العنوان الحركات الإسلامية تقاوم سقوط الخلافة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 477
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 22-أبريل-1980
- إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة الحلقة السادسة عشرة الدكتور عجيل السمي إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة الحلقة السادسة عشرة
- بدأها محمد بن عبد الوهاب. و ثناها محمد بن علي السنوسي. أسس السنوسي أول زاوية في مكة المكرمة في جبل أبي قبيس.
لم يكن سقوط الخلافة الإسلامية بالأمر الهَيِّن على المسلمين- علماء وعامَّة- رغم الوسائل الخبيثة التي اتبعتها الدول الأوروبية و حلفاؤها و اليهود وذيولهم؛ لتخفيف صدمة هذا السقوط، و تهيئة الأجواء لامتصاص آثاره، واتخاذ كل الوسائل لإشغال المسلمين بعد تجزئتهم في مشاكلهم الداخلية.
رغم كل ذلك فإن سقوط الخلافة تبعته آثار ذكرنا طرفًا منها في مقالات سابقة فبينا في حينه كيف كانت مشاعر المسلمين الحانقة ضد هذا السقوط، وكيف استطاعت الأبواق المتآمرة أن تمتص تلك المشاعر و تكتبها، بل وتأدها في حينها، ثم رأينا كيف كان مصير المؤتمرات التي تنادى المسلمون بعقدها لدراسة أمر المسلمين بعد هذا السقوط، فقد انتهت تلك المؤتمرات بعد أن فرغ الخطباء والمفكرون ما في جعبتهم من حسرة لم تغن لهم من الأمر شيئًا، و انفضت تلك الاجتماعات قبل أن تتفق على شيء؛ لأن الخرق كان أكبر من الرقع، والراقع أكبر من أن تراب صدعه مثل تلك المؤتمرات، إنه يحتاج إلى بيعة جديدة على الموت في سبيل إعلاء راية الإسلام من جديد، إنه يحتاج إلى عدة الجهاز ودماء المجاهدين ترويه؛ كي يستشرب الدماء الحارة و تسري الروح و الحياة في ذلك الجسد المُتهالك، إنه أمر أكبر مما يتصور المؤتمرون رفع أصوات و جمع توقيعات..
كان أمرًا- لوقفة القوم- دونه رقاب الرجال ودماؤهم، وترميل النساء و يتم أولادهن.
ولم تغن في ذلك أيضًا الحركات الفردية التي قام بها بعض النابهين من علماء الأمة أمثال شكيب أرسلان الذي كان يحس وهو يُعايش سقوط الخلافة بأوصال الأمة المسلمة تتقطع وقد بذل من جهده وفكره وحركته و أسفاره الشيء الكثير.. لكن مثل هذا العمل الفردي لم يكن ليُنبت شجرة تقاول تلك الأساطيل المُجتمعة، و تلك الأحقاد المُتراكمة.
ولقد كان التخطيط البغيض قد رسم لمثل هذه الحركات الفردية إطارها الذي تدور فيه و أساليب خنقها و امتصاصها، بل و تشويهها و دسّ أفراد في غمرة تلك الأحداث يلبسون لباس المسلمين ويتزعمون قيادهم باعتبارهم زعماء إصلاح... على أيديهم تُنقذ الأمة.. وهم في حقيقة الأمر مُتأمرون يقودون العوام إلى الهاوية حيث ذهبت الخلافة.
إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة
لم تكن حركة السنوسي مجرد حركة إصلاحية
والكلام عن أولئك وهؤلاء يحتاج إلى تسويد صفحات متلاحقة كيما تنجلي الحقائق وتسقط أقنعة أشخاص عَلَت أسماؤهم وسُجلت في مصاف المصلحين أو زعماء الإصلاح.
ولكن.. لما كانت حصيلة العمل الفردي كرَدَّة فعل لسقوط الخلافة لم يجد شيئًا في هذا السبيل كان البحث فيه لا يرقى إلى درجة الاهتمام بقدر ما هو كشف عن العوار كي يتجنب تكراره أو اتباعه منهجًا في علاج مثل ذلك الحدث الضخم الأليم.
•إلا أن الأمر إلهام الذي ينبغي تسليط الإشعاع عليه وجمع الهمة لمتابعة دراسة و بحثًا، و الوقوف عنده مع طول و دقة نظر هو العمل الجماعي لإعادة الخلافة الإسلامية، أو بمعنى آخر الحركات الإسلامية الجهادية التي رامت الجهاد طريقًا وحيد لإعادة الخلافة الإسلامية إلى سابق مكانتها وشرف مقامها.
تلك الحركات التي بدأت مع بداية السقوط الفعلي للخلافة الإسلامية يوم أن أدخلت القوانين الفرنسية و حَلَّت محل الأحكام الشرعية في الفصل بين الناس في الجنايات وغيرها.. ولم تنتظر لحين السقوط الرسمي عام ١٩٢٤ ، وقد واكبت الحركات الإسلامية طريقة العمل الجماعي أسلوبًا وحيدًا لإعادة الخلافة ولم تنقع- بفضل الله- حتى يومنا الحاضر.
•ولقد بدأت تلك الحركات على يد الداعية المصلح المجاهد الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- وتبعه الإمام محمد بن على السنوسي ثم محمد المهدي ثم حسن البنا- رحمة الله عليهم أجمعين.
وحركات هؤلاء الأئمة تحتاج إلى تجلية و وقفات تنظر من خلالها إلى منهجهم الفكري والعملي والتطبيقي و أثر ذلك على الواقع و مدى تحقيق الغايات التي من أجلها قامت حركاتهم؛ لنقف على إيجابيات وسلبيات تلك الحركات باعتبارها إنها نشأة كأثر من آثار سقوط الخلافة الإسلامية.
ومنطق البحث العلمي يقتضي تناول تلك الحركات بتسلسلها التاريخي؛ لكي أستميح القارئ عذرًا في أرجاء الحركة الوهابية لحين الانتهاء من الحركة السنوسية، وذلك لظهور معلومات جديدة في الحركة الوهابية، خصوصًا ما تمحض عنه أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب المُنعقد في المملكة العربية السعودية في الفترة من ۲۱- ١٧ ربيع الثاني ١٤٠٠هـ مما يستدعي التمَهُّل والدراسة لما جد من معلومات.
ولذا سنبدأ بالحركة السنوسية متبعين نشأتها و أهدافها و أسباب تلك النشأة و أسس الحركة الفكرية وغير ذلك مما يستلزم ذكره ليكون تقييمنا للحركة بعد ذلك وفقًا لما نذكره ذكراً علميًا مجردًا، إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ومعرفته.
ولم تكن حركة السنوسي مجرد حركة إصلاحية كما يقول المستشرقون أو علاج لبعض المشاكل التي كان يُعانيها المجتمع المسلم، ولم يكن هدف السنوسي أن يصبح خليفة المسلمين إنما كان هدفه إعادة الخلافة و رونقها وهيبتها لتحمي بيضة الإسلام والمسلمين ولو ظلت بأيدي العثمانيين.
•ومادام هدف الحركة هو إعادة الخلافة الإسلامية لسابق عهدها ومجدها فيمكن بالتالي معرفة وتلخيص أهم تلك الأسباب في الآتي:
(١) الشعور بدنو أجل الخلافة و أفول نجمها وما سيترتب عليه من ظلمة دامسة سيعيشها العالَم الإسلامي، ومستقبل رهيب ينتظر أمة الإسلام.
(۲) إن عجز دولة الخلافة الإسلامية عن إصلاح جهازها الإداري أدى إلى عجزها من منع انتشار الفساد بشَتَّى صوره في الأقطار الإسلامية الأخرى.
٣) وعجزها عن إقامة شرع الله وتطبيق الحدود أدى إلى فقد الصفة الشرعية التي تمسك بها قلوب المسلمين في شتى البقاع الإسلامية.
٤) ويضاف إلى ذلك شعور السنوسي بالهجمة الصليبية الجديدة التي تُذكره بتلك الحروب الطاحنة التي انتصر فيها المسلمون و كسروا فيها شوكة الأعداء، فكان يحس بهذه الهجمة الجديدة و يشعر بأن أسباب النصر لیست متوافرة، و أنهم سيكسبون هذه الجولة مالم تتدارك دولة الخلافة نفسها؛
كل ذلك جعل السنوسي يفرغ حياته كلها لهذا الهدف، فإذا استطاع أن ينشر دعوته و يقوي أركانها و يُنشئ دولة إسلامية قوية فإن قوته بالتالي قوة لدولة الخلافة الإسلامية، و طريق إصلاح فعلي لها، سيفوت بالتالي على أعداء الإسلام فرصة إجهاض الخلافة الإسلامية.
صاحب الحركة السنوسية:
١٢٠٢ - ١٢٧٦هـ
١٧٨٧ - ١٨٥٩ م
هو محمد بن علي بن السنوسي، أبو عبد الله السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي وهو من سلالة ملوك الأدارسة الذين أسسوا الدولة الإدريسية و مكنوا من انتشار الإسلام في المغرب، و يذكر أن أول خلفاء الأدارسة هو إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن السيد الحسن المثنى بن الإمام السيد الحسن السبط بن أبي طالب- رضوان الله عليهم- ولد في بلدة مستغانم «من أعمال الجزائر» في ١٢ ربيع الأول ۱۲۰۲- ۲۲ ديسمبر ۱۷۸۷ في محلة يقال لها «الواسطة».
فنشأ في بيت عبد الله بن الخطابي و كان بيت علم و دين، وكان السنوسي شغوفًا بالعلم ذكيا تقيًا وَرِعًا.
ولم يكن السنوسي ليقنع بما حصله من علم في بلدة «مستغانم» فسافر إلى فاس، و كانت مورد العلماء من كل مكان، و مكث يدرس بها سبع سنوات من ۱۸2۲- ۱۸۲۹ فأخذ الرواية عن أفاضل علمائها، و درس الطرق الصوفية دراسة واقعية فاختلط في فاس بالطريقة القادرية والشاذلية والدرقاوية والناصرية والحبيبية والجزولية وغيرها، وكان يتنقل بين الزوايا ويجتمع بمن فيها من الإخوان، حتى وصل إلى «عين مهدي» فدرس بها الطريقة التيجانية، ثم قصد «لاغوات» و فَضَّل الإقامة بها لأهمية موقعها بجنوب الجزائر بجوار «خطة توات» حيث كانت تعتبر من مفاتيح الصحراء وتجتمع بها القوافل الآتية من السودان الغربي والذاهبة إليه، ومكث بها يلقي دروسًا في الفقه وعموم العلوم الشرعية، و زار تونس وطرابلس و برقة.
ثم شد رحاله إلى مصر وكان واليها يومئذ محمد على باشا، ثم غادرها إلى الحجاز و التقى بالسيد أحمد بن إدريس الفاسي، و كان رئيساً للطريقة الخضرية، فلازمه وتتلمذ عليه و استفاد منه كثيرًا، ثم ارتحل أحمد بن إدريس إلى «صبيا» في اليمن، و تبعه السنوسي و أقام معه حتى توفي ابن إدريس سنة ١٨٣٥ وفي قول عام ۱۸۳۷، وعند وفاة ابن إدريس انضمت أقلية من أتباعه «الخضيرية» إلى السيد محمد صالح المغرابي و أسسوا لهم زاوية في مكة و سموا أنفسهم «إدريسيين».
و رجع بعد ذلك السنوسي إلى مكة و أسس أول زاوية في جبل أبي قبيس في عام ١٨٣٧ و مكث بها يُلقي الدروس في العقيدة و الفقه و ينشر تعاليمه، ثم انتقل إلى برقة عام ١٨٤٠ و لم يقطع صلته مع ذلك بأتباع ابن إدريس، وقد أفاد السنوسي من أسفاره هذه كثيراً، ففي مصر اطلع عن قرب إلى ضعف الدولة العثمانية، و استقلال محمد على بقوته وهيمنته، و استفاد من أسلوب بنائه للدولة المصرية الحديثة، و شعر بدنو أفول ظل الخلافة الإسلامية، وعَلِم أيضًا أن ضعف الدولة العثمانية هو السبب في عدم قدرتها على دفع الغزو الفرنسي عن الجزائر، و زيارته في بلاد المغرب كله أفاده صلة قوية بالفئات المؤثرة في تلك المجتمعات من زعماء قبائل وطرق صوفية وغيرها، و وقف على مصادر القوة والضعف فيها.
وفي مكة استطاع السنوسي أن يلتقي بوفود الحجيج المسلمين من كل مكان، و كان يختلط بهم و يأخذ منهم أحوال المسلمين، وفي نفس الوقت كان يبث إليهم أفكاره وآماله، ولا شك أن هذه الأسفار كان لها الدور الرئيسي في بلورة حركته، و رسم معالمها و استراتيجيتها على أسس واقعية و منهجية متينة، كفلت للحركة عناصر النجاح.
ومن حيث أهداف الحركة تعتبر الحركة السنوسية حركة جهادية تهدف لإعادة القوة لدولة الخلافة الإسلامية.
فلقد شعر محمد بن على السنوسي بما وصلت إليه دولة الخلافة الإسلامية من ضعف في شتى الميادين و بالتالي ضعفها عن إدارة المملكة الإسلامية المُترامية الأطراف، وشعر أن زوال الخلافة الإسلامية كارثة عظيمة ستشمل العالَم الإسلامي كله و تصيبه بالشلل المحقق، و تمكن أعداءه من القضاء عليه و قتل روحه الإسلامية بشتى الأساليب الممكنة.
فلم يكن بد من إعادة الثقة والقوة التي افتقدها المسلمون في دولة الخلافة فكان هدفه منذ أول يوم في حركته هو إعادة الخلافة الإسلامية إلى سابق هيبتها وقوتها، ولعل موقفه من الدولة العثمانية كما سيأتي يوضح لنا بجلاء،
كيف أنه كان يحافظ على هذا الهدف بكل ما أوتي من حكمة و حسن تدبير، و ليس هناك أي دليل ولا موقف ما يدل على أنه كان يهدف إلى إقامة دولة مستقلة مبتورة الصلة عن دولة الخلافة، وتكون له الإمارة فيها، و المتتبع لسير حركته يشهد أنه كان بميسوره الوصول لهذا الهدف دون أدنى جُهد و سيجد العون حتى من الدول الأوربية لتحقيق هذا الهدف القريب.
بدأها محمد بن عبد الوهاب.
و ثناها محمد بن علي السنوسي.
أسس السنوسي أول زاوية في مكة المكرمة في جبل أبي قبيس.
لم يكن سقوط الخلافة الإسلامية بالأمر الهَيِّن على المسلمين- علماء وعامَّة- رغم الوسائل الخبيثة التي اتبعتها الدول الأوروبية و حلفاؤها و اليهود وذيولهم؛ لتخفيف صدمة هذا السقوط، و تهيئة الأجواء لامتصاص آثاره، واتخاذ كل الوسائل لإشغال المسلمين بعد تجزئتهم في مشاكلهم الداخلية.
رغم كل ذلك فإن سقوط الخلافة تبعته آثار ذكرنا طرفًا منها في مقالات سابقة فبينا في حينه كيف كانت مشاعر المسلمين الحانقة ضد هذا السقوط، وكيف استطاعت الأبواق المتآمرة أن تمتص تلك المشاعر و تكتبها، بل وتأدها في حينها، ثم رأينا كيف كان مصير المؤتمرات التي تنادى المسلمون بعقدها لدراسة أمر المسلمين بعد هذا السقوط، فقد انتهت تلك المؤتمرات بعد أن فرغ الخطباء والمفكرون ما في جعبتهم من حسرة لم تغن لهم من الأمر شيئًا، و انفضت تلك الاجتماعات قبل أن تتفق على شيء؛ لأن الخرق كان أكبر من الرقع، والراقع أكبر من أن تراب صدعه مثل تلك المؤتمرات، إنه يحتاج إلى بيعة جديدة على الموت في سبيل إعلاء راية الإسلام من جديد، إنه يحتاج إلى عدة الجهاز ودماء المجاهدين ترويه؛ كي يستشرب الدماء الحارة و تسري الروح و الحياة في ذلك الجسد المُتهالك، إنه أمر أكبر مما يتصور المؤتمرون رفع أصوات و جمع توقيعات..
كان أمرًا- لوقفة القوم- دونه رقاب الرجال ودماؤهم، وترميل النساء و يتم أولادهن.
ولم تغن في ذلك أيضًا الحركات الفردية التي قام بها بعض النابهين من علماء الأمة أمثال شكيب أرسلان الذي كان يحس وهو يُعايش سقوط الخلافة بأوصال الأمة المسلمة تتقطع وقد بذل من جهده وفكره وحركته و أسفاره الشيء الكثير.. لكن مثل هذا العمل الفردي لم يكن ليُنبت شجرة تقاول تلك الأساطيل المُجتمعة، و تلك الأحقاد المُتراكمة.
ولقد كان التخطيط البغيض قد رسم لمثل هذه الحركات الفردية إطارها الذي تدور فيه و أساليب خنقها و امتصاصها، بل و تشويهها و دسّ أفراد في غمرة تلك الأحداث يلبسون لباس المسلمين ويتزعمون قيادهم باعتبارهم زعماء إصلاح... على أيديهم تُنقذ الأمة.. وهم في حقيقة الأمر مُتأمرون يقودون العوام إلى الهاوية حيث ذهبت الخلافة.
إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة
لم تكن حركة السنوسي مجرد حركة إصلاحية
والكلام عن أولئك وهؤلاء يحتاج إلى تسويد صفحات متلاحقة كيما تنجلي الحقائق وتسقط أقنعة أشخاص عَلَت أسماؤهم وسُجلت في مصاف المصلحين أو زعماء الإصلاح.
ولكن.. لما كانت حصيلة العمل الفردي كرَدَّة فعل لسقوط الخلافة لم يجد شيئًا في هذا السبيل كان البحث فيه لا يرقى إلى درجة الاهتمام بقدر ما هو كشف عن العوار كي يتجنب تكراره أو اتباعه منهجًا في علاج مثل ذلك الحدث الضخم الأليم.
•إلا أن الأمر إلهام الذي ينبغي تسليط الإشعاع عليه وجمع الهمة لمتابعة دراسة و بحثًا، و الوقوف عنده مع طول و دقة نظر هو العمل الجماعي لإعادة الخلافة الإسلامية، أو بمعنى آخر الحركات الإسلامية الجهادية التي رامت الجهاد طريقًا وحيد لإعادة الخلافة الإسلامية إلى سابق مكانتها وشرف مقامها.
تلك الحركات التي بدأت مع بداية السقوط الفعلي للخلافة الإسلامية يوم أن أدخلت القوانين الفرنسية و حَلَّت محل الأحكام الشرعية في الفصل بين الناس في الجنايات وغيرها.. ولم تنتظر لحين السقوط الرسمي عام ١٩٢٤ ، وقد واكبت الحركات الإسلامية طريقة العمل الجماعي أسلوبًا وحيدًا لإعادة الخلافة ولم تنقع- بفضل الله- حتى يومنا الحاضر.
•ولقد بدأت تلك الحركات على يد الداعية المصلح المجاهد الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- وتبعه الإمام محمد بن على السنوسي ثم محمد المهدي ثم حسن البنا- رحمة الله عليهم أجمعين.
وحركات هؤلاء الأئمة تحتاج إلى تجلية و وقفات تنظر من خلالها إلى منهجهم الفكري والعملي والتطبيقي و أثر ذلك على الواقع و مدى تحقيق الغايات التي من أجلها قامت حركاتهم؛ لنقف على إيجابيات وسلبيات تلك الحركات باعتبارها إنها نشأة كأثر من آثار سقوط الخلافة الإسلامية.
ومنطق البحث العلمي يقتضي تناول تلك الحركات بتسلسلها التاريخي؛ لكي أستميح القارئ عذرًا في أرجاء الحركة الوهابية لحين الانتهاء من الحركة السنوسية، وذلك لظهور معلومات جديدة في الحركة الوهابية، خصوصًا ما تمحض عنه أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب المُنعقد في المملكة العربية السعودية في الفترة من ۲۱- ١٧ ربيع الثاني ١٤٠٠هـ مما يستدعي التمَهُّل والدراسة لما جد من معلومات.
ولذا سنبدأ بالحركة السنوسية متبعين نشأتها و أهدافها و أسباب تلك النشأة و أسس الحركة الفكرية وغير ذلك مما يستلزم ذكره ليكون تقييمنا للحركة بعد ذلك وفقًا لما نذكره ذكراً علميًا مجردًا، إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ومعرفته.
ولم تكن حركة السنوسي مجرد حركة إصلاحية كما يقول المستشرقون أو علاج لبعض المشاكل التي كان يُعانيها المجتمع المسلم، ولم يكن هدف السنوسي أن يصبح خليفة المسلمين إنما كان هدفه إعادة الخلافة و رونقها وهيبتها لتحمي بيضة الإسلام والمسلمين ولو ظلت بأيدي العثمانيين.
•ومادام هدف الحركة هو إعادة الخلافة الإسلامية لسابق عهدها ومجدها فيمكن بالتالي معرفة وتلخيص أهم تلك الأسباب في الأتي:
(١) الشعور بدنو أجل الخلافة و أفول نجمها وما سيترتب عليه من ظلمة دامسة سيعيشها العالَم الإسلامي، ومستقبل رهيب ينتظر أمة الإسلام.
(۲) إن عجز دولة الخلافة الإسلامية عن إصلاح جهازها الإداري أدى إلى عجزها من منع انتشار الفساد بشَتَّى صوره في الأقطار الإسلامية الأخرى.
٣) وعجزها عن إقامة شرع الله وتطبيق الحدود أدى إلى فقد الصفة الشرعية التي تمسك بها قلوب المسلمين في شتى البقاع الإسلامية.
٤) ويضاف إلى ذلك شعور السنوسي بالهجمة الصليبية الجديدة التي تُذكره بتلك الحروب الطاحنة التي انتصر فيها المسلمون و كسروا فيها شوكة الأعداء، فكان يحس بهذه الهجمة الجديدة و يشعر بأن أسباب النصر لیست متوافرة، و أنهم سيكسبون هذه الجولة مالم تتدارك دولة الخلافة نفسها؛
كل ذلك جعل السنوسي يفرغ حياته كلها لهذا الهدف، فإذا استطاع أن ينشر دعوته و يقوي أركانها و يُنشئ دولة إسلامية قوية فإن قوته بالتالي قوة لدولة الخلافة الإسلامية، و طريق إصلاح فعلي لها، سيفوت بالتالي على أعداء الإسلام فرصة إجهاض الخلافة الإسلامية.
صاحب الحركة السنوسية:
١٢٠٢ - ١٢٧٦هـ
١٧٨٧ - ١٨٥٩ م
هو محمد بن علي بن السنوسي، أبو عبد الله السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي وهو من سلالة ملوك الأدارسة الذين أسسوا الدولة الإدريسية و مكنوا من انتشار الإسلام في المغرب، و يذكر أن أول خلفاء الأدارسة هو إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن السيد الحسن المثنى بن الإمام السيد الحسن السبط بن أبي طالب- رضوان الله عليهم- ولد في بلدة مستغانم «من أعمال الجزائر» في ١٢ ربيع الأول ۱۲۰۲- ۲۲ ديسمبر ۱۷۸۷ في محلة يقال لها «الواسطة».
فنشأ في بيت عبد الله بن الخطابي و كان بيت علم و دين، وكان السنوسي شغوفًا بالعلم ذكيا تقيًا وَرِعًا.
ولم يكن السنوسي ليقنع بما حصله من علم في بلدة «مستغانم» فسافر إلى فاس، و كانت مورد العلماء من كل مكان، و مكث يدرس بها سبع سنوات من ۱۸2۲- ۱۸۲۹ فأخذ الرواية عن أفاضل علمائها، و درس الطرق الصوفية دراسة واقعية فاختلط في فاس بالطريقة القادرية والشاذلية والدرقاوية والناصرية والحبيبية والجزولية وغيرها، وكان يتنقل بين الزوايا ويجتمع بمن فيها من الإخوان، حتى وصل إلى «عين مهدي» فدرس بها الطريقة التيجانية، ثم قصد «لاغوات» و فَضَّل الإقامة بها لأهمية موقعها بجنوب الجزائر بجوار «خطة توات» حيث كانت تعتبر من مفاتيح الصحراء وتجتمع بها القوافل الآتية من السودان الغربي والذاهبة إليه، ومكث بها يلقي دروسًا في الفقه وعموم العلوم الشرعية، و زار تونس وطرابلس و برقة.
ثم شد رحاله إلى مصر وكان واليها يومئذ محمد على باشا، ثم غادرها إلى الحجاز و التقى بالسيد أحمد بن إدريس الفاسي، و كان رئيساً للطريقة الخضرية، فلازمه وتتلمذ عليه و استفاد منه كثيرًا، ثم ارتحل أحمد بن إدريس إلى «صبيا» في اليمن، و تبعه السنوسي و أقام معه حتى توفي ابن إدريس سنة ١٨٣٥ وفي قول عام ۱۸۳۷، وعند وفاة ابن إدريس انضمت أقلية من أتباعه «الخضيرية» إلى السيد محمد صالح المغرابي و أسسوا لهم زاوية في مكة و سموا أنفسهم «إدريسيين».
و رجع بعد ذلك السنوسي إلى مكة و أسس أول زاوية في جبل أبي قبيس في عام ١٨٣٧ و مكث بها يُلقي الدروس في العقيدة و الفقه و ينشر تعاليمه، ثم انتقل إلى برقة عام ١٨٤٠ و لم يقطع صلته مع ذلك بأتباع ابن إدريس، وقد أفاد السنوسي من أسفاره هذه كثيراً، ففي مصر اطلع عن قرب إلى ضعف الدولة العثمانية، و استقلال محمد على بقوته وهيمنته، و استفاد من أسلوب بنائه للدولة المصرية الحديثة، و شعر بدنو أفول ظل الخلافة الإسلامية، وعَلِم أيضًا أن ضعف الدولة العثمانية هو السبب في عدم قدرتها على دفع الغزو الفرنسي عن الجزائر، و زيارته في بلاد المغرب كله أفاده صلة قوية بالفئات المؤثرة في تلك المجتمعات من زعماء قبائل وطرق صوفية وغيرها، و وقف على مصادر القوة والضعف فيها.
وفي مكة استطاع السنوسي أن يلتقي بوفود الحجيج المسلمين من كل مكان، و كان يختلط بهم و يأخذ منهم أحوال المسلمين، وفي نفس الوقت كان يبث إليهم أفكاره وآماله، ولا شك أن هذه الأسفار كان لها الدور الرئيسي في بلورة حركته، و رسم معالمها و استراتيجيتها على أسس واقعية و منهجية متينة، كفلت للحركة عناصر النجاح.
ومن حيث أهداف الحركة تعتبر الحركة السنوسية حركة جهادية تهدف لإعادة القوة لدولة الخلافة الإسلامية.
فلقد شعر محمد بن على السنوسي بما وصلت إليه دولة الخلافة الإسلامية من ضعف في شتى الميادين و بالتالي ضعفها عن إدارة المملكة الإسلامية المُترامية الأطراف، وشعر أن زوال الخلافة الإسلامية كارثة عظيمة ستشمل العالَم الإسلامي كله و تصيبه بالشلل المحقق، و تمكن أعداءه من القضاء عليه و قتل روحه الإسلامية بشتى الأساليب الممكنة.
فلم يكن بد من إعادة الثقة والقوة التي افتقدها المسلمون في دولة الخلافة فكان هدفه منذ أول يوم في حركته هو إعادة الخلافة الإسلامية إلى سابق هيبتها وقوتها، ولعل موقفه من الدولة العثمانية كما سيأتي يوضح لنا بجلاء،
كيف أنه كان يحافظ على هذا الهدف بكل ما أوتي من حكمة و حسن تدبير، و ليس هناك أي دليل ولا موقف ما يدل على أنه كان يهدف إلى إقامة دولة مستقلة مبتورة الصلة عن دولة الخلافة، وتكون له الإمارة فيها، و المتتبع لسير حركته يشهد أنه كان بميسوره الوصول لهذا الهدف دون أدنى جُهد و سيجد العون حتى من الدول الأوربية لتحقيق هذا الهدف القريب.