العنوان الحكمُ الدكتاتوريُ الانقلابي.. يمهدُ الأرضَ للمشروعِ الصهيوني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 9
السبت 17-أغسطس-2002
يكادُ يكونُ من البدهياتِ التي يعيها معظم الناس أن الأنظمة الثورية الانقلابية التي قامت في المنطقة العربية منذ قرابة نصف قرن إنما كان هدفها التمهيد لقيام الكيان الصهيوني ثم حراسته وضمان بقائه بل وتوسعه على حساب الحق العربي المسلم، تحقيقًا لبروتوكولات حكماء صهيون وعلى وجه الخصوص البروتوكولان العاشر والحادي عشر اللذان يتحدثان صراحة عن اللجوء إلى الانقلابات والثورات وما يتبعها من حجر على «حرية الصحافة وحقوق تشكيل الهيئات وحرية العقيدة وانتخاب ممثلي الشعب وحقوق كثيرة غيرها سوف تختفي من حياة الإنسان اليومية».
لقد تجلى هذا الأمر منذ البدايات الأولى لقيام الكيان الصهيوني الذي نجح في الوصول إلى هدفه باحتلال الجزء الأكبر من فلسطين بسبب تقاعس الحكومات العربية التي أرسلت جيوشها إلى فلسطين في عملية استعراضية غير ذات جدوى، وحرمت المجاهدين الحقيقيين من القيام بدورهم بل اخذتهم من ساحة الجهاد إلى السجون والمعتقلات!
وحين بدا أن هناك تحركًا شعبيًا واسعًا يرفض نتائج حرب ١٩٤٨ ويسعى للتغيير لإصلاح الخلل الذي وقع تحركت الأيدي الخفية بسرعة، وما لبثت أن قامت الانقلابات العسكرية التي رفعت الرايات الثورية وشعارات تحرير فلسطين وإلقاء "إسرائيل" في البحر وتحت تلك الشعارات الخادعة الجوفاء تسلطت تلك النظم على الشعوب وحكمتها بالحديد والنار، وغيبت سلطة القانون وإرادة الشعب وحقه في الشورى والاختيار، وجرى التنكيل بأصحاب التوجه الإسلامي الأصيل - الذي تخشاه "إسرائيل" وحلفاؤها - فرج بهم في السجون والمعتقلات، وعلقت قيادات منهم على أعواد المشانق كما حدث في مصر وسورية والعراق وليبيا وأقطار عربية أخرى.. ناهيك عن الفساد الذي تغلغل في مختلف المؤسسات واستشرى بين مختلف الطبقات وكانت الطامة الكبرى، بل هي النتيجة المنطقية لما سبق هزيمة نكراء عام ١٩٦٧ توسعت بعدها "إسرائيل" لتضم إلى فلسطين التي ابتلعتها كلها - أراضي من مصر وسورية.
وبعد الهزيمة جرت محاولات متواضعة لإصلاح الحال، أسفرت عن نصر أكتوبر عام ١٩٧٣، لكنها كانت تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة وعزيمة وقصد مخلصين، لذا سرعان ما حرف مسارها ودخلت الحكومات في مسار المفاوضات الاستسلامية التي انتهت باعتراف مصر - أكبر دولة عربية – بالكيان الصهيوني.
وعلى الطرف الآخر واصل الكيان الصهيوني تنفيذ مخططاته، فواصل اغتصاب أراضي الفلسطينيين وملأها بالمستوطنات ونشط في جلب الصهاينة من كل حدب وصوب، وواصل تكديس السلاح وتصنيع أحدث الأسلحة، وامتلك أسلحة الدمار الشامل ووثق علاقته بواشنطن، حتى وصلت إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية.
إن هذا المشروع الصهيوني الضخم ليس مقصودًا به مواجهة الفلسطينيين فحسب، بل هو مشروع يستهدف السيطرة على المنطقة العربية بأسرها والتمدد في المنطقة الإسلامية. فهل يمكن مواجهة مثل هذا المشروع بزعامات عميلة وبجبهة داخلية مفككة؛ حيث بعد عن تطبيق شرع الله، بل ومحاربة له على أكثر من جبهة وحيث الخصام والعداء من السلطة لأفضل عناصر الأمة من أصحاب التوجه الإسلامي الذين يساقون كل يوم إلى المحاكم العسكرية والسجون والمعتقلات؟
وهل يمكن مواجهة المشروع الصهيوني بحكم انفرادي دكتاتوري بعيد عن الشورى، يغيب فيه رأي الشعوب وتزور إرادتها؟ وإلى متى تبقى الشعوب مكبلة بحكام جيء بهم بتخطيط غربي، وأفرزت سياساتهم التسلطية الانقلابية انشقاقات في المجتمع وردود أفعال لدى بعض المتحمسين فأدت إلى أعمال عنف متبادل جنت المجتمعات ثمارها المرة؟
إن النظرة الواقعية لما يحدث في المنطقة تقول إن استمرار تلك الحال إنما يصب في صالح الكيان الصهيوني وحده.
التحدي القائم يستلزم من كل وطني مخلص المسارعة إلى تصحيح المسار وإشراك الشعوب في صنع القرار وتحمل المسؤولية بدلًا من الحكم الفردي الدكتاتوري البغيض خاصة والشعوب مستعدة للتضحية؛ لأنها تدرك أبعاد التحدي وتعرف حقيقة الأطماع الصهيونية.
التحدي القائم يستلزم إفراغ السجون والمعتقلات من المخلصين الشرفاء لينطلقوا في معركة البناء والصمود.
التحدي القائم يحتاج إلى كل جهد وطني مخلص فلتتضافر الجهود ولتتحد الصفوف، ولتتعاضد السواعد من أجل مواجهة العدو المشترك الذي لا تقف أطماعه عند حد.
نسأل الله تعالى أن يمكن لدينه وعباده الصالحين وان يطهر فلسطين وبلاد المسلمين جميعًا من دنس المعتدين واعوانهم وان يعجل بخلاص الأقصى وأرض المحشر والمنشر.
ولتدرك الحكومات العربية والإسلامية أن الأمانة عظيمة، وأن التاريخ سيسجل ما يفعلون، وسيفضح عاجلًا أو آجلًا أولئك الذين ساهموا من حكام الدول العربية في التمهيد للمشروع الصهيوني، وستعرفهم الشعوب على حقيقتهم، كما أنهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى في موقف يشيب لهوله الولدان. فليتق الله كل مسؤول.. وليتقَ كلُ فردٍ ربهُ.. وليرعَ الأمانةَ التي في عنقهِ، ولا يفرط في حق من حقوق ربه وأمته.