العنوان حماس و عرفات .. ميزان القوى
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1090
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-مارس-1994
هذه رؤية للكاتب اليهودي «إسرائيل» شاحاك.. نشرت في مجلة ميديل إيست إنترناشيونال، في عددها الصادر في 4 فبراير 1994م حول قوة حماس في الأراضي المحتلة وتصاعد هذه القوة فى مقابل انهيار المنظمة ونظرا لأهمية المقال والرؤية شبه الحيادية فيه لكاتب معاد.. فإن المجتمع، تنشره مترجما دون تعليق.
بقلم : «إسرائيل» شاحاك
ترجمة : عزام الميمي
لقد تجلى واضحًا للعيان الآن أن من أهم آثار الاتفاقية التي أبرمت بين «إسرائيل» ومنظمة التحرير هو زيادة قوة حماس بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وهذا الأمر يلقي بظلال من الشك على ما إذا كان ياسر عرفات سيتمكن بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجزء الرئيسي من قطاع غزة من فرض سيطرته على القطاع. أما حكم أريحا فلا يعتبر مشكلة.
ويواجه عرفات تحديات تنال من قدرته على أن يحكم الفلسطينيين، ومصدر هذه التحديات التنظيمات اليسارية، وبشكل خاص الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة حماس التي تتنامى قوتها يومًا بعد يوم، والفئات الساخطة داخل صفوف فتح. ولا أنوي هنا التطرق لمعالجة المشكلة الأخيرة.
يمكن حتى هذه اللحظة التقليل من المخاطر الكامنة في معارضة الجبهة الشعبية. فحسبما يذكره الصحفي الفلسطيني المطلع خالد أبو طعمة، الذي يكتب في صحيفة «بيروشاليم» التي تصدر في القدس الغربية، فإن زعيم الجبهة الشعبية في الضفة الغربية، الدكتور رياض المالكي، يؤدي دور الزعيم المخلص للمعارضة، تمامًا مثلما يفعل نتنياهو في إسرائيل. فالأخير يندر أن يقوم بشيء ذي بال ضد رابين باستثناء ما يلقيه من خطابات داخل الكنيست تاركا للآخرين مهمة القيام بالعمل الحقيقي، وهذا ما ينطبق تماما على المالكي، أما حماس، فأمرها شيء آخر.
مصادر قوة حماس
تعتبر حماس الآن من قبل الجميع، بما في ذلك السلطات الإسرائيلية ذاتها، المنظمة الفلسطينية الأقوى عسكريًّا. ويعزى تنامي نفوذها إلى أربعة عوامل مختلفة على الأقل. فهي تستمد مكانة اعتبارية هائلة من عملياتها الفدائية التي تحقق النجاح بشكل مطرد، وخاصة تلك العمليات الموجهة ضد الجيش الإسرائيلي. فبعد الكمين الذي تمكن فدائيو حماس من خلاله من قتل الكولونيل مينتز، منسق النشاطات الخاصة في قطاع غزة، وجرح رائد وجنديين دون أن يتكبد المهاجمون أي خسائر، علّق كثيرون بأن فتح لم تتمكن طوال ثمانية وعشرين عامًا من وجودها من تحقيق شيء يمكن أن يقارن ولو من بعيد بما أنجزته حماس في هذا الكمين.
وثانيًا، يمتنع فدائيو حماس بشكل عام من التورط في التصادم مع التنظيمات الفلسطينية الأخرى، وقد تدنت هجماتهم على المدنيين. وثالثًا، وهذا في نظري هو العامل الأهم على الإطلاق، لقد حقق زعماء حماس لأنفسهم سمعة حسنة هم أهل لها، إذ ضربوا المثل بالتحلي بالأمانة في الشؤون المالية، وهم ينزعون إلى العيش المتواضع وغالبًا في حالة من الفقر. ففي قطاع غزة على سبيل المثال، لا توجد منازلهم في الأحياء الأكثر ثراء كما هو حال كثير من رموز فتح، ويسبب ذلك لهم احتكاكًا بعامة الناس. وأخيرًا، لا يقحم فدائيو حماس أنفسهم في استعراضات فارغة لا طائل منها، ولا يمشون في الطرقات شاهرين أسلحتهم دونما هدف، ولا يطلقون الرصاص في الهواء على طريقة صقور فتح لكي يثبتوا وجودهم كما يقول الصقور.
يمكن الاستدلال على المقام الرفيع الذي تتمتع به حماس في قطاع غزة بالحدث التالي. فبعد نشوب صدام عنيف فشلت كل الوساطات في إنهائه بين صقور فتح والنسور الحمر التابعين للجبهة الشعبية في رفح، اتخذت حماس المبادرة بالفعل وأعطت الفريقين إنذارًا لمدة يومين مهددة إياهما بأنهما إذا لم يوقعا على اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن حماس سترسل إليهم وحداتها الفدائية من كتائب عز الدين القسام لفرض النظام بالقوة وفي الحال. فانصاعت فتح والجبهة الشعبية فعلا ووقعتا بينهما وقفًا لإطلاق النار، هذا حسبما أوردته صحيفة دافار في عددها الصادر يوم 20 كانون الأول (ديسمبر) 1993.
ولا عجب إذا أن يذكر أحارون كلين (في صحيفة على هاميشمار الصادرة بتاريخ 17 ديسمبر 1993) أن قوات الأمن الإسرائيلية تخشى حماس، وتخاف بشكل خاص من قوتها في غزة. إلا أن كلين يقول أيضًا إنه على الرغم من كل التبجح بإحاطة المخابرات الإسرائيلية بكل شيء علما (وما هي في الحقيقة إلا مجموعة من غير الأكفاء الذين لا يجيدون سوى اختراق زمرة عرفات) فإن القائمين عليها يعترفون الآن بأنهم لا يعرفون عن حماس شيئًا. فبعد أن قررت قوات الأمن الإسرائيلية التحدث مع حماس، تبين أنها لم تعرف بمن تتصل، وهذا أمر مثير للدهشة، حيث سمح كبير المفاوضين الإسرائيليين في المحادثات مع منظمة التحرير، الجنرال أمنون شاحاك، لنفسه بالظهور في مقابلة تلفزيونية أجراها معه القسم العربي للتلفزيون الإسرائيلي، ليدعو حماس بلطف إلى الانضمام إلى محادثات السلام. وأضاف أنه في حال اختارت حماس تشكيل حزب سياسي يناضل بأسلوب ديمقراطي لتحقيق أهدافها، فإن «إسرائيل» ستتخذ منها موقفاً واضحا.
وفي الوقت الذي وجهت فيه التعليمات إلى كبار الضباط الإسرائيليين لدعوة أي شخص قد يعتبرونه زعيمًا في حماس إلى المحادثات، صدر عن رابين وبيريز والزعماء العسكريين ما يؤكد تصميم «إسرائيل» على تمكين عرفات من مواجهة حماس. ويبدو في هذه المرحلة أن هذه السياسة الأخيرة هي التي ستسود في آخر المطاف.
تدعيم موقف عرفات
والسؤال المطروح هو كيف يتوقع أن يتغلب عرفات على حماس وعلى غيرها من أنماط المقاومة، والإجابة التي تقدمها المصادر الإسرائيلية الأقرب لرابين هي بواسطة الكثير من المال وبواسطة البوليس الفلسطيني. أما العامل الأول فيشرحه أليكس فيشمان في صحيفة معاريف الصادرة يوم 17 ديسمبر نقلا عن عضو كبير في الوفد الإسرائيلي الذي رافق رابين إلى القاهرة يوم 12 ديسمبر: فقط لو أن لدى «إسرائيل» مليار دولار فائضة عن حاجتها لاختلف كل شيء حينئذ. فحالما يسلم عرفات شيكا بهذا المبلغ فإنه سيتمكن من استخدامه في رشوة المعارضة واشتراء التأييد الشعبي، فإن عناد عرفات وأمله في كسب الوقت سببه ولو جزئياً افتقاره إلى المال اللازم لكي يدخل أريحا وغزة بالشكل اللائق.
وبالمصادفة، يمكننا من خلال هذه العبارة التأكد من أن تغيرًا لم يطرأ على التفكير الإسرائيلي، فلا تزال صورة الفلسطينيين في أذهان الإسرائيليين تمثل شعبًا قابلاً للإخضاع أو الرشوة، وإن لم يكن بواسطة «إسرائيل» مباشرة فبواسطة عرفات بالنيابة عن إسرائيل، على كل حال، نظراً لافتقار «إسرائيل» إلى مبلغ المليار دولار كما تدعي مصادر فيشمان، ونظراً إلى أن الولايات المتحدة والدولة العربية، التي تمتلك المال، ترفض منحه لعرفات، فإن «إسرائيل» لا تجد خيارًا أمامها سوى المماطلة وتأخير المحادثات إلى أطول مدة ممكنة، أملاً في أن يبرز حدث جديد لم يكن بالحسبان.
ولكن لم يعد خافيا أن لدى «إسرائيل» سببا آخر سوى افتقار عرفات للمال، وقد كشف النقاب عن ذلك ران إيديلست في صحيفة حانير (التي تصدر في تل أبيب كل يوم جمعة) في عددها الصادر في 17 ديسمبر، حيث يقول: «ولقد تم تأجيل تنفيذ الاتفاقية بسبب العجز غير العادي لقدرات عرفات التنظيمية، فلم يتمكن حتى الآن من تجميع القوات الفلسطينية التي كان من المقرر أن تصبح قوة شرطة فلسطينية بموجب ما تم الاتفاق عليه في المحادثات السرية التي جرت بين الجنرال شاحاك ونبيل شعث. فقد اشترطت موافقة «إسرائيل» على البدء بتطبيق الاتفاقية بأن يكون ظهور عرفات في أريحا وغزة مصحوبًا بوجود قوة ضخمة من الأيدي العاملة وبكميات طائلة من الأموال المعدة للاتفاق، ولكن تبين أنه حتى ما يقرب من أسبوع واحد قبل الموعد المقرر لبدء التطبيق، بدلاً من إعداد عدة الآف من المقاتلين، تمكن عرفات بالكاد من تجميع بضع مئات تحت لوائه يشكلون لقمة سائغة بإمكان حماس أن تبتلعها في وجبة الإفطار. والأهم من ذلك عدم حصول عرفات على المال اللازم ليغذي به البيروقراطية التي اعتقد بضرورتها حتى تعطي انطباعًا بوجود إدارة ديمقراطية. وحالما لاحظ رابين ذلك، وجد نفسه في وضع اضطر معه إلى إلزام عرفات بتأجيل موعد التنفيذ لتلقينه درسًا في الإدارة والكفاءة».
بينما أتفق مع التحليل الواقعي لإيديلست إلا أنني أشك مع ذلك في أن عرفات حتى لو أعطي مليارات من الدولارات، سيكون قادرًا بسرعة على تشكيل قوة كبيرة الحجم يمكن أن تدين له بالولاء وتكون قادرة على إلحاق الهزيمة بحماس. ولكن إذا كان عرفات تحت إمرته الآن بضع مئات من المقاتلين المخلصين، فإن هذا يعني أنه خدع كل المعنيين، دولة «إسرائيل» وأجهزة مخابراتها التي يفترض فيها أن تحيط بكل شيء علماء، وأوهمهم أن تحت إمرته الآلاف من أفراد القوات الموالية له. وقد علمت من بعض مصادر المعلوماتية بأن عرفات نفسه هو الذي خدع وليس الآخرون. فقد اعتقد حقيقة أن لديه تحت إمرته الآلاف من الكوادر المخلصة من بين أولئك الذين طالما زارهم في أقطار مثل اليمن والسودان. إلا أن الأمر الذي غاب عن باله هو أن معظمهم قد استقروا حيث هم، ولم تعد لديهم القناعة أو الرغبة بسبب تقدمهم في السن في أن ينضموا إلى شرطة مهمتها حفظ أمن الحكم الذاتي والاقتتال مع حماس.
لماذا تؤخر المحادثات؟؟
أود أن أخلص بناءً على ما سبق إلى أن «إسرائيل» وعرفات، وكلاهما تتلاقى مصالحهما في هذا الأمر، يواجهان خيارين واقعيين وحيدين. أما الأول فهو إطالة المفاوضات أملاً في أن يبرز حدث جديد لم يكن بالحسبان، كما عبر عن ذلك فيشمان. وأما الخيار الآخر، والذي توجد له سابقة، فهو تحويل قطاع غزة إلى ما يشبه إلى حد كبير الشريط الأمني الإسرائيلي في جنوب لبنان. فكما أن الجيش الإسرائيلي هو القوة الحقيقية هناك، بينما لا يعدو ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي كونه ديكوراً، سيستمر الجيش الإسرائيلي كذلك في الاحتفاظ بالقوة الحقيقية في قطاع غزة، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتوجيه المرور وملاحقة ومعاقبة اللصوص، والانهماك من حين لآخر بتنظيم العروض العسكرية في نشاطاتهم حتى بعد الانسحاب. ولكن أعتقد أنه ستكون هناك حاجة إلى استقدام أعداد أكبر من القوات الإسرائيلية، وصحيح أن غطاءً لائقا لا بد أن يستحدث لتسمية الوضع الجديد، ولكن يمكننا أن نثق بأن شمعون بيريز سيخرج علينا بواحد، فعندما بدأ الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1978م، أطلق عليه بيريز مصطلح «نشاطات السياج الجيدة»، وما من شك في أن شيئًا مشابهًا يمكن أن يخترع لوصف استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة.
يبدو أن بعض الغزاويين باتوا يشعرون بحدوث هذا التطور، فعندما تجولت ميشال سيلع من صحيفة «دافار» في قطاع غزة لتتحدث إلى المزارعين والصيادين ورجال الأعمال في القطاع، قال لها أحد منتجي الفراولة: «إن أشد ما نخشاه هو أن «إسرائيل» ترغب في الانسحاب من القطاع والبقاء فيه في نفس الوقت تماماً كما فعلت في الشريط الأمني في جنوب لبنان».
وأنا لا أملك سوى أن أشاطر هذا الغزي مخاوفه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل