; كلمة إلى الدعاة- كيفَ نجعلُ المحاسبةَ جزءًا ثابتًا في حياتنا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كلمة إلى الدعاة- كيفَ نجعلُ المحاسبةَ جزءًا ثابتًا في حياتنا؟

الكاتب د. مجدي الهلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 16-يوليو-1996

يقول تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (سورة الشمس آيات 8- 9- 10)

فلقد خلق الله سبحانه وتعالى- لكل عبد من عباده نفسًا أمارة بالسوء ليختبر مدى صدق عبوديته له، وجعل من أهم صفاتها الجهل والظلم والشح، ولقد طالبنا الله- سبحانه بأن نجاهدها وننتصر عليها ليكون الفلاح والنصر في الدنيا والآخرة حليفنا..

قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج آية 40)، فالعبد- كما يقول شيخ الإسلام عبد القادر الكيلاني- بين الله ونفسه، إن نصر نفسه صار عبدًا لها، وإن نصر الله كان عبدا له.

وعبودية الإنسان لنفسه تتمثل في قيامه بتلبية طلباتها، فهي تحب الراحة وتكره المشقة والتكليف، وتحب أن تأخذ حظها من كل فعل يفعله العبد بأسمى حظ للنفس شعورها بالعلو والرفعة عمن حولها.

فإذا ما سار إنسان وراء نفسه وهواها فلن يقيم فريضة لأن نفسه تكره التكليف وتحب الراحة فإن كان في قلبه إيمان وأقام الفريضة فإن نفسه لا تترك عمله يصعد خالصًا لله دون أن تأخذ نصيبها منه وتجعله إما يراني به أو يتكبر بعمله هذا على غيره أو يغتر به.

ولن يبالي الإنسان من أية وجهة جمع منها ماله، نكل همه إرضاء نفسه وإشباع رغبتها في جمع المال، وسيطلق لبصره العنان، بل ولفرجه أيضًا، وسيملأ بطنه بكل ما تشتهيه نفسه دون نظر إلى حلال أو حرام، وهكذا في بقية أموره.

يقول الإمام أبي حامد الغزالي- رحمه الله – "وأعلم أن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، وأمرنا بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملناها جمحت وشردت ولم نظفر بها بعد ذلك، وإن لازمناها بالتوبيخ والمعاتبة والملامة كانت هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجونا أن تصير النفس المطمئنة".

ومن هنا نقول إن المعركة بين المرء ونفسه معركة شديدة، ولا يبالغ من يقول إنها أعنف معركة في الوجود، فالعدو محبوب وما يدعو إليه محبوب، وما تعود منا إلا الاستسلام له والأسلحة التي يحاربنا بها لا نعرف كثيرًا منها، هدف هذا العدو الاستئثار بكل شيء فما من حركة أو سكنة أو فعل إلا ويريدها. ومن وراء هذا العدو عدو أكبر أخرج أبوينًا من الجنة بوسوسته وتزيينه.

فالمعركة شديدة ولكن لا سبيل إلا لخوضها والانتصار لله فيها.. يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (سورة النازعات آيات 40- 41).

فمن أراد الجنة بصدق فليبع نفسه لله، وهذا البيع لن يتم إلا إذا انتصر كل منا على نفسه وساقها إلى الله فتصبح حركاته وسكناته وقيامه وقعوده لله لا لنفسه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (سورة البقرة آية 207).

وطريق الانتصار على النفس يبدأ بإدراك كل منا حقيقة خطورتها علينا لو تركناها دون مجاهدة فإذا ما أدركنا ذلك شعر كل منا عن ساعديه ورفع راية الجهاد ضد نفسه ووقف لها بالمرصاد وحاسبها على الصغيرة والكبيرة.

يقولصلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني".

فمحاسبة النفس هو من أهم وسائل جهادها يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "محاسبو أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

ويقول عروة بن الزبير- رضي الله عنه- رأيت عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء فقلت: "يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها".

ويقول الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (سورة القيامة آية: 2)، قال: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي والفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه.

وقال رجل لعمر بن عبد العزيز متى أتكلم قال: إذا اشتهيت الصمت، قال: ومتى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام.. وكان رحمه الله إذا كتب كتابًا فخاف فيه العجب مزقه ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي.

ويقول محمد بن المنكدر إني خلفت زياد بن أبي زیاد مولی ابن عباس وهو يخاصم نفسه في المسجد يقول: أجلسي أين تريدين؟ أين تذهبين؟ أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد؟ أنظري إلى ما فيه تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان؟!!

 فلا بُدَّ من محاسبة الإنسان لنفسه ومداومته على ذلك فبدون هذه المحاسبة يعيش كل منا في غفلة عن حقيقة أمره، بل وقد يظن في نفسه الصلاح بما يؤديه عن طاعات متناسيًا ما أرتكبه من آثام.

كيف نداوم على محاسبة أنفسنا؟!

يتبين لنا مما ذكرنا سابقًا أهمية محاسبة كل منا لنفسه ومداومته على ذلك، وهناك بعض الوسائل التي تعين الواحد منا على جعل ورد المحاسبة جزءًا ثابتًا في حياته اليومية نذكر منها:

1- الاستعانة بالله، فمن أراد جهاد نفسه ومحاسبتها فليستعن بالله على ذلك، فالله- عز وجل يعلم أنه لا طاقة لنا بجهاد أنفسنا، ويعلم أننا لا نستطيع الوقوف بمفردنا أمام أسلحتها ومغرياتها فلم يطلب منا- سبحانه- إلا الاعتراف بمدى حاجتنا إليه، فنخرج من حولنا وقوتنا إلى حول الله وقوته ونوقن أنه- سبحانه وتعالى لو تركنا لصرنا أسرى وعبيدا لنفوسنا.

فلا بُدَّ من الانكسار لله والذلة له والاعتراف الدائم بضعفنا وفقرنا إليه، وأنه جل وعلا لو تركنا لهلكنا عبيدًا لأنفسنا ولأهوائنا، ولا تبعنا الشيطان وهو- سبحانه- الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر ولغرقنا في بحر الدنيا ولم لا والفسوق والعصيان.

 يحكى عن بعض الصالحين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جنت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو- سبحانه- قد أخذ بيدي وأدخلني فيه. 

٢- على كل منا أن يجلس مع نفسه يوميًا ولو لبضع دقائق شريطة أن يكون صافي الذهن، وهذا الصفاء عادة ما يكون في وقت الفجر وبعد أداء الصلاة.

 وهذه الجلسة تبدأ باستعراض أحداث اليوم الفائت ثم توجيه أسئلة ورد المحاسبة للنفس، وبعد الانتهاء من الإجابة على الأسئلة يحصر كل منا الآفات والذنوب التي اقترفها، ثم يتوب إلى الله منها ويعزم على ألا يعود إليها في اليوم التالي.

لا بُدَّ من وجود قوة دافعة تدفع الإنسان لمداومة محاسبته لنفسه هذه القوة الدافعة هي تقوى الله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (سورة الحشر آيات 18- 19).

فلنجتهد في تحري الأسباب الموصلة إلى زيادة التقوى في قلوبنا من كثرة ذكر الله، ومداومة الاستغفار، وذكر الموت والقبر والبعث والحشر والنشور والقدوم على الله- عز وجل.

الرابط المختصر :