العنوان دراسات لم تُنشر لفضيلة الدكتور السيد نوح يرحمه الله.. بين يدي تفسير سورة «لقمان» (4-3).. تحدي المشككين في القرآن الكريم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011
مشاهدات 54
نشر في العدد 1961
نشر في الصفحة 52
السبت 16-يوليو-2011
- هل يستطيع الشاكون المرتابون في صحة نسبة هذا الكتاب إلى رب العزة وهم يحفظون الأحرف الهجائية أن يجاروا هذا الكتاب أو يضاهوه؟!
- أبرز صفات المحسنين.. إقامة الصلاة على وجهها أداءً كاملاً تتحقق به حكمتها وأثرها في الشعور والسلوك
تابعنا- في الحلقة الماضية- بعض معاني مفردات سورة لقمان، ونستكمل في هذه الحلقة الثالثة باقي معاني هذه المفردات، إلى جانب المعنى العام والإجمالي للآيات، وأيضاً دلالة الآيات.
"هدى".. يطلق الهدى في لغة العرب على عدة معان وأهمها:
1- النهار، يقال: طلع الهدى أي طلع النهار.
2- الطريق، يقال سرت في الهدى أي في الطريق.
3- الرشاد قال تعالى: ﴿ذّلٌكّ پًكٌتّابٍ لا رّيًبّ فٌيهٌ هٍدْى لٌَلًمٍتَّقٌينّ﴾ (2 البقرة).
4- التعريف والبنيان والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المطلوب، قال تعالى: ﴿إنَّ عّلّيًنّا للّهًدٍىّ أّمَّا ثّمٍودٍ فّهّدّيًنّاهٍمً﴾ (فصلت: 17).
5- الطاعة، قال تعالى: ﴿أٍوًلّئٌكّ پَّذٌينّ هّدّى پلَّهٍ فّبٌهٍدّاهٍمٍ اقًتّدٌه﴾ (الأنعام: 90).
6- والمقام هو الذي يحدد المراد، وعليه فإن المراد بالهدى في الآية الرشاد بدليل متعلقها وهو قوله سبحانه: «محسنين » « للمحسنين » نطلق الإحسان في لغة الغرب على عدة معان وأهمها:
- فعل ما هو حسن وجميل، تقول أحسن إلى نفسه أي فعل ما هو حسن وجميل ومنه قوله تعالى: ﴿إنً أّحًسّنتٍمً أّحًسّنتٍمً لأّنفٍسٌكٍمً﴾ (الإسراء: 7).
- الإتقان أو الإجادة، تقول: أحسن الشيء: أجاد صنعه أو أتقن، ومنه قوله تعالي: ﴿صّوَّرّكٍمً فّأّحًسّنّ صٍوّرّكٍمً رّزّقّكٍم مٌَنّ پطَّيٌَبّاتٌ ذّلٌكٍمٍ پلَّهٍ رّبٍَكٍمً فّتّبّارّكّ پلَّهٍ رّبٍَ پًعّالّمٌينّ﴾ (64 غافر).
ولا تعارض بين المعنيين فإن فعل ما هو حسن وجميل يتضمن الإتقان أو الإجادة الواردة في قولهﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته »، كما يتضمن الحياء من الله ومراقبته سبحانه الواردان في قوله ﷺ في حديث جبريل: «... الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لمن تكن تراه فإنه يراك .»
والمعنيان مرادان هنا في الآية. « الذين يقيمون الصلاة » أي ينشؤونها معدلة مستقيمة، مستوفاة حقها من كل النواحي الظاهرة والباطنة، وذلك باتباع السنة في كل ما يتصل بها ظاهراً والخشوع وتظهير القلب باطناً مع الدوام أخذًا من قولهم: أقام الشيء أي أدامه وأنشأه موفى حقه وأقام العود والبناء ونحوها: عدله وأزال عوجه.
«ويؤتون الزكاة » أي يفعلون أو يؤدون الزكاة التي هي اسم لمال مخصوص تدفعه يد الأمة الغنية إلى يدها المحتاجة بشروط مخصوصة.
«وهم بالآخرة هم يوقنون» الآخرة هي دار الحياة بعد الموت أو هي ما يقابل الأولى، وسميت بذلك لأنها تأتي بعد الحياة الدنيا فهي متأخرة عنها في الزمان وإن كانت فوقها في المنزلة والرتبة، «ويوقنون » يعني يعلمون علماً لا شك فيه أنها آتية لا محالة.
والكلام من قوله تعالى: «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون » عطف بيان أو بدل من كلمة «المحسنين » كأن المعنى للمحسنين الذي عملوا أشهر وأبرز الأعمال في هذا الدين وهي الصلاة والزكاة وصدقوا موضوع اليوم الآخرة تصديقاً لا شك فيه أو الذين عملوا جميع الحسنات ونخص بالذكر منها: إقام الصالة وإيتاء الزكاة واليقين باليوم الآخر من باب ذكر الخاص بعد العام يقول العلامة أبو السعود- يرحمه الله تعالى - «للحسنين أي العاملين للحسنات فإن أريد بها مشاهيرها المعهودة في الدين فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَة﴾ بيان لما عملوا من الحسنات على طريقة الألمعي الذي يظن بك الظن وكأنه قد رأى وقد سمع وإن أريد بها جميع الحسنات فهو تخصيص لهذه الثلاث بالذكر من بين سائر شعبها لإظهار فضلها على غيرها .»
«أولئك » اسم إشارة للبعيد لفتًا للأنظار إلى علو منزلتهم ورفعة وسمو مكانتهم. «على هدى » على حرف جر يفيد معنى التمكن والاستعالء، والمعنى إذن؛ تمثيل حالهم في ملابسهم بالهدى بحال من يعتلي الشيء ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد.
«من ربهم » الرب في لغة العرب يطلق على عدة معانٍ، منها:
- الملك الجامع لكل شيء: رب الشيء أي ملكه وجمعه.
- السيد تقول: هذا ربي أي سيدي.
- اسم الله تبارك وتعالى.
- المربي تقول هذا ربي أي الذي رباني وتولاني وتعهدني وغذاني مادياً ومعنوياً
- القيم: تقول: هذا ربي أي القيم على شؤوني وأمري.
- المنعم: تقول: هذا ربي أي المنعم عليّ بكل النعم الظاهرة والباطنة.
- المدبر: تقول: هذا ربي أي المدبر لكل شؤوني وأمري.
- المصلح: تقول: هذا ربي أي المصلح لي.
وكلها مراده في الآية، والجار والمجرور «من ربهم » متعلق بمحذوف وقع صفة بياناً لفخامة هذا الهدى بإضافته إلى الرب سبحانه وتعالى إثر بيان فخامته الذاتية أي على هدى كائن من عنده تبارك وتعالى، وهو شامل لجميع أنواع هدايته تعالى وفنون توفيقه لهذا الصنف من الناس.
«وأولئك هم المفلحون » الفلاح هو الظفر بالمراد والفوز بالحياة الطيبة في الدنيا والنعيم الدائم المقيم في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿قّدً أّفًلّحّ پًمٍؤًمٌنٍونّ پَّذٌينّ هٍمً فٌي صّلاتٌهٌمً خّاشٌعٍونّ الَّذٌينّ هٍمً عّنٌ پلَّغًوٌ معٍرًضٌوٍن الَّذٌينّ هٍمً لٌلزَّكّاةٌ فّاعٌلٍونّ الَّذٌينّ هٍمً لٌفٍرٍوجٌهٌمً حّافٌظٍونّ إلاَّ عّلّى أّزًوّاجٌهٌمً أّوً مّا مّلّكّتً أّيًمّانٍهٍمً فّإنَّهٍمً غّيًرٍ مّلٍومٌينّ فّمّنٌ ابًتّغّى رّاءّ ذّلٌكّ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ پًعّادٍونّ الَّذٌينّ هٍمً لامّانّاتٌهٌمً عّهًدٌهٌمً رّاعٍونّ الَّذٌينّ هٍمً عّلّى صّلّوّاتٌهٌمً يٍحّافٌظٍونّ أوٍلئّكٌّ هٍمٍ پًوّارٌثٍونّ پَّذٌينّ يّرٌثٍونّ پًفٌرًدّوًسّ هٍمً فٌيهّا خّالٌدٍونّ﴾ (المؤمنون).
وتعريف الطرفين أي المبتدأ والخبر مع ضمير الفصل «هم » لإفادة الحصر وكأن المراد: إن الذين يشار إليهم في الآية بتلك الأوصاف الكريمة والخلال الحميدة هم الجامعون للفلاح، الكاملون فيه دونما سواهم من الناس.
المعنى الإجمالي للآيات:
افتتح سبحانه هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة «ألف، لام، ميم » وأخبر عنها بأنها آيات الكتاب الحكيم على أن آيات الكتاب من جنس تلك الأحرف فهل يستطيع الشاكون المرتابون في صحة نسبة هذا الكتاب إلى رب العزة وهم يحفظون هذه الأحرف ومنها ينظمون كلامهم أن يجاروا هذا الكتاب أو يضاهوه، كلاً أو بعضاً، اللهم لا.. وقد وصف رب العزة كتابة هذا بالحكمة نظراً لأن موضوع الحكمة مكرر في هذه السورة فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب في جوه المناسب على طريقة القرآن الكريم في الخطاب، ووصف الكتاب بالحكمة يلقي عليه ظلال الحياة والإرادة فكأنما هو كائن حي متصف بالحكمة في قوله وتوجيهه، قاصد لما يقول، مريد لما يهدف إليه وإنه لكذلك في حقيقته وصميمه، فيه روح، وفيه حياة، وفيه حركة وله شخصية ذاتية مميزة، وفيه الناس، وله صحبة يحسن بها من يعيشون معه وفي ظلاله ويشعرون له بحنين وتجاوب كالتجاوب بين الحي والحي وبني الصديق والصديق.
ثم عاد فأخبر عن هذا الكتاب الحكيم، وآياته بأنها هدى ورحمة للمحسنين وهذا شأنه على الدوام والاستمرار يهدي التي هي أقوم، ويكون سبباً في تنزل الرحمات فإذا الراحة والطمأنينة، والأمن والأمان وإذا الخير والفلاح وإذا قوة ومتانة الصلات والروابط بين قلوب المهتدين به ثم بين هذه ونواميس الكون الذي تعيش فيه والقيم والأحوال والأحداث التي تتعارف عليها القلوب المهتدية والفطر السليمة والعقول الراشدة.
ثم حدد أبرز صفات المحسننين، ألا وهي إقام الصلاة بأدائها على وجهها وفي وقتها أداءً كاملًا تتحقق به حكمتها وأثرها في الشعور والسلوك وتنعقد به تلك الصلة الوثيقة بني القلب والرب ويتم الأنس به سبحانه وتعالى، وإيتاء الزكاة بما يحقق استعلاء النفس على شخصها الفطري وإقامة نظام لحياة الجماعة يرتكن إلى التكافل والتعاون ويجد الواحدون فيه والمحرومون الثقة والطمأنينة، ومودة القلوب التي لم يفسدها الترف ولا الحرمان واليقين التام بالرجوع إلى الله للحساب والجزاء بصورة توقظ القلب البشري وتجعله دائماً متطلعاً إلى ما عند الله، مستعلياً على أوهاق الأرض، ومتع الحياة الدنيا الزائلة مراقباً الله في السر والعلن وفي الرفيق والجليل كما قال النبي ﷺ وهؤلاء المحسنون الذي سمعت أبرز صفاتهم وأخلاقهم هم الذين هداهم ربهم وجعلهم من المفلحين الفائزين بالحياة الطيبة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿مّنً عّمٌلّ صّالٌحْا مَن ذّكّرُ أّوً أٍنثّى هٍوّ مٍؤًمٌنِ فّلّنٍحًيٌيّنَّهٍ حّيّاةْ طّيَبّةْ لّنّجًزٌيّنَّهٍمً أّجًرّهٍم بٌأّحًسّنٌ مّا كّانٍوا يّعًمّلٍونّ﴾ (97 النحل).