; لماذا الإسلام هو الحل؟ «4» | مجلة المجتمع

العنوان لماذا الإسلام هو الحل؟ «4»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008

مشاهدات 66

نشر في العدد 1808

نشر في الصفحة 41

السبت 28-يونيو-2008


من حق كل إنسان أن يطمئن على مستقبله العلمي في الحياة، وأن يعرف ما يهمه في مسيرته الدنيوية، كما أن من حقه أن يعرف الخطأ من الصواب، خصوصًا إذا كثر الخبث واختلط الحابل بالنابل وادعى الكل وصلًا بليلى، وكثر الدجالون والمشعوذون، وعم الجهل المطبق حتى تبلد العقل وتعطل الفكر وانعدم الإحساس، ونحن في زمن ثورة المعلومات والانطلاقات العلمية والتكنولوجية والإبداعية في حين قد انقلبت عند الكثيرين منا الأفهام إلى صحراء جدباء لا تملك نفعًا ولا تنبت خيًرا حتى ضاع التميز والتقدير والتقويم بل انقلبت الأمور إلى أضدادها ورجعت الأفهام إلى طفولتها وحيوانيتها، وتنكست الأرواح بانعدام الشعور والإحساس والتوغل في الظلمات حتى ضاعت منا الحقائق في رابعة النهار وصرنا دمى وعالة في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها. 

هذا ومع كل ما نحن فيه لا يريد البعض منا أن يراجع نفسه ويحاول أن يتعرف على تراثه العلمي والحضاري، وهو الكفيل بأن يعيد البعث العقلي إلى بهائه وضيائه من جديد، وخاصة أن هذا التراث قد رسم استراتيجية علمية للفرد المسلم يستطيع بها أن يكون أستاذًا في حياته.. في حياته القومية والعالمية ومن معالم هذه الاستراتيجية:

أولاً: التنبيه على أن هذا العالم قد رسم أصوله وحي إلهي فيه أضواء النبوة وإشعاعات الرسالة.

ثانيًا: يجب أن يعلم ويعرف كل إنسان بما يليق بعقله ومقامه، وفي الحديث خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أي على قدر ما يفهمون من الخطاب حتى لا يدفعهم ذلك إلى الملل أو الهروب من العلم. قال علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!

ثالثًا: ينبغي أن لا يكتم العالم علمه، قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»، وهذا أمر ينبغي ألا يكون مدعاة إلى الفخر والمدح، وجاء في الحديث: «ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها، قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».

فإن قلت كيف مدح يوسف نفسه بقوله ﴿وُإنْيِ حَفّيظٌ عَّٰليمْ﴾  (يوسف: ٥٥) والله تعالى يقول ﴿وُفلَاٰ تَرّكُوّٓاٰ أَنْفٌسْكمّ﴾ (النجم: ٣٢)، قلت: إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر والتوسل به إلى غير ما يحل فهذا هو القدر المذموم في تزكية النفس.

أما إذا قصد بتزكية النفس ومدحها إيصال الخير والنفع إلى الغير فلا يكره ذلك ولا يحرم بل يجب عليه ذلك، مثاله أن يكون عند بعض الناس عنده علم نافع ولا يعرف به، فإنه يجب عليه أن يقول: أنا عالم، ولما كان الملك قد علم من يوسف أنه عالم بمصالح الدين، ولم يعلم أنه عالم بمصالح الدنيا نبهه يوسف بقوله، ﴿إنيَ حَفيِّظْ عَلْيِمّْ﴾ (يوسف:٥٥) على أنه عالم بما يحتاج إليه في مصالح الدنيا أيضًا مع كمال علمه بمصالح الدين ومن دعائه ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع.. وهو العلم الذي لا يمنع صاحبه عن المنهي ولا يجره إلى المأمور به وإنما يقصد به التباهي والفخر والتطاول على الناس.

رابعًا: وضع الإسلام للعلم آدابًا حتى يكون العلم نافعًا ويكون العلماء قدوة للناس، قال لقمان الحكيم لابنه: «أي بني، لا تعلم العلم لتباهي به العلماء أو تماري به السفهاء، أو تراني به في المجالس».. قال ﷺ: «من تعلم علمًا ليباهي به السفهاء ويماري به العلماء دخل النار».

خامسًا: بين الإسلام مكانة العلماء التي لا تعدلها مكانة، وجعل مداد العلماء يوزن بدماء الشهداء يوم القيامة والعالم كالمجاهد في سبيل الله، والعالم فضله على العابد كفضل الرسول على أدنى الناس، وقال العلماء: اعلم أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناء الكاسب الآن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله ينمي على طالبه، وقال تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، فمنع المساواة بين العالم والجاهل لما قد خص به العالم من فضيلة العلم، وقال تعالى ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43) فنفى أن يكون غير العالم يعقل عنه أمرًا، أو يفهم منه زجرًا.

وعن الزهري: ما عبد الله بأفضل من الفقه، وعن سعيد بن المسيب قال: ليست العبادة بالصوم والصلاة ولكن بالفقه في دينه، يعني أنها ليس أعظمها وأفضلها الصوم بل الفقه، وعن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة: أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم وأهل الجهاد فالعلماء دلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأهل الجهاد جاهدوا على ما جاءت به الرسل.. وعن سفيان بن عيينه: أرفع الناس عند الله تعالى منزلة من كان بين الله وعباده، وهم الرسل والعلماء، وعن سهل التستري: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء فاعرفوا لهم ذلك. 

فهذه أحرف من أطراف ما جاء في ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، كما أن النفرة في طلب العلم من الواجبات ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

«فلولا نفر» فهلا نفر والطائفة في اللغة الجماعة، وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، والإنذار أي التعليم مجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، هما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين، فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني، فهو كما قلت ومعلوم عندنا أن العمل الصالح هو دين، وأما ما يطلق عليه أنه دنيوي، فالمراد به ما يتعلم للشهوات، أو للفخر وغير ذلك.

قيل لابن مسعود: بم وجدت هذا العلم. قال بلسان سؤول، وقلب عقول، قال بعضهم: سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس «الكيس: الفطن الذكي». وقال مصعب بن الزبير لابنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالاً وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً.. يتبع إن شاء الله.

الرابط المختصر :