العنوان المجددون والمخربون
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 25-يناير-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1536
نشر في الصفحة 45
السبت 25-يناير-2003
المجددون هبة من الله تبارك وتعالى، والعظماء منحة يمد الحق سبحانه بها الشعوب والأمم فترة بعد فترة يجددون لها أمر دينها، ويعلون لها شأنها، ويرفعون عنها إصرها والأغلال التي كانت عليها، لأن هؤلاء لهم صفات وأعمال وأقوال وأفعال، وعقول وعزائم، ونظر وبصائر، وطبيعتهم مثل طبيعة النجوم والشموس لها إشعاع دائم، وأضواء باهرة، حيثما حلوا نفعوا وبعثوا، وأضاؤوا وكشفوا الغمم وأنهضوا الأمم، لديهم ثروات طائلة من العطاء، ونفحات عامرة من المواهب.
قرأت كثيراً عن الموهوبين والمجددين في الإسلام، فوجدت لهم همماً تطاول السحب، وآمالًا ترقى إلى الجوزاء، ومنطقًا يحرك الصخور، وعلماً يماثل البحور، ووجدت عند الواحد منهم ثروة طائلة من علم النفس، وفن التربية، وقواعد الاجتماع وأساليب القيادة، وطرق الإبداع، وبصرًا نافذًا بطبيعة الجماهير، وقيم الأفراد، وموازين المواهب وكثيرًا من الوسائل التي تعين على الإنهاض والبعث الحضاري، وفوق ذلك كله كان هناك شيء يلاحظ في هؤلاء جميعاً، وهو عناية الله، التي كانت تسدد رميتهم وتصيب أهدافهم، لأن القذيفة قد تنطلق كاملة العناصر، تامة القوة، ولكنها تقع بعيدًا عن مرماها، فتذهب هدرًا.
فمثلًا: ما أكثر الدعاة والخطباء الذين يرسلون من أفواههم حكمًا بالغة تنطلق هنا وهناك، كما ينطلق الرصاص الطائش لا يصيب هدفاً ولا يدرك غرضًا، أما الداعية البارع فإنه يكون موفقاً في جذب الرجال، وتكون كلماته كالسيل يأخذ طريقه المستقيم إلى عقول الناس، فتأسرهم وتجد لها مكانًا في نفوسهم، وعزمًا في قلوبهم، وحماسًا في أفعالهم، وذلك أمر يرجع كله إلى الإخلاص والاستعانة بالله، ثم إمكانات المبدعين ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: ۱۷)، وما أصدق القائل:
إن السلاح جميع الناس تحمله وليس كل ذوات المخلب السبع
لقد نال المصلحون والمبدعون والمجددون على مدار حياتهم زخماً كثيراً. من التهوين والتسفيه، كانوا ينسبون إلى الدجل تارة، وإلى الجنون تارة أخرى، وإلى الفساد أحيانًا كثيرة رغم استجابة الناس لهم وتأثيرهم فيهم، وقد ذكرني ذلك بقول الجاهلين في رسول الله: «خذوا على يديه قبل أن تجتمع العرب عليه» ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66)، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 13)، وقد يصل الأمر بالجاهلين إلى التطير بالمبدعين واتهامهم بالشؤم على البلاد والعباد ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ (يس: 19).
ولعل في حديث القرآن عن هذه الأكاذيب على المصلحين والمجددين ما يكون فيه سلوى وتسلية لهم، وشداً لأزرهم، وتسديدًا لخطوهم، وتوهينًا لأعدائهم، ثم بعد ذلك كله يبشرهم بالفوز والنصر والفتح: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51)، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111).
وكما أن هناك مصلحين ومجددين وروادًا، هناك أيضًا مخربون ومفسدون ومهلكون للحرث والنسل: يخترعون للناس نظامًا يناسب التخلف ويواكب الضياع، ومع هذا يقولون للناس في عصر العلم والتكنولوجيا: «عصب عينيك وسر وأنت أعمى»، لأن العقل عندهم رذيلة، والحرية جريمة والعبقرية ثورة، العالم يتسابق في الإنتاج، ويواصل التجويد والاختراع وهم يتسابقون في الهدر والفساد والنهب ويعيشون عالة يتباهون بالكسل والتبذير ويحيون على أحلام اليقظة.
وهكذا.
فالأمم الناهضة يعمها الرخاء والنماء وأممنا يعمها التأخر والفقر والعوز، ويسود عندهم العلم والاكتشاف ونحن يسود فينا الجهل والغباء، والأمم تحرص على تربية أبنائها وتعليمهم وتدريبهم لمواكبة عصورهم، ومقارعة ومنازلة خصومهم في مجال البحث العلمي وتسخر لذلك كل الوسائل الإعلامية والعلمية والتربوية، وهؤلاء يحرصون على تهميش الأمة وإلهائها وتدجينها وملاحقتها وتحطيمها وتسخير كل الوسائل الإعلامية لذلك. القيادات في العالم المتحضر تنتقي العباقرة والطاقات الفكرية والاجتماعية والعسكرية، وتدفعهم إلى القيادة وتحمل المسؤولية، والمخربون يأتون بحالات متخلفة عقليًا وعلميًا واجتماعيًا وتدفعها إلى الصدارة لتدمر ما تبقى من إمكانات وما ظهر من إبداعات وما تخايل من طاقات.
المخربون في العالم المتخلف لا بد أن يدفعهم العدو والمستعمر إلى الصدارة وينظر إلى عملهم ويعززهم بثلة من الجلادين والأبالسة، ليحرقوا الأخضر واليابس.
المخربون الأبالسة في العالم الثالث لا يحتاجون إلا إلى الملوثين.. عاملين بالمقولة الصهيونية التي تنفذها في أمثالهم: «نحن لا نولي إلا الملوثين لنستطيع قيادتهم»، ولهذا يرشحونهم بغير منافس، أو يزورون لهم بغير حياء ليفوزوا بغير مؤهلات أو منازع، والأمم المبتلاة تموج موج البحر، وتبكي بكاء الملدوغ على حظها العاثر، وحقها الضائع، وثروتها المنهوبة، وتتحسر على آدميتها المهدرة، وكرامتها المراقة ورجولتها الممتهنة، وعدالتها الضائعة وقوانينها المداسة بالأقدام والملطخة بالأوحال، نعم: فأين هؤلاء من مجدهم الغابر، ومن تاريخهم المجيد، ودينهم الحنيف، وبطولاتهم النادرة، وأمانتهم الفائقة، وعدالتهم العظيمة؟!
وأين المخربون من دستورهم الإسلامي المجيد؟ دستور السلطة النبوية الذي بينه رسول الله ﷺ إذ يقول في سيرة قادة الإسلام في الأمة: «إذا استُرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا قسطوا، وإذا عاهدوا وفَّوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة من الله والملائكة والناس أجمعين، ثم قال: «لا تقدس أمة- أي لا تُحترم ولا تُكرم- لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع» يعني من غير أن يصيب الضعيف أذى يقلقه أو يزعجه، كم هو مبدع هذا الإسلام وعظيم، وكم هم عمالقة قادته ورواده وكم هو باهر في تعاليمه ودستوره وقوانينه، وكم هي كارثة عظمى تخلينا عنه، وبعدنا عن تعاليمه، فهل من صحوة، وريادة، وعمل، وإخلاص، وقيادة على مناهج النبوة؟! نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل