العنوان معادلة جديدة أمام اللجان الإغاثية الإسلامية في البوسنة والهرسك
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
مشاهدات 124
نشر في العدد 1023
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
الحلقة السادسة
فيما استطاعت أن تتخطى اللجان العربية والإسلامية العاملة في كرواتيا مشكلة التشتت في عملها لإتمام مهمتها الإنسانية تعترضها في المقابل مشاكل وصعوبات عديدة، ويشكل الشتاء بطبيعته الخاصة في البوسنة والهرسك عائقًا طبيعيًّا، إذ تواجه عملية الاتصال والنقل صعوبات طبيعية وتقنية حيث تم إغلاق جميع الطرق الرئيسية ولجأت لجان الإغاثة للطرق الجبلية الوعرة، أما أجهزة الاتصالات اللاسلكية فإنها معطلة أو مدمرة أو تحت سيطرة الكرواتيين أو الصربيين؛ لهذا فإن العملية تحتاج إلى تمهيد قانوني واتصالات رسمية حتى يتم تسهيل مهام هذه اللجان، إلا أن معادلة جديدة قد طرأت في هذه الأيام وهي الاشتباكات المسلحة التي بدأت بين الكروات والمسلمين على جميع الجهات في غرب وجنوب ووسط البوسنة وفي المدينة التي غادرتها قبل أسابيع وهي مدينة ترافينك أصبح القتال أكثر سخونة حيث قتل سبعة عشر كرواتيًّا في صدام مسلح مع المسلمين وقام الجنود الكروات بالسيطرة على منافذ ضواحي مدينة قريبة وهي مدينة نيوترافينك.
وعودة لمشكلة تم حلها بصبر وثقة وهي تأسيس المكتب التنسيقي للجمعيات
والهيئات الإسلامية العاملة في البوسنة والهرسك حيث صرح لنا الأستاذ عثمان الحيدر
مدير مكتب الإغاثة المشتركة الكويتية والذي بادر بطرح المشروع بأن المكتب قد تم
تشكيله في اليوم السابع من سبتمبر من هذا العام حيث شكلت (19) جمعية ومؤسسة لهذا المكتب
وقد تم اعتماد اللائحة وانتخاب المجلس التنفيذي من خمسة أفراد وهم الأستاذ زاهر
عبدالعزيز رئيس مكتب هيئة الإغاثة السعودية رئيسًا والأستاذ عثمان الحيدر رئيس
مكتب الإغاثة المشتركة الكويتية نائبًا وعضوية كل من كمال مصلح رئيس مكتب هيئة
الإغاثة البريطانية والأستاذ عماد الروح رئيس مؤسسة موفق الخيرية والأستاذ زكريا
عبدالسلام رئيس منظمة البر الإسلامية.
وحول ماهية عمل هذا المكتب التنسيقي أفاد الأستاذ عثمان الحيدر بأن هناك 9
لجان دائمة (الطبية- الإغاثة- الدعوة- الرعاية الاجتماعية- الإعلامية
التعليمية- المهاجرين- التجهيزات- العلاقات).
كما أن هناك أمانة عامة مهمتها جمع المعلومات حول القضية وعمل دراسات حول
أوضاع الشعب البوسنوي وخصوصًا الأيتام والأئمة والدعاة والمهاجرين وأسرهم بالإضافة
إلى الأعمال الإحصائية والمراقبة المالية.
ومن أحد نشاطات هذا المكتب المهمة والتي قام بها في الفترة من 18-20/9 إقامة
المؤتمر العالمي الإسلامي لرعاية حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك.
|
* كثير من الصعاب مازال يواجه اللجان
الإسلامية العاملة في دعم شعب البوسنة والهرسك |
وإذا كانت اللجان العاملة لدعم الشعب البوسنوي في كرواتيا قد تجاوزت
بعض الصعاب التي تواجهها إلا أن الكثير من الصعاب بقيت، حيث يؤكد الأستاذ زاهر عبدالعزيز
مدير مكتب الإغاثة السعودية في زغرب أن هناك مشاكل قائمة في توصيل المساعدات حيث
تم مصادرتها من عصابات ومافيا. وقد قامت هيئة الإغاثة بتوقيع بروتوكول رسمي مع
وزير خارجية كرواتيا لعمل التسهيلات لإيصال المواد الإغاثية ولكن الاحتياجات كثيرة
ومتعددة ولا تغطي أكثر من 10% من الاحتياجات، علمًا بأن الهيئة لديها مكاتب داخل
البوسنة، حيث قامت بافتتاح 3 مكاتب رئيسية في مدينة زينتسا ومدينة مقنبوت
وكراجتسكا، كما هيأ المكتب أسطول ناقلات لنقل المعونات إلى الداخل.. بالإضافة إلى 11
مندوبًا في 40 مدينة وقرية.
ويقدر الأستاذ زاهر التكلفة اليومية بمليون و800 ألف دولار لتغطية
الاحتياجات، علمًا بأن أعداد المهاجرين تتزايد باستمرار وأن ما يوجد لدى الهيئات
الإسلامية لا يغطي كما قلنا أكثر من 10%، وطالب الأستاذ زاهر بتدخل الجهود الدولية
وخصوصًا الدول الإسلامية لترعى هذه الاحتياجات.
وهناك مشكلة أخرى يثيرها البعض ويؤكد عليها الأستاذ زاهر وهي أن مساعدات بعض
الدول الإسلامية تذهب لبعض المنظمات الدولية ولا تصل بكاملها إلى المتضررين ولا
يشعر بها المسلمون حيث توزعها هذه المنظمات باسمها مما يشعر المسلمين داخل
البوسنة بأن المسلمين لا يساعدونهم.
والجدير بالذكر أنه في يوم الخميس 2/9 عندما كنا في مدينة ترافينك- تشهد
قتالًا هذه الأيام- وكنا نهم بالدخول إلى ملجأ جاجي دوم (بيت الشباب) وهو مركز
لتجمع المهاجرين استوقفنا أحد اللاجئين البوسنويين ويدعى منصور كروستا نوح وقال:
انظروا إلى هذه الشاحنة.. إنها تنزل مواد إغاثية قليلة وعليها إشارات الهلال.. هذه
الشاحنة تابعة لمركز «جاج ريفت» وهو مركز مساعدات صليبي وهي توزع هذه المساعدات
باسم هذا المركز الصليبي علمًا بأن هذه المساعدات تأتي من دول إسلامية.. كان ذلك
في تمام الساعة الثانية عشرة وأربعين دقيقة حيث التقطت صورًا لهذه الشاحنة وعندما
دخلت مع الوفد الذي نرافقه إلى الملجأ بادرت مسؤولة الملجأ قائلة: إننا رجوناهم
لمدة ساعات لإمدادنا بالمعونات وهم يكتبون أمام مركزهم الصليبي «المساعدات لا تقدم
هنا للمسلمين»! وعندما قلنا إن لدينا أطفالًا جائعين وليس لدينا ماء أو كهرباء أو
غذاء تعطفوا علينا بهذه الشاحنة التي كما ترونها هي مواد من دول إسلامية.
أما الأستاذ حشمت خليفة أحمد المسؤول الإداري لإحدى جمعيات الإغاثة المصرية
فقد أكد أن الشعب المصري قد دعّم شعب البوسنة والهرسك بصورة قوية حيث زار الشيخ
صالح جلافيوجيش محافظات مصر في شهر يوليو الماضي وساعدنا المسلمون هنا بالأطباء
والدعاة وكفالة الأطفال ويتابع قوله: نحن هنا ننسق مع الهيئات ومع المرحمة الخاصة
بالشعب البوسنوي لكننا هنا نواجه بعض المشكلات في التنسيق إلا أن المكتب الجديد
بإذن الله سيقوم بحلها.
وفي المقابل يتخوف الأستاذ كمال مصلح مندوب الإغاثة الإسلامية البريطانية من
أنه بعد أن تستنفد اللجان الإغاثية بعض أغراضها والتي يستفيد منها الكروات ربما
توضع أمامها عقبات أكثر مما هو موجود.
حيث إن العمل الإغاثي الإنساني قد ساعد في تحرك الاقتصاد الكرواتي حيث
انتعشت السوق الكرواتية وتم تداول العملة الصعبة في السوق للاستفادة منها كما أن
حركة النقل الجوي والبحري والبري قد نشطت مما أعطى دخلًا تجاريًّا هائلًا خلال
الأشهر الماضية، وبدأت عملية التعمير وتنشيط التجارة الدولية في هذه البلاد من
وراء حركة الإغاثة الإنسانية، كما أن الإعلام العالمي لم يبرح هذا الموقع منذ أن
بدأت المعارك حيث أصبحت كرواتيا نقطة الإعداد والاستعداد والإنتاج والتصدير
الإعلامي لهذه القضية، إذا أضفنا أن هناك أكثر من 20000 لاجئ فقط ينفق عليهم أرقام
خيالية يومية حيث نشطت السوق الكرواتية من جراء ذلك.
ومثال على ذلك نحن نقوم بتعمير ثكنة عسكرية للاجئين في مدينة فاراجدين بمبلغ
2 مليون مارك وذلك لإسكان 1000 شخص.
أما المعادلة الجديدة فهي كيف ستستطيع هيئات الإغاثة الإسلامية أن توصل
مساعداتها في ضوء المتغيرات الجديدة والناتجة من القتال بين الكروات والبوسنويين؟
حيث إن جميع المساعدات تصل عن طريق الحدود الكرواتية البوسنوية والتي تسيطر عليها
الحكومة الكرواتية من جهة والكروات البوسنويون الذين لا يعترفون بالحكومة
البوسنوية من جهة أخرى.
يقول محافظ دوني وقف «إن الصرب عدونا الواضح أما الكروات فإنهم يطعنوننا من
خلفنا ويقولون إنهم معنا» ويضيف قائلًا: «لو كانوا معنا لما احتل الصرب حتى نصف ما
احتلوه.. إنهم يدافعون فقط عن مدنهم ولا يدافعون عن باقي المدن ولا يذهبون للجبهات..
ومازلت أذكر كلمة أحد القادة البوسنويين في أوائل شهر سبتمبر عندما كنت في مدينة
زينتسا وهو يقول لي: إن الكروات بدأوا يشحذون سكاكينهم لنا.
ويبدو أن محاولات الرئيس علي عزت بيجوفيتش لفتح طريق إمدادات من طريق مدينة
موستار والتي يسيطر عليها الكروات البوسنويون قد فشلت وأن المعركة الجديدة قد بدأت
بعد أن انتهى الصرب من احتلال الشمال البوسنوي ليبدأ الكروات باحتلال الجنوب
والغرب البوسنوي ليصبح الوسط مهددًا بصورة لا يستطيع فيها المسلمون الصمود
إلى نهاية هذا الشتاء.
هل ستستطيع هيئات الإغاثة استخدام الجهود الدولية لإيصال المساعدات؟ هذا هو
التحدي الجديد أمام مكتب التنسيق الجديد، والتحدي الأكبر هو ماذا سيفعل المسلمون
أمام الأخطار المتتالية على الشعب البوسنوي.. هجوم كرواتي وصربي وحصار ميداني
وإغاثة متعثرة وتهاون دولي وشتاء قاتل.. أم هي أندلس جديدة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل