العنوان لوحات وأُطر- لن أدخل أبدًا مكانًا تؤم فيه الصلاة امرأة
الكاتب نادية سلطان
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005
مشاهدات 97
نشر في العدد 1646
نشر في الصفحة 44
السبت 09-أبريل-2005
- ما جذبني للإسلام "كوني رسامة" هو التناسق في مضامين اللوحات التعبدية
كل مرة أقرأ فيها الآيات الأولى من سورة الحجرات ينتابني شعور بالدهشة يخالطه شيء من الفزع يقول تعالي:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ (2) إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ (3) ﴾ (الحجرات).
كل مره أتلو فيها هذه الآيات أحدث نفسي قائلة:
الفئة المخاطبة هنا هي فئة موصوفة بأنها «الذين آمنوا» بل إنها ليست فئة مؤمنة فحسب. إنها فئة صحابة الرسول الذين آمنوا برسالته وآزروه ونصروه، وعلى الرغم من ذلك فقد كانت فئة مهددة بأن يحبط عملها إذا أساءت الأدب فرفعت صوتها فوق صوته، أو تهاونت في توفية الرسول حقه من الاحترام والتوقير فتجاوزت حدودها قولاً أو ربما فعلاً.
السياق القرآني هنا يخاطب فئة «الصحابة» ويأمرهم: إن كان عملكم لوحة جميلة فقدموها بإطار جميل لائق. ولا تحيطوا لوحة العمل بإطار سوقي مبتذل، وإلا فإن اللوحة مرفوضة في معرض الشريعة الإسلامية لأن هذا المعرض لا يضم إلا لوحات قيمة.. ذات أطر تليق بقيمة كل منها.
إن الشريعة الإسلامية تحض على العمل. ولكن تشترط تقديمه بطريقه أنيقة حتى يقبل. يقول الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِینَ أَعۡمَـٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾ [الكهف ١٠٣-١٠٤].
السياق القرآني هنا يصف فئة من الناس قد سعت وكلها ثقة بأنها قد أحسنت الصنع، ولكن هناك خلل ما قد أفسد العمل فأصبح هشيماً تذروه الرياح وهذا يعني بالتالي أن لكل عمل إطاره الذي ينبغي أن يقوم به وإلا فإن الإحباط سيكون مصيره.
والعمل في الإسلام قد يلخص في أركانه الشهادة والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج.
أولاً: في شهادة أن لا إله إلا الله.. التزام. ولكن مجال الإحباط فيها الإشراك بالله وذلك عندما نتوكل على غيره أو عندما نسأل سواه أو نستعين بمن دونه.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: 65).
وفي شهادة أن محمداً رسول الله كذلك التزام وعهد باتباع سنته، ولكن عندما نتجاهل تعاليم السنة الشريفة سهواً أو عمداً فإن ذلك يحيط الشهادة ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
ثانياً: الزكاة عمل وإنفاق عظيم، ولكنه باطل إذا داخله رياء أو خالطه أذى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ (البقرة: ٢٦٤).
ثالثاً: الصوم عباده وتضحية، ولكن له أيضاً مزالق لأن يحبط ويصبح معاناة لجوع وعطش
دون أجر أو ثواب.
ففي صحيح مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم."
وفي سنن أبى داوود: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".
رابعاً: الحج مشقة وعمل وعبادة ليس لها جزاء إلا الجنة إن لم يخالطه رفت أو فسوق أو جدال.
﴿فَمَن فَرضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَتْ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج﴾ِ (البقرة: ۱۹۷).
خامسًا: أما الصلاة وهي العبادة الأكثر تكراراً فما الإطار الذي يحتضن هذه اللوحة ويبرزها صورة تحظى بالقبول؟ يقول الله عز وجل في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١-2].
ما جذبني للإسلام كوني رسامة هو التناسق في مضامين اللوحات وكذلك الانسجام بينها وبين أجزائها.. ولكن منذ أيام طالعني رسم جديد مبتكر للوحة الصلاة.
امرأة تؤم جمعاً من المصلين في إحدى كنائس مدينة نيويورك الأمريكية. وقد أذنت في الناس أولاً صبية صغيرة ذات صوت عذب وشعر أشعث كانت تتأبط كتباً وكأنها ستسارع إلى مدرستها بعد الانتهاء من مهمة الأذان ثم قام الناس للصلاة، رجالاً ونساء جنباً إلى جنب وكان بعض النساء متحجبات وبعضهن الآخر حاسرات الرأس كله أو ربعه أو نصفه.
الصورة التي شاهدتها كانت أقرب إلى سكيتش عشوائي بقلم رصاص باهت عن كونه لوحة جميلة قيمة كما اعتدت دائماً أن أشاهد في معرض الشريعة الإسلامية.
أمام هذا الرسم البائس تبادرت إلى ذهني لوحة أخرى كانت تطالعني وأنا أطل من نافذة الفندق في مكة المكرمة، وأرى أسراب الفتيات الماليزيات المتجهات إلى الحرم وهن يرفلن جميعاً في ملابسهن البيض الناصعة الأنيقة، وكأنهن أسراب من البجع الأبيض. الحقيقة أنني كنت أفتن بمراهن، بل أعترف أنني كنت أسارع للانضمام بين صفوفهن حتى أكون عنصراً في هذه اللوحة الجميلة أولاً.. وثانياً وهو الأهم كي أنعم بالصفاء بوجودي بين صفوفهن المنسقة المنضبطة وبالتالي لأصل إلى الخشوع كما ينبغي أثناء أداء الصلاة.. الخشوع الذي هو شرط الصلاة وعمادها وإطارها المناسب.
ومع العودة إلى الرسم البائس الذي طالعتني به شاشة التلفاز، أذكر أن المعلق قد أفاد بأن المصليات كن روحياً، أكثر استقراراً وصفاء وهن يصلين مع الرجال جنباً إلى جنب وكذلك بوجودهن في الصفوف الأولى...
في الواقع إن العيش في مجتمع غربي يحث على الاختلاط، ويعتبره شرطاً لتقدم الأمة، قد جعل الكثير من الرجال والنساء يتمردون على الفصل بينهم أثناء الصلاة وكذلك كون الإمامة من حق الرجل فقط.
هذه الفئة تعتبر المقولة التالية:
«نحن لسنا أقل تقدماً من المجتمع الغربي الذي يعتمد على الاختلاط ويشجعه». إن الحياة في مجتمع غربي متقدم علمياً يجعل هذه الفئة من الناس تتمنى تقليده في جميع أعماله، بل - تعتبره قدوة، ورمزاً حضارياً -... بمعنى آخر لو أن المجتمع الغربي قد منع الاختلاط ونهى عنه، لما سعت إليه هذه الفئة بكل قوتها ...
وهكذا وكرغبة في تقليد الغرب استعيض عن لوحة الصلاة المعروفة برسم جديد يفتقر مع الأسف للانسجام.
أما عن رغبة النساء في الصلاة في الصفوف الأولى فإن ذلك رداً على وجودهن في الصفوف الأخيرة مما يؤدى أحياناً إلى الصلاة في أماكن مهيئة بين الأحذية مثلاً أو في الممرات المؤدية إلى دورات المياه أو ...
لذلك سعت في هذا الرسم الأخير - إلى الصلاة في الصفوف الأولى جنباً إلى جنب مع الرجل، هذا يبرهن فعلاً وبسذاجة على أننا أمة «التقليد» وأمة رد الفعل ولا نعرف كيف نفعل اعتماداً على معطيات القرآن والسنة: الأمة التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: ١٤٣).
كيف ستكون الأمة «المقلدة» التي أفعالها مجرد ردود.. كيف ستكون شاهدة على الناس؟
كيف ستأخذ دور الشهادة وقد تخلت عن قدوتها البشرية، محمد ﷺ؟ هل تستطيع حقاً أداء هذا الدور وهي تسعى لتقليد من حولها كنسناس أحمق فر من القفص، وقد أخذته حمى التقليد؟
واتباعاً لحديث الرسول ﷺ صلوا كما رأيتموني أصلي، فقد كان الناس رجالاً ونساءً يصلون كما أمرهم النبي أي أنهم يقيمون أركان الصلاة من سجود وركوع وقيام، ولكن هل أوامر الرسول - بأن صلوا كما رأيتموني أصلي - تسري فقط على الحركات؟ أم أنها تشمل الأمر بالصلاة بكل ظروفها وهيئتها الرجال في الصفوف الأولى ثم النساء؟ أما بالنسبة لإمامة المرأة ترى لو أن الرسول قد أقر بذلك هل كان هناك أحق من السيدة فاطمة بالإمامة عوضاً عن أبي بكر الصديق الذي أمره الرسول ﷺ بأن يكون إماماً أثناء مرضه؟
إن نزول الآية الكريمة ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، كان إعلاناً صريحاً واضحاً أن اللوحات قد تمت من شهادة وصلاة وصيام وزكاة وحج، وكل إضافة فيها إن هو إلا عبث بهدف التقليد الأعمى، وإذا انتهينا من لوحة الصلاة كرسم وتفاصيل وعدنا إلى الإطار فلابد لنا من العودة إلى سورة الحجرات.. إلى المقياس الحساس المرهف الذي توزن به الأعمال بين قبول وإحباط.. ترى هل ستقبل الصلاة في حلتها الجديدة البائسة؟ هل سيتحقق الخشوع بين المصلين من رجال ونساء وهم يقفون متراصين»، «متلاحمين؟ أم أنه موقف تأباه الفطرة السليمة؟
إن ساحة العرض لا تضم إلا لوحات جميلة ذات أطر مناسبة.. فمن أراد العبث فليتخذ له مكاناً آخر غير «ساحة الإسلام».
إنني مثل كثيرات من النساء سوف أطالب أن تصلي المرأة في أفضل مكان في المسجد.. ولكن حتماً خلف الرجال.
سوف أناضل أن تعطى المرأة حقوقها في التعليم وغيره... كما فرضها الله ورسوله، ولكن لن أدخل أبداً مكاناً تؤم فيه الصلاة امرأة.. لسبب بسيط أنني مسلمة تعمل، وترجو القبول وتخشى إحباط العمل ولأنني أنبذ التقليد، ألم أقل لكم إنني رسامة تعشق الألوان؟