العنوان بعد القمة السورية الأردنية.. هل تسير عملية السلام في طريقها المرسوم؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 749
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-يناير-1986
من الأمور التي لم تنشر ولم تذع ولم تجر على لسان أحد عبارة بالغة العمق والدلالة، قالها حاكم عربي راحل لأحد المسؤولين الفلسطينيين، قال الحاكم العربي: «إنني أخاف عليكم من هذا الرجل (ضابط طائفي) الذي تعده الولايات المتحدة لاستلام الحكم في بلده، إنه حينئذ سيطاردكم في البر والبحر والجو، وفي كل مكان، فكونوا على حذر منه».
وما هي إلا سنوات قليلة حتى أصبح هذا الضابط حاكمًا عربيًا، وما هي إلا سنوات قليلة أخرى حتى أصبحت الثورة الفلسطينية تطارد في البر والبحر والجو، وفي كل مكان، على يد هذا الضابط الذي أصبح حاكمًا.
* ونحن لسنا من هواة كشف الأسرار، ولكننا مكلفون شرعًا بكشف الشرور التي تبيت لهذه الأمة والأشرار الموكلين بتنفيذها، فلم يكن الناس يعلمون حين كان الزعيم حسني الزعيم يملأ الدنيا صراخًا حول تحرير فلسطين، إنه كان يجري اتصالات مع اليهود من أجل حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بتوطينهم في أرض الجزيرة في سوريا، وأنه أصبح حاكمًا على سوريا بترتيب أمريكي، وحين انكشف أمره سقط حسني الزعيم، وسقط مشروعه، ولم يكن الناس يعلمون حين كان عبد الناصر يملأ الدنيا صراخًا حول تحرير فلسطين أنه كان يجري اتصالًا مع اليهود من أجل توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، فيما عرف باسم مشروع سيناء الأمريكي، وأنه كان يسمح للبواخر الإسرائيلية بالمرور في قناة السويس، وأنه كان أول حاكم عربي يعترف ضمنًا بالكيان اليهودي من خلال موافقته على مشروع روجرز الأمريكي، ورغم ذلك نجد اليوم من أبناء العرب من لا يزال يعتبره النموذج الأمثل للحاكم العربي.
* واليوم تجري على الساحة اللبنانية أحداث سياسية هامة، ترافقها بعض الاشتباكات العسكرية في بيروت وفي الجنوب، فهناك اتفاق تم التوقيع عليه في دمشق من أجل إنهاء القتال في لبنان بين الطوائف المتصارعة، ومن أجل تشكيل حكومة (وحدة وطنية)، ومن أجل صياغة دستور لبناني جديد يلغي- كما قيل- حكم الطوائف بالتدريج، ولكن السؤال لم يطرحه أحد- على ما نعلم- لماذا لم يشترك المسلمون السنة في تقرير مصير وطنهم ومستقبله؟ إن الجواب على هذا السؤال يتلخص في تحجيم دور السنة في لبنان بعد ضربهم عسكريًا، ولم يكن في الإمكان تحجيم دورهم قبل تحجيم الدور الفلسطيني في لبنان باعتباره دورًا سنيًا، والقضية في تصورنا ليست قضية سنة، وشيعة، ودروز، وموارنة بمقدار ما هي قضية مسلمين يحكمون، أو مسلمين محكومين، وبالقطع فإن غياب أو تغييب دور المسلمين وبالتحديد الإسلاميين عن حكم أنفسهم في ديارهم واستلام السلطة هو هدف متفق عليه من كل أعداء الإسلام والمسلمين في الشرق والغرب وفي ديار العرب والمسلمين أيضًا، وهذا يفسر الصمت إزاء ما يجري في لبنان بل المباركة الضمنية والعلنية.
لقد كتبنا كثيرًا أن من الحكام العرب من يخاف من الأنظمة الإرهابية، وأن منهم من يدعم خطواتهم في الخفاء، ونحن نصاب بالدهشة حين يصل الأمر إلى حد الاعتقاد بأن هذا الخوف وهذا الدعم يبعد الشر عن هذه الأنظمة، أو بمعنى آخر يبقي على هذه الأنظمة، فهل يجوز هذا؟ هل يجوز أن ندعم نظامًا نعلم حق العلم أنه يقوم بدور تدميري لهذه الأمة على المدى البعيد لنبقى نحن في الحكم على المدى القريب؟
وفي بلد مواجهة عربي ثوري يعتقل حتى الآن (1200) فلسطيني من مخيم اليرموك وحده، ويختطف (200) فلسطيني من قيادي «فتح» في لبنان لينقلوا إلى المعتقلات في سوريا، ويموت أربعة منهم تحت التعذيب، ولم يحتج أحد مجرد احتجاج خوفًا، أو تأييدًا.
ويتم اللقاء السوري الأردني على مستوى القمة، ونحن من حيث المبدأ مع كل لقاء عربي، ومع كل وفاق عربي، ولكن ماذا جرى في هذا اللقاء؟ وما هي شروط سوريا لهذا الوفاق؟ يقول «أبو إياد» في لقاء للمجتمع معه: إن شروط سوريا أربعة، هي:
الاعتذار من قبل الأردن على ما أسمته سوريا بجولات التسلل من قبل «الإخوان المسلمين» إلى سوريا، ثم إلغاء اتفاق عمان، ثم سحب الأردن ثقتها بياسر عرفات، ثم وقوف الأردن على الحياد في الصراع بين إيران والعراق، أو أن تكون علاقتها بهما متوازنة، أما بالنسبة للشرط الأول فالإخوان المسلمون يمثلون رمز التيار الإسلامي بل التوجه الإسلامي لهذه الأمة من أجل الخلاص والانعتاق، وهم العمود الفقري والطليعة لكافة التيارات الإسلامية شأنها شأن «فتح» بالنسبة للمنظمات الفلسطينية، وضربهم يعني ضرب التيار الإسلامي والتوجه الإسلامي برمته.
أما بالنسبة للاتفاق الأردني الفلسطيني فبالرغم من أننا لسنا متحمسين له من حيث هو خطوة على طريق ما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط، أو بمعنى أدق هو خطوة في طريق الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين، إلا أننا نتساءل: لماذا يحتج «بعض العرب» على التقارب الأردني الفلسطيني، ويطالبون بإسقاطه، بينما يصمتون، بل ويباركون التقارب السوري الأردني؟ مجرد سؤال يحتاج إلى جواب مقنع، ولماذا يقبل الانشقاقيون استقبال إيلي حبيقة في دمشق، وهو (بطل) مذبحة صبرا وشاتيلا الأولى بالتعاون مع الإسرائيليين، بينما يطالبون بإسقاط ياسر عرفات، مجرد تساؤلات للكشف عن المفارقات العجيبة في التصرفات التي تكشف عن حقيقة المأساة التي تعيشها السياسة العربية والفلسطينية تحديدًا هذه الأيام، ويزول الاندهاش حين نعلم أن هناك عاملًا مشتركًا بين هؤلاء الانشقاقيين وبين إيلي حبيقة وأسيادها، وهو ضرب المخيمات الفلسطينية وذبح سكانها.
وأما بالنسبة للحرب العراقية الإيرانية فبدلًا من أن تعمل سوريا على إطفاء نار هذه الحرب المدمرة وتشكيل جبهة شرقية تضم سوريا، والأردن، والعراق، ومعهم إيران، يكون هدفها التصدي الحقيقي للكيان اليهودي، بل وتحرير فلسطين وليس القدس فقط، بدلًا من ذلك تريد سوريا استمرار هذه الحرب، ونحن نسأل: لمصلحة من استمرار هذه الحرب؟
ومما يلفت النظر في الآونة الأخيرة أن أطرافًا فلسطينية منشقة بدأت تمد الجسور مع قيادة منظمة التحرير استجابة لمقررات اجتماع بغداد الأخير، ولعل الاتحاد السوفييتي أخذ يضغط في الآونة الأخيرة لصالح الوفاق الفلسطيني الفلسطيني بعد أن أصبح اتفاق عمان في حكم المجمد، وبعد أن ظهر على السطح التقارب السوري الأردني ليحل محله، ولما كان الاتحاد السوفييتي متورطًا في أفغانستان، ويبحث عن مخرج لهذه الورطة، ولما كان التقارب السوري الأردني يشكل تهديدًا لنفوذه في سوريا، فقد أخذ يبحث عن البديل الضاغط على سوريا وهو الورقة الفلسطينية، ولما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعيش في مأزق الاختناق السياسي والعسكري، فقد أخذت بنصيحة أحد أقطاب الديغوليين في البرلمان الفرنسي، واتجهت إلى موسكو، ولعل رحلة الرئيس صدام حسين إلى موسكو في الآونة الأخيرة تدخل ضمن هذه المتغيرات في العلاقات الروسية السورية، والروسية العراقية، والروسية الفلسطينية.
ولقد جاءت هذه المتغيرات متزامنة مع ما قيل عن صفقة يجري الإعداد لها في باريس لهجرة اليهود الروس إلى فلسطين مقابل السماح للاتحاد السوفييتي بحضور (مؤتمر السلام) المقترح، وربما تصور الكريملين أن هجرة آلاف من اليهود الروس الذين ربما حمل بعضهم الفكر الماركسي يخدم استراتيجية الروس في الشرق الأوسط على المدى البعيد، ولكن من المشكوك فيه أن يتخلى اليهودي عن صهيونيته لمجرد اعتناقه الفكر الماركسي، هذا إذا لم نقل أن الماركسية أصلًا إفراز من إفرازات اليهودية العالمية، وأن كارل ماركس نفسه كان يهوديًا متعاطفًا مع ما سمي حينئذ بالمسألة اليهودية، ومع ذلك فالإسرائيليون لا يريدونها هجرة عشوائية، إنهم يريدونها هجرة انتقائية، فهل يستطيع التقارب الفلسطيني السوفييتي غير المعلن أن ينقذ منظمة التحرير، وأن يوقف هجرة اليهود الروس إلى فلسطين؟
وهناك سؤال أهم وهو: هل تسير عملية السلام في طريقها المرسوم سواء بمنظمة التحرير أو بدونها؟ نحن نشك في ذلك ونتوقع المفاجآت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل