العنوان «الرجوع» إلى موسكو أو سياسة «التقلب العاطفي»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1977
مشاهدات 61
نشر في العدد 350
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 17-مايو-1977
المواقف السياسية في الوطن العربي تخضع لما يسمى في الدراسات النفسية «بالعاطفة السائدة».
العاطفة الغالبة على التفكير من جهة، وعلى العواطف الأخرى من جهة أخرى.
ولا تزال تلح على صاحبها وتسيطر عليه حتى تذهله عن الحقائق الموضوعية أو عن موقف التروي العاقل.
وإن شئتم تعبيرًا قديمًا قلنا: إن السياسة في الوطن العربي تبنى على نزعة المدح والهجاء في الشعر الجاهلي!
مدح مطلق.. أو ذم مطلق.
ثم انتقال من المدح إلى الذم، أو انتقال من الذم إلى المدح.
وفي كل الأحوال هيام متسيب.
قالوا لنا: إن الاتحاد السوفيتي هو الحليف المخلص والصديق الوفي المدافع عن قضايانا بنفس الغيرة التي يدافع بها عن حدوده مع الصين، ويدافع بها عن مراكز الصناعة وقواعد الصواريخ داخل روسيا ذاتها.
ثم قالوا: إن الاتحاد السوفيتي يتآمر علينا، ويخذل قضايانا، ويحاول إذلالنا!
ثم قالوا: إن الرجوع إلى موسكو هو عين المصلحة، ولا يمكن تجاهل الاتحاد السوفيتي في المنطقة!
وعلى الشعوب -التي يعاملها الحكام على أساس أنها قطيع- أن تغير مواقفها كما تغير ملابسها تبعًا لعواطف الحكام المتقلبة، وأهوائهم الحرون، وأمزجتهم الحادة.
ونحن قوم موقفنا معروف من الاتحاد السوفيتي، ومن الولايات المتحدة الأمريكية.
موقف من يعلم أن هذه الدول الكبرى تقيم علاقاتها العالمية على أساس مصلحتها الخاصة.
هذا من جانب المصلحة المادية، أما من الجانب العقائدي، فإن الاتحاد السوفيتي يقود الحركة الشيوعية المعادية للدين وللإيمان بالله -تعالى-، وإن أمريكا تقود الصليبية الجديدة التي تعامل الإسلام بمنطقين:
- أولًا: ترويضه حتى يخضع للوصاية الصليبية.
- ثانيًا: إن استعصى على الترويض استخدم معه المنطق الآخر، منطق القمع والتصفية.
هذه حقائق لو أدركها الحكام لما أداروا سياسة الأمة بنزق التقلب العاطفي، ولثبتهم الله بالقول الثابت في هذا الصراع الدولي العاصف.
ولكنه الضلال.
الضلال الذي هو ضريبة الشرود عن هدى الله في العلاقات الدولية وسياسة الأمور.
إن الرجل الذي لا موقف له هو الذي يتقلب هذا التقلب المضحك المؤسف العجيب!
وكونه لا موقف له، فذلك ناشئ عن فقدان العقيدة المضيئة، والرؤية الواضحة الرشيدة.
ليس عبقرية أن ينتقل الحاكم من حبل إلى حبل، ولا من دولة إلى دولة، ولا من موقف إلى موقف بأسلوب أبطال «السيرك».
إنما العبقرية أن يحتفظ بتوازنه في كل المواقف، وأن يستثمر التناقض الدولي لمصلحة أمته، وأن يخاصم في الله وبه، لا أن يخاصم بسبب أن إذاعة دولة كبری شتمته شخصيًّا.
العالم العربي بل العالم الإسلامي في حاجة إلى قيادة جديدة ناضجة رشيدة.
- تعمل لحساب الأمة، لا لحساب القوى الكبرى في صراع الشرق الأوسط، أو في صراع زائير مثلًا.
- تبني علاقتها الدولية على أسس موضوعية بعيدة عن النزق والهياج العاطفي.
- تفهم طبيعة الصراع فهمًا حقيقيًّا، وبكل أبعاده السياسية، والاقتصادية، والعقائدية، والحضارية.
- تفرد الله وحده بالولاء والتوكل.
- تدرك تمامًا أن فتح أبواب المنطقة أمام أمريكا يجر -بحكم الصراع- النفوذ السوفيتي إلى المنطقة، وأن فتح الأبواب أمام النفوذ السوفيتي يضاعف -بحكم الصراع- حجم الهجمة الأمريكية على ديارنا.
- توقن بأن البناء الذاتي هو: سبيل النهوض والتقدم والانتصار، وهذه القيادات لن تأتي عن طریق طرح مناقصات أو عطاءات، وإنما تأتي بالانفتاح العقائدي والفكري والسياسي.