العنوان مقاصد الشريعة وتجديد العلوم الاجتماعية
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 80
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 66
السبت 07-فبراير-2009
إذا كانت نظرية المقاصد العامة للشريعة تخضع لمنهجية البحث في العلوم الشرعية، فكيف يمكن تطبيقها على منهجية العلوم الاجتماعية؟
هذا سؤال بالغ الأهمية لأنه يفتح باب الجدل حول تعريف النوعين من العلوم، وما المقصود بالعلوم الشرعية، والعلوم الاجتماعية؟ وهل يمكن حقا تمييز مجموعة من العلوم ووصفها بأنها شرعية، وتمييز مجموعة أخرى من العلوم ووصفها بأنها اجتماعية؟
في تصورنا أن مثل هذه التساؤلات تحيلنا إلى معضلات النشأة الحديثة للعلوم الاجتماعية في البلدان العربية والإسلامية قبل قرن ونصف فقط من الزمان على الأكثر.
ومن أولى هذه المعضلات: وفود العلوم الاجتماعية الحديثة على يد نخبة من الأكاديميين الذي تلقوا تعليمهم في معاهد وجامعات أوروبية، وكان معنى هذه الوفود هو أن العلوم الاجتماعية التي باشرتها المعاهد والجامعات العربية والإسلامية الحديثة لم تنشأ من داخل مجتمعاتنا، ولم تمتلك منذ البداية الأولى لها أدوات منهجية خاصة بها، وإنما اعتمدت على آليات النقل والترجمة والتقليد، أكثر من اعتمادها على آليات الاجتهاد والابتكار والتجديد.
وكانت المعضلة الثانية: هي أن الناقلين الأوائل لتلك العلوم الاجتماعية لم تكن لديهم دراية بأصول «العلوم الشرعية» ومنهجيات البحث فيها، أما طبقة العلماء «الشرعيين» في ذلك الوقت فلم تكن لديهم عناية بتجديد مناهج وأدوات البحث في علومهم الموروثة.
ومن هنا ظهرت معضلة ثالثة هي: انفصال العلوم الوافدة عن العلوم الموروثة بمناهجها وموضوعاتها وقضاياها التي تهتم بها والنتائج التي تتوصل إليها.
وأضحت لدينا علوم اجتماعية حديثة ولكنها غير وظيفية من المنظور الاجتماعي، كما أضحت لدينا علوم شرعية أصيلة ولكنها غير فاعلة في التطور الاجتماعي.
ووجدت مدرسة العلوم الاجتماعية داعمًا قويًا لها في الدولة الحديثة من جهة، وفي الدوائر الأكاديمية الغربية من جهة أخرى. وبعد مرور ما يقرب من قرن على نشأة العلوم الاجتماعية الحديثة المنقولة، ثبت أنها لم تسهم في تقدم أو نهضة المجتمعات العربية والإسلامية، وأن حصيلة ما أنتجه أساتذة العلوم الاجتماعية بمختلف فروعها. لم يعد كونه مجرد نظريات واهية الصلة بمشكلات المجتمع الذي ينتمون إليه، واتضح أنهم كانوا في أغلبهم وسطاء مترجمون، ولم يكونوا علماء حقيقيين، ولم يظهر الواحد منهم نظرية اجتماعية أو نفسية أو سياسية أو اقتصادية تنسب إليه هو بالأصالة عن نفسه، أو تعزى إلى اجتهاده الذاتي، اللهم إلا القليل النادر، و«النادر لا حكم له» كما يقول الأصوليون.
«اللاوظيفية»؛ هي الكلمة المناسبة لوصف حالة ما نصطلح على تسميته باسم «العلوم الاجتماعية» الحديثة في بلادنا العربية والإسلامية.. هذه العلوم - بمختلف فروعها - تكاد تكون بلا وظيفة من منظور التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام؛ بحيث لو تخيلنا عدم وجودها أصلًا، وخلو مدارسنا وجامعاتنا من مقرراتها وأساتذتها جملة وتفصيلًا: لما تأثرت كثيرًا درجة التقدم - أو التأخر - التي عليها مجتمعاتنا.
وفي رأينا أن أحد أسباب هذه الظاهرة المؤسفة هو الغياب شبه التام لنظرية «المقاصد العامة للشريعة» عن العلوم الاجتماعية منذ وقت مبكر يعود إلى بدايات تأسيس هذه العلوم في بلادنا قبل أكثر من قرن من الزمان.
قبل أكثر من مائة عام بدأت وقائع التأسيس الحديث للعلوم الاجتماعية في بلادنا العربية والإسلامية عن طريق الترجمة والنقل المباشر من العلوم الاجتماعية الغربية ومدارسها المختلفة. وظلت هذه المنهجية سائدة ومسيطرة منذ ذلك الحين إلى اليوم وكانت الحجة الرئيسة التي استند إليها رواد الترجمة والنقل. الأوائل هي أننا في «البداية»، ويجب أن نلم بما وصل إليه الآخرون ونتعلم منهم حتى تكون قادرين على إبداع العلوم الاجتماعية الخاصة بنا. وكان من المفترض أن تفقد هذه الحجة قوتها بعد عقد أو عقدين من الزمان، ولكن الذي حدث هو أن تلك الحجة ازدادت قوة على قوتها بمرور الوقت، ولم يبطل مفعولها في أي وقت، ولا تزال سلاحا يشهر في وجه كل من يدعو إلى الانعتاق من ريقة التقليد والاستلاب شبه التام لمنظومة العلوم الاجتماعية الغربية بمناهجها وأدواتها وموضوعاتها، وحتى ببرامج أولوياتها.
إن غياب نظرية المقاصد العامة للشريعة كان ولا يزال سببًا من أسباب أزمة العلوم الاجتماعية في بلادنا.