العنوان شهادة رجل من الغرب
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013
مشاهدات 64
نشر في العدد 2038
نشر في الصفحة 66
الجمعة 08-فبراير-2013
يقول المفكر والأديب الإنجليزي «روم لاندو» في كتابه «الإسلام والغرب» الطبعة الثانية، ترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت 1977 م، ص 280 - 281" منذ عصر النهضة، انفصل العلم في الغرب، انفصالاً أشد وضوحاً، عن الدين، أو بتعبير آخر، تابع العلم سبيله غير لافت إلاّ قليلاً إلى مطالب الأخلاق وعلم الأخلاق.. ففيما كان الإنسان في الغرب، يكتسب معرفة متنامية أبداً بالكون الطبيعي، وسيطرة متعاظمة عليه، كان تقدمه الأخلاقي يتخلّف متلكئاً.
وبتحرير العلم في القرون الوسطى من سلطان الكنيسة، لم يفصل الغرب العلم عن العقائد الدينية فحسب، بل فصله عن مفاهيم الإيمان والقيود الأخلاقية الملازمة له أيضاً. أما العلم الإسلامي فلم ينفصل، كما قد رأينا، عن الدين قط، والواقع أن الدين كان هو ملهمه وقوّته الدافعة الرئيسة.
ففي الإسلام ظهرت الفلسفة والعلم معاً إلى الوجود، لا ليحلا محل ألوهية الدين، ولكن لتفسيرها عقلياً، لإقامة الدليل عليها وتمجيدها.
ومن هنا فليس عجيباً أن يكون العلم الإسلامي لم يجرّد في أيما يوم من الأيام من الصفات الإنسانية - كما حدث في الغرب - ولكنه كان دائماً في خدمة الإنسان وبينما أكره العلم الغربي في عهد مبكر نسبياً على اتخاذ سبيل التخصّص، بحيث أمسى كل فرع من فروعه يعمل - كثيراً أو قليلاً - في عزلة، ظل العلم الإسلامي شمولياً، يجهد من أجل الوحدة، وهي وحدة يؤدي فيها كل من الكون المادي والله والإنسان دوره الحاسم.. إن الحقيقة التاريخية التي لا ريب فيها هي أن المسلمين وفقوا، طوال خمسة قرون كاملة، إلى القيام بخطوات حاسمة في مختلف العلوم، من غير أن يديروا ظهورهم للدين وحقائقه، وأنهم وجدوا في ذلك الانصهار عامل تسريع وإنجاح، لا عامل تعويق وإحباط».
هذه شهادة رجل من الغرب، يضع فيها النقاط على الحروف في مسألة علاقة العلم بالدين، فيؤكد أن المعرفة المتنامية أبداً بالكون الطبيعي، والسيطرة المتعاظمة عليه، دفعت الغرب إلى تحطيم قيود الكنيسة المتيّبسة التي وقفت في طريقه، وانطلق، ليس فقط لفك الارتباط بني العلم والكنيسة، بل لتحرّره - كذلك - من مفاهيم الإيمان والقيود الأخلاقية الملازمة له أيضاً.
وها نحن نرى اليوم، من جرّاء هذا التكاثر بالأشياء، والتنامي العلمي الأسطوري، والتفوّق التقني، والاندفاع الأهوج وراء التحقّق بالقوة، كيف أن قيادات العالم الضالة ضربت مفاهيم الإيمان والقيود الأخلاقية، وراحت تبعد أكثر فأكثر عن منظومة القيم الدينية والإنسانية، مستجيبة لنداء واحد: التملّك والقوة!
وقد ديست في هذه المعادلة الجائرة حقوق شعوب لا يحصيها عدٌّ في سياق الموجتين الاستعماريتين القديمة والجديدة، ولا يزال العالم يئن ويتوجع من جرّاء سحب يد الدين والقيم الخلقية والإنسانية، عبر التعامل مع ما يسمى بالتقدم العلمي.
أما العلم الإسلامي فلم ينفصل - كما يؤكد «لاندو» - عن الدين قط، والواقع أن الدين كان ملهمه وقوّته الدافعة الرئيسة، ولهذا ظل، وكان يمكن أن يظل - لولا النكسة الحضارية التي مني بها المسلمون منذ قرون عديدة - ملتزماً بمنظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية، قديراً على التحقق بحياة متوازنة آمنة وسعيدة، جديرة بإنسانية الإنسان.
وهكذا، فإن العلم الإسلامي لم يجرّد في أيما يوم من الأيام من الصفات الإنسانية، كما حدث في الغرب، ولكنه كان دائماً في خدمة الإنسان.. لقد كان الدين الإسلامي - بحق - عامل تسريع وإنجاح للنشاط العلمي، لا عامل تعويق وإحباط، ليس هذا فحسب، بل إنه قدر على كسر عزلة التخصص التي تجعل العالم ينظر إلى العالَم بعين عوراء، وانفتح على المنهج الشمولي الذي يجهد من أجل الوحدة، وهي وحدة - كما يقول «لاندو» - يمارس فيها كل من الله والكون المادي والإنسان دوره الحاسم.
وبدون هذه الأقطاب الثالثة لن يكون بمقدور العلم، ولا الفلسفة، أن تحل إشكاليات الظاهرة الكونية والحياتية، ولسوف يدخلان متاهات ودهاليز مظلمة، كما فعلت المادية «الديالكتيكية» على سبيل المثال، ولن يعثرا من خلالها على المفتاح.
وها هي فلسفة العلم الأكثر حداثة: «فتكنشتاين»، و«سوليفان»، و«ألكسس كاريل»، و«أريك فروم»، وغيرهم كثيرون، يؤكدون هذه الحقيقة، ويدعون في مناهجهم إلى التشبث بها، إذا أراد العلم والفلسفة أن يعثرا على الجواب.
(*) مفكر إسلامي أكاديمي عراقي