; في وداع المرشد السادس | مجلة المجتمع

العنوان في وداع المرشد السادس

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004

مشاهدات 115

نشر في العدد 1585

نشر في الصفحة 38

السبت 17-يناير-2004

في حشد مهيب جرى وداع مرشد الإخوان المسلمين السادس المستشار محمد المأمون الهضيبي - يرحمه الله - عقب صلاة الجمعة (9/1) ثم سار الموكب الكبير أكثر من ستين كيلو مترا لدفن الجثمان بجوار المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي والد المرحوم في مدافن الأسرة، وعند صلاة المغرب كان الإخوان يقدمون العزاء لأسرة الفقيد ولأهالي بلدته ثم يعودون إلى مدنهم وقراهم في ربوع مصر ليستعدوا لاستقبال العزاء السبت 10/1۰.

رأيت الأستاذ للمرة الأخيرة قبل وفاته بيومين في المكتب كالمعتاد، وكان يشتكي من تزايد الآلام في المعدة والقولون وتم ترتيب إجراء فحوصات بالمنظار المعرفة أسباب الآلام التي لم تقعده عن ممارسة نشاطه والدوام اليومي مع إخوانه، طلبته هاتفيًا قبل وفاته بثلاث ساعات فرد على حفيده محمد خالد قائلًا: إنه في المستشفى، وتعجبت لأن الموعد لم يحن كالمقرر ولكنه تعجل إجراء الفحص، وقد عاد من المستشفى إلى البيت ليودع أهله قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلى دار البقاء. 

وبعد منتصف ليل الجمعة المباركة، كان الإبلاغ بالمفاجأة المذهلة، لقد رحل المستشار الهضيبي، سبحان من له الدوام. 

حاولت أن ألملم نفسي وأسترجع ذكرياتي مع المستشار الراحل الذي عرفته لأول مرة حال عودته من الخارج بطلب من الأستاذ عمر التلمساني - يرحمه الله - المرشد الثالث الذي تربينا على يديه، وحين طالبت الأستاذ عمر. رحمه الله - أن نستفيد بوجوده في لقاءات معه لم يأذن لي قائلًا: لا تستعجل، فإن له مهمة خاصة وطالت الذكريات بعد أن تتلمذت على يديه في البرلمان وبعد ذلك بكثير، وطاردتني الذكريات ومعها الاتصالات الهاتفية التي لم تنقطع وحاولت النوم وأنى يأتي نوم وأنا أعلم أن أمامنا يومًا طويلًا للتجهيز للدفن والاستعداد للجنازة ثم الجنازة وما بعدها.. طار النوم من عيني... وطاردتني صورة الوجه الصبوح للراحل الكريم مع كل الدعاء له أن يغفر الله له وأن يتقبل جهاده وعمله وأن يعوضنا عنه خيرًا.

كان الجميع في حال ذهول من المفاجأة التي لم تستوعبها أجهزة الإعلام، فكان أول حديث لي إلى إذاعة لندن، ثم توالت مع الجزيرة و« العربية»، وغيرها. 

وأصبح الحديث في كل الإعلام عن الإخوان ومستقبل الإخوان، وكأن الإخوان يفرضون أنفسهم كحدث وحديث على الجميع حال النشاط والحركة، وكان موت أحد قادتهم حدث في حد ذاته له ما بعده دون غيرهم من الحركات.. لا تنتهي به الجماعة ولا الحركة، بل تبدأ به مرحلة جديدة يستعد الجميع لها، فهي جماعة ولود وكأن استشهاد أحد أبنائهم يفرض نفسه دون غيره، لأنها الجماعة المعتدلة الوسطية التي تستحق من النظام معاملة تختلف عن بقية الحركات.

لذلك عندما استأذنت الأستاذ محمد هلال - القائم بأعمال المرشد والذي تولى تلك المهمة صبيحة يوم الوفاة - في المشاركة في برنامج «حديث الساعة» في إذاعة لندن حول مستقبل الإخوان المسلمين - بعد أن اتصل بي الأستاذ حسن أبو العلا للمشاركة في البرنامج من الاستديو، وألح في طلب الحضور شخصيًا وعدم الاكتفاء بمشاركة تليفونية لأهمية الحضور أمرني الأستاذ هلال بالذهاب عقب صلاة الجنازة وإذا استطعت عقب البرنامج العودة إلى المدافن فيها وإلا فإنني في حل، وقد كان. واستمع الإخوان أثناء سيرهم خلف الجثمان إلى المقبرة من الإذاعة في سياراتهم للبرنامج الذي استمر ساعة كاملة، وشارك فيه د. محمد مرسي هاتفيًا، وانقضت الساعة وقال الأستاذ حسن أبو العلا: إنها لا تكفي وإننا في حاجة إلى حلقات أخرى كي نوفي الإخوان حقهم.

وهكذا فرض وجود الإخوان نفسه - رغم الحظر القانوني - على الإعلام وعلى النظام وأدرك الإخوان مدى حب الناس لهم ومدى ما يحيطونهم به من تقدير وتكريم يظهر دائمًا حال الوفيات، وبيننا وبينهم الجنائز كما يقال - لأن عشرات الآلاف التي تودع الراحلين ليسوا جميعًا منتظمين في الصف الإخواني، بل كثير منهم من محبي الإخوان وأنصارهم، ولولا الحشود الأمنية والحواجز البوليسية لارتفع عدد المشاركين إلى أضعاف الأضعاف، ووصل إلى الملايين، وضاقت بهم الساحات والميادين. 

ورغم أن الأمن وعد بتذليل العقبات وعدم وضع عراقيل في وجه المشيعين حيث تمت الاستجابة إلى رغبتهم، في تحديد مكان الصلاة وفي خط سير الجنازة الذي طال ۳۰ كيلومترًا، أكثر من المعتاد، إلا أنه تم إبلاغي بوجود عدد من الكمائن عرقلت وصول الكثير خاصة في الساعة الأخيرة قبل صلاة الجمعة وكان الحشد هائلًا ولم يستطع أحد تقدير الأعداد لأنه لم يحط بكل الموجودين ولكنه وكما أخبرني الثقات لا يقل بحال من الأحوال عن العدد الذي شيع المرشد الخامس المرحوم مصطفى مشهور والذي قدره الرئيس مبارك بثمانين ألفًا، ووصلت تقديرات الإخوان إلى 300 ألف. 

وأخبرتني مراسلة وكالة الاسيوشيتدبرس أنه لا يقل عن ٥٠ ألفًا، ويحاول البعض التقليل من العدد نظرًا لمفاجأة الوفاة ولسرعة الدفن بعد ساعات مما يعد عائقًا عن الإبلاغ، إلا أنني رأيت في الجنازة إخوانًا من كل المحافظات - باستثناء الصعيد البعيد - ومن كل الأعمار، حيث شارك شباب تحت الخامسة عشرة بجوار رجال في الثمانين، وهنا تجدر الإشارة إلى أن البعض يعبر عن ذلك به الموت السياسي، بمعنى أن الناس يحتشدون للتعبير عن اتجاههم السياسي حيث يمنعون من ذلك عبر الطرق الطبيعية من انتخابات أو تشكيل أحزاب أو تنظيم مظاهرات.

لن أستطيع في هذه الكلمات التي أكتبها وسط زحام الأحداث وكثرة المهمات أن ألقي الضوء على الراحل الكريم، وأثره الكبير في الدعوة والجماعة، حيث تولى فيها مهام المتحدث الرسمي ثم رئيس الكتلة البرلمانية، ثم نائب المرشد حتى أصبح المرشد العام منذ أربعة عشر شهرًا، وما أضافه إلى الإخوان قبل ذلك من مشاركة في التصدي لفكر التكفير والغلو، حين شارك والده - رحمهما الله - في وضع كتاب «دعاة لا قضاة»، ومساهمته في تصحيح المفاهيم حول قضايا التعددية والشورى والديمقراطية وحقوق المرأة والمشاركة السياسية، ولنا عودة إلى كل ذلك إن شاء الله، كما أنني أؤجل الحديث حول المستقبل بعد رحيل المرشد السادس وبه كثير من الأسئلة والنقاش وما يثيره البعض حول صراع الأجيال، والانتقال إلى المؤسسية والعلاقة مع النظام... إلخ.

رحم الله الفقيد الكبير.. وأجزل له الثواب... وأسكنه فسيح الجنات، وعوضنا عنه خيرًا....

آمين.

وجدت فيه رجاحة العقل وحسن التدبير والموازنة الشرعية

المستشار عبد الله العقيل

روع العالم الإسلامي بعامة، والدعاة المسلمون بخاصة والإخوان المسلمون بصورة أخص بفقد أستاذنا الجليل المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار محمد المأمون الهضيبي، الذي وافاه الأجل المحتوم مساء الخميس (ليلة الجمعة) ١٥ من ذي القعدة سنة ١٤٢٤هـ الموافق٨ /١/٢٠٠٤م بالقاهرة.

حين تلقيت الخبر استرجعت وحمدت الله على حسن الخاتمة له ودعوت الله له بحسن القبول. وطافت بي الذكريات، وعادت إلى سنوات خوال ذكرت فيها مواقف هذا الداعية الكبير والقانوني الضليع والفقيه السياسي الذي رزق عمق الفهم وحسن التقدير للمواقف والظروف والتعامل معها بالحكمة والتبصر.

ولقد سعدت بمعرفة أستاذنا الفاضل منذ نصف قرن تقريبًا وكانت معرفتي به آنئذ معرفة غير عميقة، ولكن بعد خروجه من السجن عام ١٩٧١م. ومجيئه مع والده المرشد الثاني للإخوان المسلمين المستشار حسن الهضيبي للحج عام ١٣٩٣هـ. ۱۹۷۳ م توثقت الصلة وتعمقت المعرفة، حيث وجدت فيه رجاحة العقل وحسن التدبير والموازنة الشرعية في النظر في واقع الأحداث ومجريات الأمور، مع الصلابة في المواقف والتمسك بالثوابت وعدم التفريط فيما يمس العقيدة أو الأصول المحكمة.

كما وجدت فيه رحابة الصدر في الأخذ بكل ما جد من الوسائل لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية والتعامل مع طموحات الدعاة لتطوير وسائل الدعوة الإسلامية المعاصرة.

وكانت لقاءاتي به بعد ذلك أثناء زياراتي لمصر في عهد المرشد العام عمر التلمساني وعهد المرشد العام محمد حامد أبو النصر وكذا المرشد العام مصطفى مشهور حيث كان قريبًا من كل هؤلاء يستشيرونه في الكثير من الأمور ويشاركهم في معظم القرارات المهمة.

كما كان - يرحمه الله - رئيس الكتلة البرلمانية الإخوانية في مجلس الشعب المصري سنة ١٩٨٧م حيث كان له ولإخوانه في المجلس، دور فاعل ومؤثر في تبني القضايا الإسلامية التي تصب في مصلحة الشعب المصري وتؤيد الحقوق المشروعة للمواطنين. وتحارب الفساد بكل صوره وأشكاله، وتطرح الرؤى والتصورات لعلاج المشكلات وحل المعضلات وتذليل الصعوبات لتحقيق أهداف الأمة وطموحات الشعب وفق المنظور الإسلامي المستقى من هدى الكتاب والسنة. ولقد ساعدته كفاءته العلمية وخبرته القانونية وتمرسه العملي في الشؤون القضائية، إذ ترقى في السلك القضائي حتى أصبح مستشارًا لمحكمة النقض، بالإضافة إلى تربيته الأسرية على يد والده الإمام حسن الهضيبي وانخراطه في سلك العاملين في الحقل الإسلامي على أن يوظف كل ذلك في تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية برسم خططها ووضع برامجها وتقديم مشاريعها..

لقد كان أستاذنا المستشار محمد المأمون الهضيبي من الرعيل الذين اضطلعوا بمسؤولية الدعوة في وقت مبكر وحملوا على عاتقهم تكاليفها وأعباءها واستمر على ذلك دون كلل أو ملل، رغم كبر السن والمعاناة الطويلة في سجون الطغاة.

فقد خرج بحمد الله أقوى عودًا وأقدر كفاءة وأكثر إيمانًا بالحق الذي يؤمن به ويعمل له، متعاونًا مع إخوانه وتلامذته.

ورغم قصر المدة التي تولى فيها مسؤولية الجماعة كمرشد عام للإخوان المسلمين خلفًا للمرشد السابق الأستاذ مصطفى مشهور، إلا أنه بفضل الله قد وفق إلى جمع القلوب ورص الصفوف والانطلاق بالدعوة في سائر الميادين ومختلف المجالات، وكان لتوجيهاته وتحركاته ومقالاته في رسالة الإخوان، وغيرها، خير زاد للإخوان المسلمين في مصر، وسائر أنحاء العالم العربي والإسلامي.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد فقيدنا الغالي بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته ويحشره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلحقنا بهم أجمعين في جنات النعيم. إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين..

الهضيبي...مثال يُحتذى

أبت إرادة الله إلا أن يخلف المأمون الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رفيق دربه الشيخ مصطفى مشهور ليكمل بعده مسيرة قافلة الدعاة الذين أمضوا طوال عمرهم في خدمة الدعوة الإسلامية في مختلف محافلها، فكان الهضيبي مثالًا يحتذى في مجال الدعوة إلى الله، خرج زمرة من الرجال الذين يحملون الإسلام، لا سيما وأنه من أسرة طالما سعت إلى تمكين شرع الله تعالى في الأرض تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

إرادة الله شاءت أن تقبض روحه في أيام مباركة ترفع فيها الأعمال ويشيع في يوم عيد المسلمين، يوم الجمعة، لتحضر جنازته آلاف مؤلفة تودع شيخًا طالما سعى إلى تربيتهم تربية إسلامية وزودهم من معين زاد الرسول r لقد فقدت فيه الأمة داعية من دعاتها، ولا نقول إلا ما قاله الشاعر:

كن عن همومك معرضًا             وكل الأمور إلى القضا

وانعم بطول سلامة                     تسليك عما قد مضى

سعد الريس - جامعه الكويت

الرابط المختصر :