العنوان من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة (151)- المربى الداعية د. حمد الصليفيح (1360 - 1426هـ / 1939 – 2006م)
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009
مشاهدات 70
نشر في العدد 1861
نشر في الصفحة 40
السبت 18-يوليو-2009
ولد بمدينة «ثادق» بالسعودية ونال درجة الدكتوراه من
باكستان.. وشارك في تأسيس «الندوة العالمية للشباب الإسلامي»
تتلمذ على كتابات البنا وقطب والسباعي والصواف والمودودي
والندوي.. مع اصطباغه بالثقافة السلفية في محيطه
دعا إلى تحويل الدعوة إلى عمل مؤسسي.. وسعى إلى إخراج
العمل الخيري الإسلامي من أطره التقليدية
بذل جهودًا مكثفة لدعم العاملين في مجال الدعوة
الإسلامية.. وتوحيد صفوفهم أمام خطر الأعداء والخصوم المتربصين
د. التويجري: عزوفه عن الأضواء حال دون أن يُعرف كما
يليق بمثله أن يعرف.. خاصة في السعودية
ولد في مدينة «ثادق» في منطقة المحمل بالمملكة العربية السعودية يوم 1/7/1360هـ،
ودرس الابتدائية والمتوسطة في ثادق، ثم درس الثانوية بالمعهد العلمي بالرياض، ثم
في كلية الشريعة، وواصل دراساته العليا حتى حصل على الدكتوراه من باكستان، وكانت
أطروحته عن الإمام النسائي وتفسيره. وقد عمل في حقل التدريس الثانوي والجامعي، كما
عمل أمينًا عامًا للتوعية الإسلامية بوزارة المعارف، وشارك في تأسيس الندوة
العالمية للشباب الإسلامي، وعين ملحقًا ثقافيًّا في السفارة السعودية بباكستان
وإيران.
شيوخه: تأثر الشيخ حمد الصليفيح أولا وبشكل كبير بوالدته التي
كانت تدرس العلوم الدينية وتحفيظ القرآن الكريم، حيث تخرج على يديها العديد من
الحافظات، كما درس بعد ذلك على يد الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن قعود، وتأثر
كثيرًا بفكر الشيخ عبدالرحمن الدوسري، ولازم الشيخ ابن باز فترة من الزمن، ودرس
على الشيخ حسن الدريعة وتأثر كثيرًا بكتابات أبي الحسن الندوي وسيد قطب وغيرهم.
معرفتي به
معرفتي بالأخ الصليفيح قديمة، وذلك من خلال زياراتي للبلاد العربية
والإسلامية حيث كان لقائي معه في باكستان، وكان وقتها ملحقًا بالسفارة السعودية،
حيث زرته مع الأخ عبد الله عبد العزيز السويلم، الذي كان يدرس في الكلية البحرية
هناك، وقد وجدت فيه من الحماس والغيرة على الدين والعمل في نشر الدعوة الإسلامية
وشرح مبادئ الإسلام ودعم العاملين في حقل الدعوة وبذل الجهود المكثفة لتوحيد كلمة
العاملين للإسلام وتوحيد صفوفهم أمام خطر أعداء الإسلام وخصومه الذين ينطلقون في
حربه عن قوس واحدة، ويسعون لتفريق المسلمين وتشتيت جهودهم.
ووقفت على الكثير من الجهود التي يبذلها والمساعدات التي يقدمها، ولاحظت
همته التي لا تفتر ونشاطه الذي لا يتوقف في رفد العمل الإسلامي، وشد أزر العاملين
للإسلام في كل مكان، فكان يبذل من ذات نفسه، ويسخر طاقاته وجهوده دون كلل أو ملل،
وما كان يتأخر البتة عن الاستجابة لأي طلب فيه خير الإسلام والمسلمين بل يبادر دون
تردد في الإسهام قدر طاقته ووفق إمكاناته لتحقيق طموحات العاملين للإسلام في أي
مكان كانوا، وحيثما تعددت جهودهم ومجالات نشاطهم، ما دامت في خدمة الإسلام
والمسلمين وتحقق مرضاة الله تعالى.
كما سعدت به في رحلات مشتركة ومؤتمرات وندوات في أنحاء العالم العربي
والإسلامي، وبخاصة في الكويت والسعودية وباكستان والسودان وكندا، وفي تركيا بمؤتمر
المنظمات الإسلامية سنة 1975م الذي ضم الكثير من قيادات الحركة الإسلامية في
العالم العربي والإسلامي، وكان له دوره الفاعل والمؤثر في توحيد الجهود وجمع
الطاقات، وضم فصائل الصحوة الإسلامية للتحرك سويًّا في مواجهة الطغيان والفساد.
كما شرفني بداري بالكويت أكثر من مرة وشارك في الندوة الأسبوعية في
الديوانية مساء الجمعة، بحيث استفاد الحضور من تجاربه وخبراته الدعوية ورحلاته إلى
البلاد الإسلامية وخططه وبرامجه في التوعية الإسلامية.
وكان له اهتمام بارز في العناية بالشباب وتربيتهم على منهج الإسلام
وتعليمهم طرق الدعوة إلى الله وفق المنهج النبوي الذي سار عليه سلف الأمة، مع
الاستفادة من مبتكرات العصر، وتسخيرها للنشاط الدعوي، وكسب القلوب وتربية الناشئة
وتوجيه العامة واصطفاء النخبة، حيث يعتبر صاحب مدرسة متميزة في صنع الرجال وبناء
القادة على منهج الإسلام.
وأنت حيثما توجهت تجد آثاره في المواقع التي عمل فيها داخل المملكة العربية
السعودية وخارجها، بل إن له شبكة واسعة من المعارف والاتصالات بالشخصيات والتجمعات
الإسلامية في أنحاء العالم وله مكانة مرموقة، وهو شخصية محبوبة لدى الجميع لأنه
صادق اللهجة جميل المعشر عظيم الوفاء، سخي اليد، كريم العطاء، سريع المبادرة لفعل
الخيرات ونجدة المحتاجين من المسلمين أينما كانوا..
أعماله ونشاطاته
كان الدكتور حمد الصليفيح من أوائل من أسس الندوة العالمية للشباب
الإسلامي، وله فضل وأسبقية في افتتاح مدارس تحفيظ القرآن الابتدائية والمتوسطة
والثانوية النظامية في وزارة المعارف - آنذاك - عندما كان مديرًا عامًا للتربية
والتوعية الإسلامية في الوزارة، وقد عمل في حياته المهنية والتربوية أستاذًا في
المراحل الثانوية والجامعية في مدينة
الرياض، ثم ملحقًا تعليميًّا للسفارة السعودية في إيران وباكستان، ثم مديرًا لقسم
التربية الإسلامية في وزارة المعارف - آنذاك - ومشرفًا على مدارس تحفيظ القرآن
الكريم حتى تقاعده، وكان عضوًا في مجلس أمناء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في
الرياض، وكذلك في منظمة الدعوة الإسلامية في السودان لسنوات عديدة، وشارك الدعاة
الآخرين في المذكرات الإصلاحية لرفع شأن الأمة والوطن، وبارك الخطوات الإصلاحية
التي أعلنها ولاة الأمر للمشاركة الشعبية والاهتمام بالشأن العام وثقافة الإصلاح
السلمي لعلاج المشكلات بالمجتمع.
من أقواله
ومن أقواله عن علاقته بالإخوان المسلمين:
حركة الإخوان المسلمين حركة إسلامية كبرى شمولية المنهج، ترى ضرورة تطبيق الشريعة
الإسلامية في مصر وديار المسلمين وتطرح الإسلام (عقيدة وشريعة وأخلاقًا ونظامًا
للحياة) في أسلوب تربوي مندرج يبدأ بتربية الفرد، وتكوين الأسرة وإصلاح المجتمع
وتزكية الدولة.
وقد أثرت كثيرًا في المجتمع المصري الذي كان يرتع في أدران الرذيلة،
والاستبداد السياسي، فساهمت في تحريره من الاستعمار الإنجليزي وحاربت اليهود في
فلسطين ثم انتشرت دعوتهم في أصقاع الأرض.
وكان لها تأثير في تكوين الصحوة في هذه البلاد في ميدان طرح الإسلام الشامل
للعقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق وخصوصًا في الفترة التي تصدت فيها قيادة هذه
البلاد بزعامة الملك فيصل - رحمه الله – لمحاربة فرعون مصر جمال عبدالناصر التي
مثلت كتب حركة الإخوان المسلمين الزاد الفكري والمبرر الأخلاقي لذلك!
ويرى الدكتور حمد أن السودان هو بوابة الإسلام إلى أفريقيا، وأن الحكم
الحالي فيه محاولة جادة لتطبيق الإسلام في السودان تتمثل في: فكر إسلامي أصيل،
وطهارة في الحكام، ونظام متدرج لأسلمة الشعب السوداني، والقطر السوداني هو العمق
الإستراتيجي للمملكة العربية السعودية لأنه يمتد أميالاً في خاصرتها على البحر
الأحمر، وهي امتداد طبيعي للسودان وأن المستقبل للإسلام في هذه المنطقة رغم كل
العراقيل التي يضعها أعداء الإسلام من العلمانيين والمرتزقة والنفعيين، والواجب
تقدير رموز الصحوة الإسلامية من الشباب وتنمية دورهم الفاعل في التوجيه والإرشاد مما
ينفع البلاد.
قالوا عنه
يقول الشيخ راشد الغنوشي: حمد الصليفيح داعية، وإصلاحي كبير وصديق للحركة
الإسلامية المغاربية.
كان آخر لقاء لي معه منذ سنة ونصف تقريبًا على هامش عمرة حيث استضافني في
بيت له متواضع بمكة المكرمة قادمًا إليها من مقر إقامته بالرياض، فهو نجدي أصيل
نشأ -شأن القطاع الأوسع من النخبة الإسلامية لجيله- في سياق المناخات الفكرية
لمدرسة الإخوان المسلمين.
تتلمذ على كتابات سيد قطب والبنا والمودودي والسباعي والصواف والندوي ولكن مع اصطباغ بالثقافة السلفية السائدة في
البيئة.
كان جهده منصبًا أساسًا على قطاع التعليم والثقافة، سواء أكان مدرسًا
بالجامعة أم كان مسؤولاً كبيرًا في الوزارة مشرفًا على قسم التوعية الإسلامية،
وكان نفوذها ممتدًا إلى كل المدارس بالمملكة، كما عمل خلال السبعينيات لبضعة سنوات
دبلوماسيًّا في خطة ملحق ثقافي بسفارة المملكة بإسلام آباد، حيث كانت له الفرصة
لتوثيق صلته بمدرسة المودودي الرمز والفكرة والتلاميذ والحركة، وما لبث أن أعيد
إلى وطنه ليتابع نشاطه التربوي.
قطعت ليالي المحن حبال التواصل السنوات مع الصديق العزيز حمد الصليفيح ذلك
التواصل الذي بدأ في باكورة انطلاق دعوتنا في بداية السبعينيات، حيث زارنا «حمد»
ونزل عندنا ضيفا، وكان قادمًا من المغرب الأقصى حاملاً إلينا، ونحن فتية بضاعتنا
في فقه السياسة والحركة والتنظيم وأحوال الأمة والعالم متواضعة، فكنا نستمع
بانتباه شديد وإعجاب لما يتدفق به «حمد» من خبرات ومعلومات وتقويمات لهذه الحركة أو
تلك، ولهذا الرمز أو ذاك.
فكان «حمد» إلى جانب الشيخ الصواف مؤسس الحركة الإسلامية في العراق، والذي
تحول لاجئًا إلى السعودية بعد استيلاء الشيوعيين ثم البعثيين على الحكم، ثم
الأستاذ مصطفى الطحان الأمين العام للمنظمات الإسلامية الطلابية، كان هذا الثلاثي
طليعة المشارقة الذين تمكنوا من اختراق القلعة التونسية التي قطعها الانسلاخ
التحديثي عن أصولها في المشرق العربي.
وتكررت زيارات «حمد» لنا مرتين أو ثلاثا ضمن زياراته للمنطقة، خلال شهوده
ندوة ثقافية أو تربوية، فكان إسهامه معتبرًا إلى جانب الأخوين المذكورين في تنمية
خبرتنا التنظيمية ووعينا بحركة الإسلام في الواقع؛ إذ كانت انطلاقة مجموعتنا عفوية
تتمركز حول فكرة الهوية والصراع الثقافي مع التغريب انتصارًا للفكرة الإسلامية
فكان الجانب التنظيمي محدودًا جدًّا، وخبرتنا فيه تكاد تكون معدومة، ومما أذكر عن
«حمد» في تلك المرحلة المبكرة إعجابه الشديد بالشيخ عبدالفتاح مورو، وكان تقديره
أن شخصيته لا تصلح للتنظيمات فهو أكبر من أي تنظيم!!
قطعت ليالي المحنة عنا «حمد» حتى حصل انفراج قليل بسقوط الطاغية العجوز حيث
راود بعض الطيبين مثلنا أن الطغيان قد سقط معه، وأن لا ظلم بعد اليوم.. حتي كان
أول اختبار لتلك الوعود والأماني ممثلا في انتخابات أبريل 89 فـ «عادت حليمة إلى عادتها القديمة».
فتلبدت الأجواء، وبلغت المراقبة المباشرة عليّ حد الشعور بالاختناق فتلقيت
دعوة من منظمة طلابية فلسطينية بألمانيا للمحاضرة في مؤتمرها فخرجت ألتقط نفسًا وقادني
المطاف في العالم بعد عزلة عشر سنين إلى المملكة لشهود مهرجان الجنادرية، فتجدد
اللقاء بـ «حمد».. فألفيته كما عرفته يتدفق حماسًا في التعبير عن قناعاته.
رثاؤه
سلام أبا موسى عليك ورحمة من الله
يقول د. أحمد بن عثمان التويجري في منطقة قرب بدر بالغرب من المدينة المنورة
على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، شاء الله عز وجل أن يحل أجل الداعية والمصلح
الإسلامي الدكتور حمد بن إبراهيم الصليفيح، وهو في أوج عطائه، بل وهو ملء السمع
والبصر للمتابعين لشؤون الدعوة والعمل الإسلامي.
وعلى رغم علو مكانته -رحمه الله- في الأوساط الإسلامية وسابقته في العمل
الإسلامي، وتعدد إسهاماته سواء على مستوى المملكة أم على مستوى العالم الإسلامي،
إلا أن زهده وعزوفه عن الأضواء، وتقديمه للعمل على القول حالت جميعها دون أن يعرف
كما يليق بمثله أن يعرف، خاصة في السعودية التي ينتمي إليها، لقد كان رحمه الله من
أوائل من دعا إلى تحويل الدعوة الإسلامية إلى عمل مؤسسي، بعد أن كانت السمة
الفردية غالبة عليه، ومن أوائل من سعى إلى إخراج العمل الخيري الإسلامي من أطره
التقليدية إلى ما تقتضيه مطالب المرحلة المعاصرة، كان سابقًا لعصره في رؤاه
الفكرية، فلم تشغله الخلافات الفقهية التقليدية، وإنما تسامي عليها مؤثرًا
الانشغال بقضايا الأمة الكبرى وهمومها العظام، اهتم بالكليات والأمور الجامعة،
وأمن إيمانا قاطعًا بأن العمل في مجالات الالتقاء كفيل بإزالة الخلافات وتصحيح
المفاهيم الخاطئة.
رحم الله أبا موسى رحمة واسعة وأنزله منازل الصديقين والشهداء وجمعنا به
ومن نحب في دار كرامته بعفوه وكرمه، إنه سميع مجيب.
أحقًّا أبا موسى رحلت وبيننا *** مواعيد لم تنجز بواعثها كثر
أنا في مغيب الشمس أحدو ركائبي *** وأنت بشرق الأرض يخلو لك الوعر
كلانا على درب من الشوك سعينا *** حثيث
وما ندري متى يطلع الفجر
أحقًّا أبا موسى رحلت وكلنا *** شوق وفي أحشائنا غُصَصٌ حمر
على المسجد الأقصى رهان مدنس *** يديره بغي ويحمله غدر
وأمتنا يا أصلح الله حالها *** حصان تولتها الغواية والنكر
أحقًّا أبا موسى رحلت وما لنا *** لقاء إلى أن يجمع الأنفس الحشر
فمن لسديد الرأي أن حارت الرؤى *** ومن للرؤى إن حار في أمره الفكر
ومن للعلا إن كَلّ سعي إلى العلا
*** ومن للجهاد الحق إن حزب الأمر
ومن للندى يا سيد الجود والندى *** ومن للقرى إن ضاق بالشيم العسر
سلام أبا موسى عليك ورحمة *** من الله ما ندّى أزاهيره القطر
وفاته
وكانت وفاة الدكتور حمد الصليفيح في ليلة السبت الموافق 21/3/1426هـ إثر
حادث سير وهو في طريقه إلى المدينة المنورة، قادمًا من مكة المكرمة عند منطقة
«بدر» عن عمر ناهز 67 عاما، فصلي عليه في الحرم النبوي ودفن بالبقيع.
رحم الله أبا موسى، وحشرنا الله وإياه مع الأنبياء والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
تنبيه
هذه الحلقات بعضها خواطر من الذاكرة قد يعتريها النقص والنسيان؛ لذا أرجو
من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل على
البريد الإلكتروني:
(*) الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي
(سابقًا)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل