العنوان الجيش الليبي: هل هو مؤسسة فاسدة أم معُادية للنظام؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1983
مشاهدات 78
نشر في العدد 629
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 19-يوليو-1983
حين يتصدى منبر إعلامي رسمي ليبي بالهجوم على المؤسسة العسكرية الليبية
برمتها فيتهمها بالفساد و«الرجعية» ويطالب بحلها، وهي التي أخرجت من جلبابها النظام
الحاكم في ليبيا هذه الأيام، فإن هنالك ولا شك أسبابا وراء هذا الهجوم.
وقبل أن نحاول الغوص وراء هذه الأسباب فلنعرض نماذج من الهجوم الإعلامي
المقذع الذي قامت به مجلة «الزحف الأخضر» الليبية ضد الجيش الليبي، والذي نشرته مجلة
«جان أفريك» بتاريخ 8/6/1983.
جاء في المقال المذكور:
«رائحة عفنة أزكمت الأنوف، رجعية
موغلة في القدم، متحكمة في الرؤوس، جهل مطبق، فساد مستشر لم يعد ثمة مجال للسكوت عنه،
ذلك هو الجيش.. باختصار شديد».
ثم يستطرد المقال لتوضيح هذا الفساد فيقول:
«هذا الشعب المسكين يعرف أن الخمر
يستورده ضباط الجيش، وأن الحشيش تجارة من ضباط الجيش، وأن الدعارة روادها وزبائنها
من ضباط الجيش، وأن الوساطة والمحسوبية تنبع منه أيضًا.
في المطارات والموانئ أغلب الأشياء الممنوعة التي تم ضبطها كانت
لضباط الجيش سواء من الخمر أو الحشيش أو حتى من الأشرطة الخليعة والسلع الترفيهية النادرة
والتحف الغربية في الشارع نجد السلع الممنوعة والسيارات الممنوعة والقصور الفخمة وعصابات
التهريب والشلل المصلحية في الليالي الحمراء، وشبكات الدعارة كلها ملك لضباط من الجيش
وبإشرافهم وقياداتهم، بعضهم يحمل النياشين والأوسمة من نوط الواجب العسكري حتى وسام
«المواطن الصالح».. وبعضهم يستند إلى شلة أو قبيلة أو قرابة لشخص من مراكز القوى المعترف
لها بالحل والربط.. وغير هؤلاء متربص بالجماهير معاد لها اللعنة.. هنالك في طبرق..
الجنود والضباط يهربون الحشيش ويدعون بأنهم يحمون الوطن.. في المدن يلبسون الأوسمة
ويشتمون اللجان الثورية، ويشتمون حكم الشعب ويسكرون مع الطبقة البرجوازية حتى فقدان
الوعي، إنهم رجعيون فاشيون».
وبعد هذا الوصف الدقيق لما يجري من فساد داخل الجيش الليبي يتطرق
المقال إلى الحل فيقول:
«وهذا الجيش يجب أن يعاد النظر
فيه، وألا يؤجل مصيره يوما آخر.. إن كل دقيقة نضيعها قبل أن نقضي على مؤسسة الرجعية
المضادة للجماهير بالطبيعة هي ممارسة للخيانة نمارسها ضد أنفسنا مع سبق الإصرار».
ثم يعود المقال إلى تعداد الفساد المستشري في الجيش الليبي ويحرض
جماهير الشعب ولجانه الثورية على القضاء على هذا الجيش كما يلي:
«عشرات الآلاف من الشباب القادر
على العمل المنتج البناء تتركونهم أيها الشعب داخل هذه المؤسسة الرجعية التي يهيمن
عليها الحشاشون والداعرون والفاجرون والجاهلون والسماسرة الذين ليس لهم تفكير في نهارهم
وليلهم إلا في الطريقة التي يستوردون بها لوازمهم الملحة إياها!
والكيفية التي يخطفون بها بنات الناس الشريفات واللاشريفات. النظيفات
والخبيثات. والأسلوب الذي يتمكنون به من الحصول على العمولات وتكوين العلاقات في الداخل
والخارج لتمهيد الطريق للوساطات والمحسوبية والرشاوي حتى إنك إذا أردت أن تحصل على
«شوال» من الأرز تلجأ إلى ضابط
في الجيش، وكذلك إذا أردت الحصول على جواز سفر أو وثيقة خروج من البلاد أو سلفة من
البنك أو خط هاتفي أو سيارة جديدة أو مستعملة، أو الحصول على مربية لأطفالك أو على
امرأة شغالة.. في كل هذه الحالات وغيرها عليك أن تلجأ إلى ضابط في الجيش لتسهيلها لك.
ولا حل لهذه المشاكل إلا بالقضاء على هذه المؤسسة الملعونة على أيدي
اللجان الشعبية وجماهير الشعب وأفراد الجيش.. إن واجب المؤتمرات الشعبية اليوم أن تدعو
نفسها لعقد اجتماع طارئ لإصدار قرارها بحل الجيش وإعادة هؤلاء العاطلين إلى مراكز التأهيل
الفني والتقني والأخلاقي وتشغيلهم في أعمال مفيدة بدل تجميعهم بهذا الشكل المضر بأنفسهم
وبالاقتصاد.. انتظارًا لتحرير الأرض المحتلة التي طال احتلالها دون أن يغضب أي صاحب
وسام على اغتصابها.. إن المؤسسة العسكرية العربية التي فشلت في مواجهة العدو الغازي
وفشلت في تحرير التراب المحتل، وفشلت في تبني أهداف الجماهير الشعبية في الحرية والتقدم
والوحدة ونراها قد نجحت في الانقلابات والاستيلاء على الإذاعات وقمع التظاهرات ونجحت
في الانسحابات المنظمة وغير المنظمة أمام زحف العدو، لا يمكن لها -والحالة هذه- إلا
أن تكون مؤسسة العار والإذلال والأمراض النفسية».
انتهى المقال أو ما اقتطفناه من المقال.
والآن نعود إلى الأسباب التي دعت صحيفة «الزحف الأخضر» الليبية إلى
كتابة هذا المقال النقدي التحريضي الجريء بل على هوية كاتب المقال أو الجهة التي وراء
هذا المقال، لا شك أن شخصًا عاديًا أو صحيفة ثورية أو غير ثورية لا تستطيع أن تهاجم
جيشها وتكشف عن فساده وتطالب بحله في بلد «نام» وخاصة إذا كان هذا البلد النامي عربيًا
وإذا كان هذا البلد العربي هو ليبيا بالذات.
يقول المطلعون على الظروف الداخلية للجماهيرية الليبية أن الذي يقف
وراء هذا المقال هو النظام إن لم يكن أملاه بنفسه ذلك أن هنالك من العبارات التي وردت
في المقال يرددها الرئيس الليبي مثل: «إن الحل هو أن يقوم الشعب المسلح ويختفي الجيش
لأن الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن ذكرًا كان أم أنثى، كما أن الموت -إذا أصبح ضروريًا-
يجب على كل مواطن أن يتعرض له».
ويبدو أن النظام يخطط لتنفيذ القضاء على الجيش على ثلاث مراحل:
1- عرض الحجج ضد الجيش واتهامه بالفساد والمخدرات والكحول والدعارة
والاختلاس... إلخ.
2-
التخريب داخل الجيش.
3- القيام بالاعتقالات والإعدامات ضد الجيش على أيدي اللجان الثورية
والمؤتمرات الشعبية.
وإذا كان لا يزال هنالك شك حول نسبة مقال «الزحف الأخضر» إلى النظام
فمن غيره يستطيع أن يدخل في حرب مكشوفة مع الجيش؟ ولكن لماذا أقدم النظام على ذلك؟
لماذا يقطع الغصن الذي يستند إليه؟ وإذا ألغي دور جيشه فماذا يمكن أن يكون مصير طموحاته
العربية والإفريقية؟
لماذا يتصرف النظام هذا التصرف وهو يعلم أن هذا الجيش هو الذي حمله
إلى السلطة؟
من المعروف أنه في الأشهر الأخيرة تم اكتشاف عمليات تمرد ومحاولات
انقلاب داخل الجيش في حين تشير كل الدلائل إلى وجود حركات رفض داخل الجيش بدأت تأخذ
أبعادًا مقلقة.
إذن لابد أن يعود النظام إلى داخل الجيش فهل يتم ذلك بحل مؤسسات
الجيش جميعًا باعتبارها مؤسسات رجعية فاسدة؟ أم أن هذه الدعوة إلى حل الجيش هي مقدمة
لتطهير الجيش من العناصر غير الموالية وذلك بمساعدة المؤسسات الموالية للنظام حقيقة
وهي اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية؟
إلا أن هنالك رأيًا آخر، رأيًا أيديولوجيًا، ينطلق من طبيعة التفكير
الذي يحكم النظام الليبي المغرم بتغيير كل شيء وهدم كل شيء يخلو من البصمات الواضحة
للنظام، فالجمهورية أصبح اسمها جماهيرية والوزير أصبح اسمه الأمين والرئيس أصبح اسمه
الأخ والمؤسسات تحكمها قواعدها -أو هكذا يجب أن يكون التصور- فأمين المستوصف الجاهل
-مثلا- المنبثق عن اللجان الثورية هو المسؤول عن التوقيع على فاتورة الدواء اللازم
جلبه للمستوصف علمًا بأن هذا الأمين لا يفقه شيئًا في شؤون الدواء!
ولما كان كل شيء لابد أن يتبع النظام الذي لا يستقر على حال كان
لابد من الصدام والتعارض والتناقض، ولعل التناقض الفكري يفرز تناقضًا مسلكيًا فإصلاح
الجيش الليبي الفاسد لا يكون بإلغائه كليًا وإلا لم يعد الأمر إصلاحًا بل هدما وإلغاء
ثم إن هذا الفساد المستشري في الجيش.. من المسؤول عنه؟ من هم رموزه؟ من الذي أطلق له
الحبل على الغارب حتى وصل إلى ما وصل إليه؟ وهل صحيح أن الدعوة إلى حل الجيش الليبي
بل الجيوش العربية ناتجة عن كون هذه الجيوش عاجزة عن تحرير الأرض المحتلة وقادرة على
الاستعراضات والانقلابات؟
نحن نوافق على قدرة هذه الجيوش على الاستعراضات والانقلابات وخاصة
حتى وقت قريب ولكننا نقرر أنها اليوم أعجز حتى عن القيام بهذين الأمرين وأقدر على التصدي
للجماهير الغاضبة والتنكيل بها وكبت أنفاسها وإراقة دمائها ليبقى «النظام» وليبقى النفوذ
الأجنبي الذي يدعم النظام ولتخضع الجماهير وتسكت وتصفق أو تموت وتسجن وتعذب!
إذا كانت الجيوش العربية ومنها الجيش الليبي لا تفكر في تحرير الأرض
المحتلة، بل هي منغمسة في الفساد فمن الذي أوصل هذا الجيش إلى هذا المستوى؟ ولماذا
هذه الجيوش قادرة على التصدي لعناصر الثورة الفلسطينية واحتلال قواعدهم قاعدة إثر قاعدة
واعتقالهم وقتلهم الأمر الذي عجزت عنه قوات الصهاينة أنفسهم؟
لماذا يكون الجيش الليبي والجيش السوري قادرين على مطاردة الفدائيين
الذين خرجوا لتوهم من مجزرة يهودية بأسلحة أميركية؟ لماذا يبادون هذه المرة بجيوش عربية
وأسلحة روسية؟ هل لفساد في الجيش أم لفساد في الأنظمة التي صنعت هذه الجيوش؟ أليست
حركة الشعب الفلسطيني لتحرير وطنه حركة شعبية وخاصة حركة «فتح» فلماذا الإصرار والمساهمة
على إجهاض هذه الحركة بجيوش رسمية في الوقت الذي نطالب فيه بحل هذه الجيوش الفاسدة
الرجعية وتسليح الشعب كل الشعب بدلًا منها؟
نحن نسأل، ومن حقنا أن نسأل: إذا كان بعض الأنظمة التي أوصلها الجيش
إلى السلطة لم تعد تثق في جيوشها رغم «التطهيرات» المستمرة ورغم الافساد المستمر فهل
تصدق أنها جادة في تسليح الشعب كل الشعب ونحن نرى عناصر من المحاسيب تتدفق عليها الأسلحة
وعناصر من الجماهير المغلوبة على أمرها تقتل وتسجن وتعذب؟
الحرية -أيتها الأنظمة الثورية- لجماهير الشعب وهي حينئذ، حين تحصل
على حريتها تختار النظام الذي تريد -وهو بالقطع نظام إسلامي- وتنهج الطريق الذي تريد
-وهو بالقطع نهج إسلامي- ومادام النهج إسلاميا فهو من رب العزة وهو حق، وعندئذ لن يكون
هناك فساد ولا تخبط ولا مذلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل