; المجتمع التربوي (العدد 1791) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1791)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008

مشاهدات 57

نشر في العدد 1791

نشر في الصفحة 52

السبت 01-مارس-2008

تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (8)

إيمان مغازي الشرقاوي

  • تشكل العولمة خطرًا على الشباب.. ما لم تكن لديهم قاعدة صلبة من المبادئ والقيم الإسلامية.

لم تكن الهجرة بالنسبة للمسلمين مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا طلبًا للأمن أو فرارًا بالنفس: بل كان لها أبعاد أخرى كثيرة، ونتائج إيجابية عظيمة حولتها من محنة إلى منحة, فمن البعد عن الوطن الأم إلى القرب من الله ورسوله في وطن جديد، ومن ترك الإخوة والعشيرة إلى الأخوة الصادقة في الله، حيث الأنصار وإيثارهم الكبير، ومن خسارة أموالهم التي يحبون إلى حب الآخرة وابتغاء الربح فيها, ومن التجارة مع الناس إلى التجارة مع رب الناس، ومن التعلق بأسباب العيش إلى التوكل على خالق الأسباب ومسببها، والأخذ بها أيضًا للعون على تحصيله.

الهجرة من العزلة إلى الانفتاح والدعوة

كانت الهجرة كسحابة سوداء طيبة تحمل مع سوادها الغيث والرحمة، إذ استطاع المسلمون أن يلتقطوا أنفاسهم استعدادًا للسباق الطويل والتنافس الشريف في رياضة الإيمان العظيمة التي تؤهلهم لأداء دورهم الرفيع المناط بهم، بعد أن هجروا الكفر إلى الإيمان والجهل إلى العلم, والمعصية إلى الطاعة، والفرقة إلى الوحدة، والبدعة إلى السنة, والاستضعاف إلى القوة والتمكين، كما كان لهجرتهم أيضًا بُعد آخر عظيم لا يقل أهمية، ألا وهو الهجرة من العزلة والاستكانة إلى الانفتاح والدعوة.

•  رسول للناس كافة

قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28), وأمره أن يعلنها على الملأ في دعوته فقال له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (الأعراف: ١٥٨). وها هو صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن الله - عز وجل - بعثني رحمة للعالمين وهدى للعالمين» (الطبراني)، ويقول: «بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود» (الطبراني).

وحينما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يدعو إلى الله سرًا، وكان أول من آمن به من الرجال صديقه الحميم أبو بكر الصديق رضى الله عنه,  والذي حمل على عاتقه منذ اللحظة الأولى التي أسلم فيها همّ الدعوة فنشط فيها حتى آمن على يديه: عثمان بن عفان, والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضى الله عنهم, وأسلم بعدهم عدد من بطون قريش حتى صاروا أكثر من أربعين نفرًا، أسلم هؤلاء سرًا وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيًا؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية حتى أمره الله تعالى بالجهر بها فجهر.

• دعوة عالمية

وإذا كان المسلم قبل الهجرة يخشى من إظهار دينه حتى لا يعرض نفسه للعنت والمشقة، أو التعذيب والهلاك، أو الفتنة والردة، فأني له أن يدعو الناس إليه. إن هذا ليس بالأمر الهين أو السهل؛ لذا فقد وجد المسلمون بعدها في أرض الهجرة الطيبة مجالًا خصبًا للدعوة إلى الله, ففيها قلوب لينة وآذان صاغية ونفوس عالية، وإن ذلك - والله - لهو المنبت الحق المناسب لتلك الدعوة, والمأوى الآمن لهذا الدين وأهله بصحبة نبيهم الداعية الأول صلى الله عليه وسلم, حيث صار أهلها من الأنصار والمهاجرين خير الناس بخير الصحبة ورضى الله تعالى عنهم.

وغدت «المدينة النبوية» مكانًا للانطلاق باسم الله وفي سبيل الله لكل داعية آنذاك، يخرج نورها إلى الآفاق مخترقًا الحواجز والحدود ليفتح العقول والقلوب، وها هو نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتح لدعوته آفاقًا أخرى جديدة ليصل صوتها حول العالم, ويقرأ رسالته ملوك الأرض وحكامها ومن لهم الكلمة في شعوبهم؛ ليحقق بهذا العمل العظيم عالمية هذا الدين وصلاحيته لكل الناس على اختلاف ألسنتهم وأجناسهم ومستوياتهم وطبقاتهم، ففي غرة محرم في السنة السابعة من الهجرة كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام, واختار من أصحابه رسلًا لهم معرفة وخبرة فكتب كتابه إلى «النجاشي» ملك الحبشة، وإلى «المقوقس» ملك مصر، وإلى «کسرى» ملك فارس, و«قيصر» ملك الروم, و«المنذر بن ساوي» حاكم البحرين، وإلى «هوذة بن علي» صاحب اليمامة, و«الحارث بن أبي شمر الغساني» صاحب دمشق, وإلى ملك عمان، يدعوهم جميعًا فيها إلى الإسلام, ولم يكن ليتيسر فعل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة والتمكين للمسلمين من قيام دولتهم في «المدينة».

•  منهج الدعوة

لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن أمر الدعوة إلى الله ليست مهمته وحده؛ وإنما عليهم أن يتبعوه في هذا العمل العظيم ويقتدوا به، بل إنه وضع لهم أصول الدعوة وعلمهم المنهج القويم في كيفية ممارستها, فتخرج في مدرسته المميزة دعاة، وأي دعاة! وها هو يرسلهم لدعوة الناس وتعليمهم مبادئ الإسلام بعد أن انتشر في ربوع الأرض وصار له كيان ووجود, فأرسل خالد بن الوليد إلى نجران ليدعو من هناك إلى الإسلام ويعلمهم مبادئه وأحكامه، كما أرسل عليًا رضى الله عنه  إلى اليمن، وأرسل أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضًا، بث كلًا منهما إلى طرف من أطرافها، ووصاهما قائلًا: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا» (متفق عليه).

وقال لمعاذ: « إنك ستأتي قومًا أهل كتاب, فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (البخاري).

•  اعرف دينك.. وعرّف الناس عليه

لقد بدأت الأمة الإسلامية ونشأت على أكتاف رجال عرفوا المطلوب منهم، فلم يتكل كل واحد منهم على أخيه بُغية الراحة فيضيع العمل بينهما وتضعف الدعوة أو ينضب معينها، بل إن كل فرد من أفرادها عرف أن هذا الدين هو دين الحق، وأن الدعوة إليه واجبة على الجميع، كل بما يستطيع فالطرق الموصلة إلى الغاية متعددة كثيرة, أما الغاية فهي واحدة، ألا وهي: التعريف بالحق والتمكين لدين الله أن ينتشر ويسود. لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم, وأصحابه إلى الله بكل السبل الممكنة وقتئذ، دعوا إليه بالكلمة الطيبة، وبالقدوة الحسنة، وبالمجادلة بالتي هي أحسن، دعوا إليه على علم وبصيرة، بشروا ولم ينفروا, عملوا بما دعوا الناس إليه، استغنوا عما في أيدي الناس بما عند الله من ثواب وأجر، وصبروا على الأذى ولم يضعفوا, قاتلوا في سبيل الله ولم يعتدوا، وكانوا على ثقة من صحة الطريق ويقين من مجيء النصر ولو تأخر بعض الوقت.

إنه درس لي ولك ولكل مسلم وداعية, بل ولكل الناس من أهل الحق وغيرهم، إذ ما ينبغي أن تمر الأحداث بلا عبرة ولا فائدة، وكما قلنا إن دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  لیست كغيرها, وإنما هي للاتباع والعمل والاقتداء وتقفي الأثر.

الدعوة في ظل العولمة والانفتاح:

والآن بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة مفتوحة ومكشوفة، يستطيع أي إنسان أن يتجول في طرقاتها من خلال شبكات الاتصال الميسرة المبثوثة في كل مكان والتي تجدها في كل بيت، وفي كل غرفة, صار دور العلماء والدعاة إلى الله أصعب، ومسؤوليتهم في الدعوة أعظم وجهدهم المطلوب أكبر!

 والدعوة عبر هذه الوسيلة صالحة لإيصال صوت الحق لمن لا تستطيع الذهاب إليه أو لقاءه عبر العالم كله، ومع ذلك فإنها تحتاج إلى مزيد من الجهد والتنقيح والتنقية, لما يكون فيها من مواد قد تُنشر للتضليل والتثبيط, أو للكيد والصد عن دين الله، أو التعرض له في شخص نبينا الكريم صلى  الله عليه وسلم، وقد تكون عن جهل وقلة علم، إذ ليس كل ما يكتب أو يقال ويُبث صحيحًا بالضرورة، ومن هنا كان لابد من مواكبة هذا التطور واستخدامه كوسيلة فعالة للتعريف بالإسلام وكشف القناع عن الصور الملوثة التي يصورها عنه أعداؤه الكثيرون، كما لابد أن يكون لها دور في دحض شبهات وحجج المبطلين والمرجفين وإزالتها. والحمد لله تعالى؛ إذ يوجد الآن مواقع إسلامية عدة موثوقة، يدخلها من يرغب على شبكات الإنترنت, لكنها مع ذلك لا تعادل قطرة من بحر الغثاء المعروض على العالم.

أضف إلى ذلك خطورة ذلك الانفتاح السلبي على الشباب المسلم ما لم يكن لديهم قاعدة صلبة من المبادئ والقيم الإسلامية الأصيلة يرتكزون عليها ويحتمون بها، وهذا أيضًا واجب مهم من واجبات علماء الأمة الأفاضل، تتطلب الدعوة منهم للقيام به مواكبة التقدم التقني في وسائلها من حيث تطورها وتنوعها واستخدام كل الطرق التي تخدمها وتخدم المدعو، وعدم الجمود بها في حيز ضيق الأفق، وكل ذلك لا بد وأن يكون تحت ميزان الشرع وما يوافقه.

المراجع

الرحيق المختوم: للشيخ صفي الرحمن المباركفوري.

فقه السيرة النبوية: للدكتور محمد سعيد رمضان للبوطي.

 

الانحدار القيمي في المجتمع الإسلامي (١ من ٢)

أسبابه - مظاهره - علاجه

غياب الاجتهاد وسقوط الخلافة والاستبداد السياسي.. أهم أسباب الانحطاط

سید شعیب

  • العدل والشورى والجهاد والعمل والأخوة.. دعائم أساسية لقيام مجتمع إسلامي

شهد المجتمع الإسلامي المعاصر تحولات كبيرة وتغييرات جمة انحرفت به عن الجادة فأربكت عقله وأرهقت قواه, حتى غدا بعيدًا عن الإسلام وإن حمل اسمه، وعن القرآن وإن تغنى بآياته أناء الليل وأطراف النهار، وعن نبيه صلى الله عليه وسلم, وإن ادعى محبته وتظاهر لأجله. هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها وإليك شواهد من ذلك:

- فتش عن الأخلاق الإسلامية بين أبنائه!

 - أين القيم الإسلامية التي جاء بها الإسلام وأوصى بها أتباعه؟

 - هل تحققت المقاصد الأساسية التي جاء من أجلها الإسلام وهي حفظ الدين والعقل والنفس والمال والعرض؟

-  أين هي الأسرة الإسلامية الصالحة التي يقوم عيها المجتمع الإسلامي؟

 أين وأين وأين ...... 

نعم، قد تجد بعضًا من ذلك محققًا ولكن على سبيل الاستثناء لا القاعدة!

 لقد غدا المجتمع الإسلامي مبتور الصلة بماضيه تمامًا، اللهم إلا من بعض الشكليات أو المظاهر التعبدية التي تعد في حقيقتها وسائل لتحقيق أغراض أسمى ومقاصد أرفع.

كذلك فلا تعجب إذا أصبح لقمة سائغة في فم أعدائه الذين طالما ترقبوا هذه الفرصة السانحة للانقضاض عليه، بعدما صدتهم جحافل المسلمين من قبل في «حطين»، و«عين جالوت» وغيرها، وصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا, ولكنكم يومئذ كثير ولكن كغثاء السيل ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (أخرجه أحمد في مسنده 45/378 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2/2684).

وهكذا صدقت نبوءة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  وتداعي الشرق والغرب على الأمة الإسلامية فازهقوا أرواحًا، ونهبوا أموالًا، واغتصبوا أعراضًا وأوطانًا، وفرقوا أوصال المجتمعات الإسلامية إربا إربًا، وجلبوا إليه نفاياته وسمومه وأوضاره حتى فرغوه من محتواه وقطعوا صلته بالإسلام.

ولكن عناية الله أدركته بعد حين فأخذ يعود إلى الله من قريب وارتفعت أصوات الدعاة والمصلحين إلى العودة إلى الإسلام وإحياء شريعته وحضارته.

وها هو ذا المجتمع الإسلامي يخطو أولى خطواته في البناء والنهضة، ويحاول المفكرون والدعاة والعلماء أن يقدموا أحسن ما لديهم من مشاريع للنهضة الإسلامية. 

نعم، هناك العديد من المشروعات الجادة والأبحاث النافعة التي تقدم بها البعض في محاولة للنهوض.

•  مفهوم القيمة

القيمة في اللغة تشمل معاني عدة منها: «ثمن الشيء بالتقويم «لسان العرب»، والثبات والدوام على الأمر، فقوله تعالى: «الحي القيوم» تعني الدائم الباقي (الصحاح)، وقوام الأمر «بالكسر»: نظامه وعماده.

 أما في الاصطلاح: فقد عرفها البعض بأنها: «حكم يصدره الإسلام على الأشياء». وعرفها آخر بقوله: «القيمة هي تنظيم الاعتقادات والاختيارات بالاستناد إلى مراجع تجريدية أو مبادئ وإلى عادات سلوكية أو أنماط وإلى غايات الحياة..» (من كتاب القيم الإسلامية التربوية في المجتمع المعاصر, عصام بن عبد المحسن, سلسلة كتب الأمة, موقع الشبكة الإسلامية). 

وعلى هذا يمكن تعريف القيم الإسلامية بقولنا: «إنها مجموعة المبادئ والفضائل والأحكام والمفاهيم التي جاء بها الوحي الإلهي وأمر المسلمين باتباعها وتحقيقها مثل قيم: العدل والشورى والجهاد والعمل والأخوة وغيرها من القيم الإسلامية التي تعد دعائم أساسية لقيام مجتمع إسلامي».

هذا وتتميز القيم الإسلامية بالعموم والشمول، كما أنها تعتمد على القرآن والسنة وليست من نتاج الفكر البشري. 

أسباب الانحدار القيمي: أدت مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية إلى إحداث انحدار أو انحطاط في منظومة القيم الإسلامية التي جاء بها الوحي، وتميز بها الإسلام عن غيره من الأديان والقوانين الوضعية، ويمكن إجمالها في الآتي: 

• أولًا: الصراع بين الشرق والغرب أو بين الإسلام وغيره من الأديان- لاسيما اليهودية والنصرانية - هذا الصراع الذي تمتد جذوره إلى وقت ظهور الإسلام وبعثة النبي  صلى الله عليه وسلم.

 ولقد أخذ هذا الصراع أشكالًا عديدة ما بين مواجهات عسكرية كانت الغلبة فيها دائمًا للدولة الإسلامية، أو مواجهات ثقافية وفكرية وعقدية استطاع الأعداء أن ينفذوا من خلالها إلى العالم الإسلامي، وذلك بعد سنوات عديدة من العمل والجهد لتفريغ الإسلام من محتواه، وقتل روح الاعتزاز بالإسلام والانتماء إليه في قلوب أبنائه, وذلك من خلال حملات التنصير وتصدير الأفكار الغربية ومذاهب الإلحاد إلى العالم الإسلامي، ولا أدل على ذلك من الأفكار العلمانية والاشتراكية والمادية والشيوعية التي اجتاحت العالم الإسلامي في فترات احتلاله في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.

 نعم لقد تسللت هذه الأفكار وغيرها إلى العالم الإسلامي في غفلة من أبنائه ونزعة الإعجاب بالغرب وحضارته حتى تمكنت من زحزحة قيم الإسلام ومبادئه وأفكاره وحصرها في نطاق ضيق لا يعدو نطاق المسجد أو علاقة الفرد به، أما قيادة الحياة وتشييد الحضارة وبناء النهضة فهو من شأن الأفكار القومية أو العلمانية أو الاشتراكية.. إلخ.

  ثانيًا: سقوط الخلافة الإسلامية: يعد هذا العامل - في تقديري-  أهم العوامل على الإطلاق في انحطاط المجتمع الإسلامي قيميًا وحضاريًا، فلطالما حورب العالم الإسلامي من الداخل والخارج، ولكنه بقي صامدًا ببقاء دولته، فالكل يعمل للخلافة الإسلامية ألف حساب لما تثيره في النفوس من جزع وهيبة وتقدير في آن واحد. ويكفي أن نقول: لقد استمرت دولة الخلافة الإسلامية طيلة أربعة عشر قرنًا دونما مساس بهيبتها أو وقارها، وظلت هي السر في بقاء وخلود وانتشار رسالة الإسلام، حتى إذا ما سقطت على يد «أتاتورك» ذهبت هيبة الإسلام والمسلمين وتجرأت كل من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع على النيل من الإسلام والمسلمين!!

• ثالثًا: التقليد المذهبي وغياب الاجتهاد: 

وهذه هي ثالثة الأثافي، فمنذ خبا تيار العقلانية الإسلامية المتمثل في جهود الفقهاء والأصوليين والفلاسفة وأهل الاعتزال - بغض النظر عن جنوحهم إلى المبالغة والشطط العقلي أحيانًا - إلا أن العالم الإسلامي دخل في طور جديد من التقليد المذهبي والعناية بالشروح والمتون والدوران في فلك السابقين دونما إبداع أو اجتهاد وذلك لإحداث نوع من التكيف مع تطورات العصر ومتطلبات الحياة، اللهم إلا بعض المحاولات التي ظهرت ولم يلتفت إليها أو يستفاد بها كما ينبغي مثل: محاولات ابن تيمية وابن خلدون والشوكاني والدهلوي والأفغاني ومحمد عبده.

ولقد أثر ذلك بدوره سلبًا على الدين الذي بدا كما لو كان يحارب الإبداع العلمي والنظر العقلي، وصار الناس ينفرون منه في الوقت الذي كانت بدأت أوروبا تفيق من سباتها وتتطلع إلى النهضة العلمية.

 رابعًا: التخلف العلمي:

لقد صاحب تخلف العالم الإسلامي عقديًا وفكريًا واجتماعيًا تخلف من نوع آخر هو التخلف العلمي في العلوم كافة في: الرياضيات والطب والهندسة والفلك والكيمياء وعجز العالم الإسلامي أن يقدم علماء إسلاميين أمثال: «ابن سينا»، و«ابن الهيثم», و«جابر بن حيان»، و«أبو بكر الرازي»، و«ابن النفيس» في الوقت الذي بدأت أوروبا نهضتها العلمية على يد «جالليلو» و«كوبرنيكس» و«نيوتن» وغيرهم, واختفت في العالم الإسلامي قيم العلم والعمل والاجتهاد والإبداع.

•  خامسًا: الاستبداد السياسي:

 كما ساهم استبداد الحكام وتسلط الملوك على الشعوب في تأخير الشعوب الإسلامية إلى الوراء كثيرًا، وتأزمت العلاقة بين الحكام والشعوب واتسمت بالريبة والشك والقهر والجور غالبًا، وعاد عصر الفراعنة من جديد ليقول الحاكم لشعبه: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد !! وانعدم الوعي السياسي لدى الكثير من الشعوب؛ فاختفت قيم سياسية كثيرة عند كل من الحاكم والمحكوم مثل: قيمة العدل، وقيمة النصح، والأمر بالمعروف, والمطالبة بالحرية وإقامة الشورى وغيرها.

الرابط المختصر :