الرأسمالية المتوحشة العمياء والمتعطشة دائماً للثروات التي هي فوق الأرض وتحت الثرى وفي أعماق البحار.
هذه الرأسمالية أصبحت المرجع والقانون والقضاء والقول الفصل تمتلك الحق كله والحقيقة كلها، فإن قالت فلا قول إلا قولها، وإن فعلت فليس هناك من يحق له الاعتراض عليها، وهي الوارثة الشرعية للأرض ومن عليها بحكم إيمان منحرف بخرافات توراتية مزيفة، ومن جملة ما يؤمنون به قيام دولة إسرائيل، تمهيداً لعودة المسيح، فقد ترامى لها أنها أصبحت هي إله الآلهة ،زيوس، وقد انفردت بالقوة وانفردت بالأمر والنهي فروسيا أصبحت دولة ضعيفة مفتقرة، وأوروبا قارة عجوز رغم محاولات شيراك وشرودر لإبرازها في صورة شابة بما يرهقانها به من أصباغ وحلي وتجميل، فإن تجاعيد الإسبانية والإيطالية وشرقي أوروبا تفضح شيخوختها وهرمها وإبراز ترهل مواطن الجمال فيها.
إن فكرة صدام الحضارات ونهاية العالم والعولمة مقولات جديدة شغلت العالم ولاتزال تشغله لا لأنها تستحق ذلك، ولكن لأن الحزب الأمريكي الجمهوري - الذي يسيطر عليه بروتستانت الجنوب «مؤتمر معمداني الجنوب، المرتبط ارتباطاً عقدياً بالكيان الصهيوني - هو الذي صنع ذلك وقام بتسويقه عبر أجهزته وما يدور في فلكه من أجهزة الآخرين لذلك يجب أن نكون على وعي بأن أجهزة مثل مؤسسة فرانكلين للترجمة والنشر التي كان فرعها العربي بالقاهرة و النقطة الرابعة، للمساعدات التي كانت بلبنان و كتائب السلام» والمؤسسات الثقافية وغيرها ما هي إلا وسائل لتحقيق أهداف تلك القارونية الباغية وأننا أمام تطورات هائلة في ميدان وسائل التأثير الثقافي والترويض الفكري والتطويع الفني والاستعباد الاقتصادي والمالي والتجاري يمثلها صحافيون وكتاب ومفكرون وفلاسفة وخبراء في شؤون الحياة كلها ومختبرات وصناعات واختراعات ومن ذلك عملاء يختارون من بلدانهم بالعالم الثالث يمثلون جمعيات وأحزاباً وتيارات وتحتوي بعضهم أندية مشهورة في انتمائها الصريح أو الخفي إلى القارونية الجديدة التي تتجلى في هذا النوع من التحالف أو التمازج المعمداني الجنوبي الصهيوني.
إن الوعي بهذه الحقائق يمكن الانطلاق منه.
أولاً: لمعرفة مسوقي السلعة التوراتية أو التحالف التوراتي النصراني - الصهيوني وعملائه العاملين و المناضلين المحليين وأهم ما تحتويه هذه السلعة:
الهجوم على الإسلام ومحاولات تجريده من عناصره السياسية والاجتماعية والقضائية والتشريعية، وجعله ديناً كنسياً جامداً، لكن من دون البابا ولا كنيسة ولا إكليروس.
الهجوم على أعلام الإسلام من صحابة رسول الله rمنه كأبي هريرة، وأئمته مثل الإمام مالك والشافعي وابن تيمية وتشويه سمعة علماء أجلاء ومصلحين أبطال في الحاضر مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا وسيد قطب ورشيد رضا.
التصدي للحركات الإسلامية والتعريض بها وتسفيه آرائها والتنكيل برجالها وإرهاب الآخرين حتى يبتعدوا عنها.
التركيز على ازدراء وعاظ ناجحين ثم الالتزام في صحافتهم بنشر صور الممثلات والعاهرات كاسيات عاريات وقصص الزنى والفجور وانتهاك الأعراض والخيانات الزوجية ومشكلات الحب والممارسات الجنسية وتوضع لذلك عناوين تثير المراهقين والشباب والمبتلين من الكهول والشيوخ الذين يدمنون في المقاهي على قراءة تلك القصص التي يكون بعضها محض خيال ومجرد اختلاق، حشو صحافتهم بالأخبار التافهة وبأخرى موجهة من أجل اغتيال الوعي والإجهاز على الوقت الثمين وملته بالتوافه والمعاصي وشغل الناس بالمعارك المفتعلة ويفضح أعراض أقوام وهتك أستارهم، حتى يستسهل القراء كبائر الغيبة والإفك والبهتان وزنى المحارم، وهذا النوع من تربية القراء إذا كثرت أعدادهم كان المجتمع مهياً لتصديق الشائعات وترويج الأكاذيب وتناقل الأخبار الزائفة مما يجعل المجتمع سريع التفتت والتدابر والتعادي، وتنشأ النزعات القوية نحو الانغلاق على الذات والابتعاد عن الروح الجماعية بسبب شيوع سوء الظن وضعف الثقة بين الناس هذه الأخلاق المنحطة والمدمرة يقع التواصي بها من خلال التربية البيتية والمدرسية، لأن الشارع وما يتداول فيه من أخبار وأراء ونكات وأفكار يصبح متحكماً فيالمدرسة، مؤثراً في البيت.
اختبارات الإفك والافتراء
إن أجهزة الرصد الطاغوتية لها مختبراتها وخبراؤها ووسائلها لدراسة أحوال المجتمع ومدى قابليته لتصديق الأقاويل والأكاذيب والأخبار الموجهة والدعاية المنشودة ولقد رأينا وشاهدنا اختبارات الوعي تطبق في بعض البلدان وأحياناً يتكرر الاختبار نفسه في مجتمعين مختلفين في زمن واحد أو متقارب أو متباعد وقد اكتشف بعضنا اختباراً مبنياً على الإفك والافتراء، أجري على العقلية اللبنانية في أواسط الخمسينيات، تكرر نفسه في المغرب في أواخر السبعينيات حول علاقة خليجي، زان متوحش بامرأة ذاتأوساط منصب وجاه، هذه الاختبارات أصبحت تجرى في المجتمعات الإسلامية سراً وعلانية ولا سيما عبر الإعلام الخادم لأهداف القارونية الجديدة التي خططت للاستيلاء على العالم وفي مقدمته العالم الإسلامي.
إن السوق الطاغوتية الخاصة بعالمنا ثرية بالسلع المروجة خلاله، ووراءها جامعات ومراكز وهيئات وجهات كثيرة العدد متنوعة الاختصاصات، ويكفي أن تعرف أن كل كلمة تمر عبر الأسلاك أو غير الأسلاك تسجل، وأن مواعيد السفر في مختلف وسائل النقل معروفة لديهم حتى مواعيد الحافلات وقد تطورت لديهم تكنولوجيا الرقابة والتتبع والاستطلاع إلى مستويات مذهلة.
ثانياً: إعداد الخطط والوسائل والعناصر البشرية الخبيرة والمفكرة والمنفذة لمواجهة هذه الطاغوتية الجديدة بما لديها من إمكانات هائلة حتى لا نظل نحارب عدواً لا نعرف عدده ولا عنده ولا أساليبه في المكر والكيد والمؤامرات .
ثالثاً: وأهم من هذا أن نتجه إلى إعادة النظر في مناهج تربيتنا البيتية والمدرسية والإعلامية والحركية والسياسية والوعظية من أجل توثيق الشبكات الاجتماعية وتحقيق التغيير النفسي الذي هو شرط أساسي للتغيير الخارجي ومن الواجب الاستفادة من كل التجارب الناجحة والأفكار الناجعة في الماضي أو الحاضر، وأتوجه هنا إلى :
- الحركات الإسلامية.
- العلماء والمفكرين المعروفين بإخلاصهم وجديتهم وأهليتهم وكفاءتهم، فلقد أن الأوان للحركات الإسلامية أن تقوم بتصفية داخلية تقوم على الصراحة والوضوح والصدق والموضوعية بغية إنشاء منظومة جديدة لبناء جديد يناسب العصر بكل ما فيه ولا ضير أن نصرف وقتاً كافياً من أجل إصلاح أنفسنا على أن نظل سائرين في طريق غير موصل وأظن أن من الواجب توسيع دائرة الاستشارة من أهل الاستشارة، ممن لهم ملاحظات ربما يكون بعضها مهماً مفيداً وضرورياً، وليس مجدياً أن نتكبر عن النصح وترفض النقدالبريء المخلص البناء.
وعلى الحركات الإسلامية المعترف بصلاحيتها وأهليتها وسلامة أهدافها أن تعترف بأنها ليست وحدها في الساحة، والا ترفض الآخر الذي هو في الحقيقة من صفها وصنفها، وأن توطن نفسها لا على أن تتعايش مع الحركات الإسلامية الأخرى بل أن تتعاون وتتكامل معها لأن الكل كما هو معروف في خندق واحد، ويجب أن تحقق بصدق وإخلاص الخطاب القرآني والخطاب النبوي في الاعتصام بحبل الله جميعاً وفي وجوب الولاء لكل مسلم، وتحقيق وحدة الصف في العمل حرباً وسلماً كما يحب الله ورسوله، وفي تأخي المسلمين وأخوتهم وفي المحافظة على سلامة السفينة التي تنقلنا جميعاً، وفي توثيق روح التراحم والتواصل والتحابب والتوادد بين المسلمين، وأن يكونوا في ذلك كالجسد الواحد، وأن يكون بعضهم أذلة على بعض وأن يتجنبوا التنازع والتباغض وغيرهما من مظاهر التعادي والفرقةإلى غير ذلك من الأوامر والنواهي والإرشادات من القرآن والسنة وتراث السلف الصالح في موضوع وجوب وحدة الأمة وتحقيق قوة المجتمع وشدة صلابة بنيانه وليس حراماً ولا ممنوعاً، بل قد يكون مرغوباً فيه أن تفكر الحركات الإسلامية بجد في أن تمد جو التعاون بينها وبين الأقليات الدينية والطوائف الملية التي توجد في بلدها، حتى لا تدع فرصة لأعدائنا لاستغلالها كما هو واقع في كثير من بلدان المسلمين وما أمر تيمور الشرقية بخاف ولا مأساتها ببعيدة، ولا أحب أن أثير هنا بعض التجارب المحبطة والمفرقة بسبب غياب الوعي بالزمن والمكان ومقتضيات المراحل والثقة بجهة وسوء الظن بأخرى والحماس البدائي الجاهل، مما جر على المسلمين كوارث مهلكة وماسي متجددة لايزال بعضها ساري المفعول إلى الآن.
نصيحة للعلماء غير المؤطرين
في أما العلماء والمفكرون والحكماء الذين هم خارج الحركات والمنظمات الإسلامية فمسؤوليتهم كبيرة وثقيلة فالعالمون منهم الساحة قد أكرمهم الله بأن أصبحوا مقبولين عند الأمة جمعاء، معترفاً بهم وبإمامتهم كل في موقعه، وأصبح لهم أثر كبير في التوجيه والإرشاد، لذلك فما اقترحه هو أن يكثروا من التلاقي والتعارف فيما بينهم والتنسيق في أعمالهم والتركيز على أفكار معينة تقتضيها المرحلة، والإلحاح على كل ما يفيد المجتمعات الإسلامية والاستمرار في إصلاح ذات البين بين المسلمين، والتقرب المخلص الصادق والبريء من ذوي الأمر من الحكام والأغنياء لنصحهم بالحكمة والموعظة الحسنة والإصلاح فيما بينهم وتوجيههم إلى الأعمال المنتجة وطمأنتهم ولا سيما الحكام من جانب الدعاة والحركات الإسلامية ونزع فتائل سوء الظن بين الطرفين مع قيامهم بدور نقل التجارب من جماعات إلى أخرى وتوثيق العرى فيما بينها إلى غير ذلك مما هم مؤهلون له.
وعلى هؤلاء أيضاً - علماء ومفكرين - أن يكون لكل منهم أو لكل جماعة منهم مدرسة للتواصي بالحق والتواصي بالصبر الضمان استمرار فكره وفكرته ودعوته ونشاطه حتى لا تموت مشاريعه بموته، فإن من علامة السقوط أنه إذا مات سيد فلا سيد بعده وإذا قضي مفكر ومصلح فلا مفكر بعده ولا مصلح .
وأشير هنا إلى أن الأستاذ مالك بن نبي قد يسرا الله لأن تعيش أفكاره عبر تلامذته الذين أخذوا عنه مباشرة أو غير مباشرة في حياته وبعد مماته ومازلنا نشهد نمو هذا الفكر في الجامعات وخارجها، وقد تطور هذا الفكر تطوراً محموداً وتفاعل الأفكار الإسلامية الأخرى تفاعلاً مثمراً ومباركا، وكذلك بالنسبة للشيخ محمود شاكر الذي حمل مشعل دعوته للأصالة العربية طلابه في عدة أقطار ومازالوا يتلاقون في منتداهم في بيته العامر، ومازالوا يتزاورون فيما بينهم كأنهم إخوة أشقاء.
ومن أبرز ومن أعظم ما يحقق التواصي بالحق والتواصي بالصبر دار الندوة بالهند التي استطاعت أن توحد بين طلابها وشيوخها في اللقب الندوي([1]) وفي الأرواح والمنهج.
وختاماً، فإن بناء الذات بناء سليماً وموافقاً للعصر ومستجيباً لمقتضياته على أساس التغيير الشرعي المطلوب هو الأهم بالنسبة إلينا لمواجهة الخارج بكفاءة وللانكباب ليس فقط للمحافظة على الذات بل على تنميتها وتقويتها وترسيخها لتكون أهلا لحمل هذا اللقب الشريف العظيم ﴿كنتم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰)