العنوان مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام «الحلقة الثالثة»
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992
مشاهدات 48
نشر في العدد 993
نشر في الصفحة 27
الأحد 15-مارس-1992
نظرية العلاقات الإسلامية
ولذا فإن الدولة
الإسلامية يمكن أن تقيم علاقات خارجية بينها وبين الدول الأخرى لتحقيق أهدافها
السامية.
وعلى ذلك ينحصر
نطاق العلاقات الدولية في النظرية الإسلامية في الروابط التي يمكن أن تقوم بين
الدولة الإسلامية والدول الأخرى، ولقد رأينا أنها ليست علاقات عدائية دائمًا،
وإنما هي علاقات تحكمها نظرية الشريعة في الانتشار.
هذه النظرية
التي من مبادئها العدل، والمساواة، والأخلاق، والمعاملة بالمثل، وحفظ العهود
والمواثيق، إلا أن هذه الروابط والعلاقات التي تقيمها لا تخضع للقوانين الوضعية
والأعراف الدولية التي تجتمع عليها الدول، وتُقنن بها نُظُم هذه العلاقات، وإنما
تنطلق هذه العلاقات من أحكام الشريعة الإسلامية التي تحدد نظام هذه العقيدة، وهذا
هو جوهر الخلاف بين العلاقات الدولية والعلاقات الدولية الإسلامية.
يقول الدكتور
محمد حميد الله: «إن ما تقبله الدولة على هذا النحو هو القانون الدولي الإسلامي،
وينبغي أن يتقرر هذا في الذهن كحقيقة أولية، فالقانون الدولي الإسلامي يستند كلية،
ويستند فقط إلى إرادة الدولة الإسلامية شأنه في ذلك شأن أي قانون إسلامي آخر. وفي
الالتزامات المفروضة بمقتضى معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف «دولية»، فإن لها
نفس الأساس، وهي إن لم تنل التصديق والنشر من جانب الجماعة الإسلامية المتعاقدة
فإنها تغدو غير ملزمة، ولا يترتب على عدم مراعاتها أي مسؤولية تجاه الدولة
الإسلامية» (1).
ولذا فإن الدولة
الإسلامية قد تقيم علاقات مع مجموعات من الناس قد لا يكون لها كيان الدولة، إلا
أنها تجد في إقامتها العلاقة مع هذه المجموعة -أو الأفراد- تحقيقًا لأهدافها، وذلك
انطلاقًا من نظامها الداخلي الذي يفرض عليها نشر الإسلام بكل وسيلة مشروعة، وقد
يبدو هذا مخالفًا للأعراف الدولية المعاصرة؛ حيث تفرض هذه الأعراف والقوانين أن لا
تتم العلاقات إلا من خلال مؤسسات رسمية، فالإسلام قد لا يعترف ببعض الكيانات
الخاصة إذا وقفت هذه الكيانات الرسمية في وجه الدعوة الإسلامية؛ فإن الدولة
الإسلامية تعمد في هذه الحالة إلى إقامة علاقات مع مجموعات مؤيدة لها، أو متقبلة
لدعوتها، ولا يتوقف هذا الأمر على حالة الدولة الإسلامية من قوة أو ضعف، بل يتوقف
على المرحلة التي تمر بها هذه الدولة، فقد ترى أنها من القوة والمنعة ما يمكنها من
تحقيق أهدافها؛ إلا أن مرحلتها تدفعها إلى إقامة علاقات مع مجموعات أو أفراد في
الدول الأخرى لتحقيق أهداف الدولة الإسلامية.
«والسبب في ذلك
أن النظام الإسلامي يعتبر الفرد -مسلمًا أو أجنبيًّا- شخصًا من أشخاصه، فهو لا
يتعامل مع الجماعات الأجنبية كدول، ولكن يتعامل معها مباشرة كأفراد وجماعات، وكذلك
فإن المسلم بما له من ولاية عامة قد يعتبر طرفًا مباشرًا في علاقة دولية، وقد يمثل
المسلمين جميعًا فيها» (2).
«فالسياسة
الخارجية للدولة الإسلامية إذن امتداد للسياسة الداخلية حيث تعكس الأوضاع الداخلية
وتؤثر عليها وتتأثر بها» (3).
وبما أن سيادة
الدولة الإسلامية الداخلية هي الشريعة؛ فيجب أن تكون سياستها الخارجية كذلك، فإذا
انفصلت إحداهما عن الأخرى فإننا لن نجني سوى التشتت والضياع لهما مهما ألبسنا هذه
الأهداف والعلاقات من مظاهر الشرعية والدولية، بل ستنقلب علاقاتنا الخارجية لتصبح
مثل بقية العلاقات التي لا تسير على منهج الله ورسوله.
والخلاصة أننا
نستطيع أن نقول: إن العلاقات الدولية هي العلاقات والصلات التي تقيمها الدولة
الإسلامية مع غيرها من الدول والجماعات والأفراد؛ لتحقيق أهداف معينة وفقًا
للشريعة الإسلامية.
مفهوم العلاقات الدولية في النظم الوضعية
تنظر النظم
الوضعية إلى العلاقات الخارجية كوسيلة من وسائل الاتصال بين الدول، فهي الإدارة
التنفيذية لما تقرره الدولة تجاه الدول الأخرى، ولم تبحث هذه النظم في تعريف محدد
للعلاقات الدولية إلا من خلال تنظيم هذه العلاقات فيما يعرف بـ «القانون الدولي»،
سواء كان ذلك القانون الدولي العام أم الخاص.
ولذا فإننا لا
نجد في النظم الوضعية تعريفًا محددًا للعلاقات الدولية، فعلى الرغم من التقنين
لشتى شؤون الحياة الذي صبغت به الأوضاع القائمة حاليًا في كثير من دول العالم، إلا
أن العلاقات الخارجية كوحدة مستقلة لم تناقش إلا ضمن «القانون الدولي العام»؛ ولذا
فإننا لا يمكن أن نناقش المفهوم الوضعي للعلاقات الدولية بمعزل عن القانون الدولي
العام، فالقانون الدولي هو «مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول» (4).
ومن خلال هذا
التنظيم تأتي العلاقات الدولية التي تأخذ صورها الدبلوماسية والقنصلية والمعاهدات
والاتفاقيات وغيرها من وسائل العلاقات الخارجية ضمن تنظيم القانون الدولي.
وقد عني
الباحثون الغربيون بالقانون الدولي عناية فائقة، جعلتهم ينظرون إلى غيرهم من الأمم
نظرة تخلف وتأخر، لاعتقادهم أن العالم الغربي هو أول من سبق لتقنين هذه الأوضاع
التي تنشأ بين الأمم، ويبدو تعصب الكتاب الغربيين واضحًا عند تعريفهم القانون
الدولي العام التقليدي، حيث كانوا يعرفونه بأنه «مجموعة القواعد التي تعترف الدول
المسيحية بالتزاميتها في علاقاتها المتبادلة».
كذلك ظهرت
التفرقة بين الشعوب المتمدنة وغير المتمدنة، وقيل بأن الأولى تشمل الشعوب المسيحية
التي تخضع للقانون الدولي العام، وما عداها تُعد شعوبًا غير متمدنة لا تخضع له.
وقد فضح هذا
التعصب الديني أحد أساتذة القانون الدولي العام في أمريكا اللاتينية الأستاذ
«ألتاريز» حيث بين أن الاعتقاد السائد كان يجعل المسيحية مرادفًا للمدنية في وصف
الشعوب (5).
وعلى الرغم من
هذا التعصب الأعمى للنصرانية باعتبارها الدين الذي ينتمي إليه المشرعون للقانون
الدولي في الغرب، إلا أن هؤلاء المشرعين قد اختلفوا في مواقف هذا القانون من الدين
-بصفة عامة- فبعضهم يرى أن الدين لا مقام له في القانون الدولي والعلاقات الدولية،
وأن هذه العلاقات يجب أن تقوم على مبادئ خاصة لتحقيق مصالح وأهداف تسعى إليها
الدول، حتى لو تعارضت مع مبادئ الدين. فهذا أحد المشرعين للعلاقات الدولية يرفض
تطبيق المبادئ الأخلاقية على سلوك الدول، بل يدعو لتنقية الأخيرة من الأولى،
فالدولة في سعيها لتحقيق مصلحتها القومية محكومة بقيم تختلف عن قيم الأفراد في
علاقاتها الشخصية، والنتائج السياسية لسياسة معينة هي في الحقيقة معيار الحكم على
هذه السياسة، بل إن الخلط بين القيم الفردية وقيم الدولة عند «مورغانتو» يعني وضع
الأساس لكارثة قومية؛ لأن المسؤولية الأولى لرجل الدولة هي الحفاظ على بقاء
الدولة، وهذا الالتزام يتطلب منه أخلاقيات تختلف عن تلك التي للفرد.
ويمضي مورغانتو
ليؤكد على أن الواقعية السياسية لا تطابق بين التطلعات الأخلاقية أو المعنوية،
وبين القوانين الأخلاقية التي تحكم الكون «الدين» (6).
ولم تقف هذه
النظرة نحو القيم الأخلاقية والدينية عند المشرعين الأوائل للعلاقات الدولية، بل
استمرت هذه النظرة مع الغالبية العظمى من المشرعين الغربيين حتى وقتنا الحاضر،
وكنموذج معاصر يأتي الدكتور هنري كيسنجر كأحد المشرعين للعلاقات الدولية المعاصرة،
ولا تختلف نظرة كيسنجر عن غيره من المشرعين نحو العقيدة، فهو يتفق مع مورغانتو في
عدم إقحام الأيديولوجية «العقيدة» في النظام الدولي؛ لأنها لا تساهم فقط في اتساع
الأهداف القومية، بل تؤدي في النهاية لخلق دول هدفها «قلب النظام الدولي القائم»
(7).
وهذه النظرة نحو
العقيدة هي التي تحدد علاقة الدولة الغربية بالدولة الإسلامية؛ فهم ينظرون إليها
على أنها دولة عقيدة، تسعى إلى تغيير النظام الدولي القائم، ولذا فإنهم يقفون منها
موقف الحذر إن لم يكن موقف العداء، إلا أن قليلًا من مشرعي العلاقات الدولية يرون
في الدين أحد العوامل التي تساعد على تنمية العلاقات الدولية، فيبحثون عن أوجه
التقارب بين الأديان في إطار العمل لتقوية العلاقات بين الدول، وهذا الاتجاه رغم
قلة عدد الداعين إليه، إلا أن الوقائع السياسية تشير إلى أهمية الأخذ به، فالدين
يُعد «عاملًا من العوامل التي تؤثر بشكل متميز في السياسة الدولية، وإذا كان
العالم تسوده أديان مختلفة، فلا شك أن هذه الأديان تؤثر على اتجاهات أو سلوك
معتنقيها في السياسة الدولية، فاضطهاد المسلمين في عدد من الدول يفسر بعدد من
العوامل من بينها العامل الديني.
وكثيرًا ما توجد
دراسات عن دور الدين في العلاقات الدولية، ولكنها تكون محدودة التوزيع «Restricted Circulation»
تُناقش في إطار محدود وبدرجات مختلفة من السرية، كما أن بعض مواقف الدول من
القضايا الدولية تقوم على أساس علماني، ولكن الواقع غالبًا ما يكون غير ذلك، فموقف
الهند يفسر ضمن ما يفسر بالعامل الديني والصراع بين الهندوسية والإسلام رغم
السياسة المعلنة للهند عن علمانيتها»** (8).
وإذا تتبعنا
الواقع نرى أن هناك دولًا في الغرب -يُعترف لها بالكيان الدولي- ما زالت تقوم على
عقيدة دينية، وتتعامل مع الدول الأخرى من هذا المنطلق، فدولة الفاتيكان التي تمثل
السلطة الدينية والسياسية النصرانية -رغم صغر مساحتها وقلة عدد سكانها- إلا أنها
في المعيار الدولي تُعتبر من الدول التي تقيم علاقات قوية مع غيرها، فالبابا يُعد
رئيس دولة الفاتيكان، يليه المبعوثون الدبلوماسيون لدولة الفاتيكان، تظهر بوضوح في
نشاط رجال الدين من قساوسة ورهبان وراهبات، والذين يبلغ عددهم نحو مليون ونصف في
مختلف أنحاء العالم.
ومن مظاهر نفوذ
الفاتيكان في السياسة الدولية أن كثيرًا من الأحزاب الحاكمة في دول مختلفة تتخذ
أسماء مثل «الديمقراطي المسيحي» أو «الاشتراكي المسيحي»، ومثل الحزب الديمقراطي
المسيحي في إيطاليا أو غيره من عشرات الأحزاب والمنظمات السياسية في أوروبا
وأمريكا اللاتينية تتأثر بتوجيهات البابا رئيس الفاتيكان.
«وخلف القوة
الدينية والدبلوماسية للفاتيكان توجد قوة مادية لا يُستهان بها، فلدولة الفاتيكان
بنوك وشركات وممتلكات في كثير من بلاد العالم، وتملك أيضًا عدة صحف ومجلات ومحطات
إذاعة في مختلف أنحاء العالم، بل تعتبر محطة إذاعة الفاتيكان من أقوى محطات
الإذاعة في أوروبا، وهي تذيع بأكثر من 50 لغة» (9).
«بل إن السفير
البابوي أو القاصد الرسولي -كما يُسمى- له حق الأسبقية على السفراء الآخرين في بعض
البلدان» (10).
المراجع:
(1) دولة
الإسلام والعالم - د. محمد حميد الله ص 14.
(2) مصنفة النظم
الإسلامية – د. مصطفى كمال وصفي. ص 283.
(3) أصول العالم
السياسية – د. محمد علي العويني ص 201.
(4) القانون
الدولي - رينيه جان دبوي ص 5.
(5) القانون
الدولي العام - د. عبد العزيز سرحان ص 15.
(6) النظريات
المتضاربة في العلاقات الدولية - جيمس دورتي وروبرت بالستغراف ص 84.
(7) المصدر
السابق ص84.
(8) العلاقات
الدولية المعاصرة - د. محمد علي العويني - ص 30.
(9) القانون
الدولي العام - د. عبد العزيز سرحان. ص 624.
(10) انظر
القانون الدولي العام سموحي فوق العادة ص 486.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل